الاستعانة بماركس وابن خلدون لفهم ملف الكهرباء في سوريا

الاستعانة بماركس وابن خلدون لفهم ملف الكهرباء في سوريا

رأي نحن والحقوق الأساسية

الخميس 29 يناير 20267 دقائق للقراءة

تشهد سوريا موجة عارمة من حالة الرفض والامتعاض الشديدين بعد قرار الحكومة السورية رفع تعرفة الكهرباء الذي أقرّ أخيراً، وهي خطوة كما يظهر لا تحمل في طياتها أي مبررات اقتصادية أو علمية مقنعة كما يبدو، ناهيك بأنها تتجاهل الظروف القاسية التي يعيشها السوريون منذ 15 عاماً، واستمرار هذه الحال أيضاً بعد سقوط نظام الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى حكم دمشق في 8 من كانون الأول/ ديسمبر 2024.

لكن الأخبار التي تتسرب من دمشق تمنح السوريين أملاً بعودة الحكومة عن القرار الجائر، بعد زيارة محافظ دمشق وبعض من أعضاء مجلس الشعب المنتخبين حديثاً إلى وزير الطاقة محمد البشير في محاولة أخيرة لإقناعه بالتراجع عن قرار الرفع، إلى جانب مساعدته لحفظ ماء وجهه بعدما قرر غالبية السوريين رفض دفع الفواتير بالتسعيرة الجديدة.

السوريون يجتمعون مجدداً

بعد كل هذه السنوات الطويلة من الحرب يجد السوريون أنفسهم أمام فواتير باهظة لا يكفي دخلهم المحدود جداً لسدادها، ولا تتلاقى أصلاً مع واقع لخدمة كهرباء متقطعة، وغير مجدية حتى اليوم، رغم انخفاض ساعات التقنين بشكل لافت.

بعد كل هذه السنوات الطويلة من الحرب يجد السوريون أنفسهم أمام فواتير باهظة لا يكفي دخلهم المحدود جداً لسدادها، ولا تتلاقى أصلاً مع واقع لخدمة كهرباء متقطعة، وغير مجدية حتى اليوم، رغم انخفاض ساعات التقنين بشكل لافت

هذا الرفض الجماعي لا يعبّر فقط عن مجرد حالة احتجاجية على بعض تكاليف الحياة التي باتت مكلفة جداً في سوريا، بل هي حالة تعبير صارخة في وجه سياسة اقتصادية تحاول السلطة الجديدة في دمشق اليوم فرضها بعد أكثر من عام لوصولها إلى سدة الحكم في دمشق، لتظهر هذه الحكومة ووزراؤها وكأنهم بعيدون كل البعد عن واقع الحال وعن هموم المواطنين في إعادة مؤلمة لمشهد حكومات الأسد المتعاقبة في انفصالها المزمن عن الواقع وبشكل صلف عن تلك الهموم.

يزيد المشهد تعقيداً خروج وزير الطاقة على أحد المنصات التلفزيونية المؤثرة، في محاولة لتقديم سردية رسمية لتحرير ذلك القرار بمبررات بعيدة من أسباب اقتصادية غير مقنعة، وشكلية بعيدة من الصدقية، رغم بقاء التيار الكهربائي منقطعاً لساعات طويلة في معظم المحافظات السورية.


الاستعانة بماركس لفهم الحالة

القرار الأخير بدأت مفاعيله في منعطف سوري هام ولحظة سياسية خاصة، فسوريا تعيش تحولات كبيرة في المشهد السياسي، مع سيطرة حكومة دمشق على محافظتي الرقة ودير الزور، بعد انسحاب سريع لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" وتمركزها في مدينة الحسكة.

هذه السيطرة التي توافقت مع رفع الغطاء الأمريكي عن الأكراد هناك أعادت للحكومة السورية بعض قوتها ونفوذها، لكن بدون أن تتوافق هذه التطورات مع إدارة وحوكمة للملفات الداخلية ذات الأولوية، والمهمة.

ربما تستطيع النظرة الماركسية، بشكل هادئ، تفسير كيفية تحول بعض الأنظمة الشمولية ذات التوجه الاشتراكي ولو بشكل ظاهري، إلى أنظمة ذات وجه رأسمالي بشكل سريع.

ربما تستطيع النظرة الماركسية، بشكل هادئ تفسير كيفية تحول بعض الأنظمة الشمولية ذات التوجه الاشتراكي ولو بشكل ظاهري، إلى أنظمة ذات وجه رأسمالي بشكل سريع.

تحاول حكومة دمشق اليوم أن تفرض على البلاد، سياسات تهيمن عليها النيوليبرالية بشكل مجحف على مواطنيها، في بحثها الحثيث عن موارد جديدة للخزينة دون أي اعتبار لأسس العدالة الاجتماعية، التي من المفترض أن تكون ثورة السوريين قد قامت في عام 2011 على نظام الأسد من أجل هذا الهدف المشروع.

وهذه الحالة السورية تستحضر نظريات ابن خلدون المعروفة - إلا للوزير محمد البشير كما يظهر-. فابن خلدون ربط بين دورة تشكل الحضارات، والعلاقة بين الحاكم والحكومة. والدول بحسب الأخير تبدأ بقوة العدل والعصبيات، ثم تنتقل في تحول طبيعي نحو الاستبداد والترف، الأمر الذي يسقط شرعيتها ويقودها في آخر المطاف إلى السقوط.

لذا، فحالة الرفض الشعبي لتسديد فواتير الكهرباء قد تصبح المؤشر الأقوى لفقدان حكومة دمشق لتلك الشرعية (الثورية) التي يعتقد كثر من مؤيديها أنها ستستمر إلى عقود، وغالباً ما حذر ابن خلدون من سقوط هذه الحكومات التي تتحول من خادمة لشعوبها، إلى سيدة عليها ومستبدة.

تواجه حكومة أحمد الشرع، والتي تحاول تصدير شكل لها إسلامياً لكن معتدلاً، تحدياً حقيقياً في إيجاد سياسة اقتصادية متوازنة بين الضغوط الاقتصادية عليها، واحتياجات السوريين المتزايدة والذين رأوا في حكومة الشرع، المنقذ والمخلص، من براثن الأسد الذي تغول بإذلالهم، مع والده على مدى خمسة عقود.

ويشكل ملف الكهرباء اليوم منعطفاً تاريخياً وخطيراً، وبخاصة إذا تحول إلى قضية سورية جامعة، بعد سنوات طويلة من المعاناة.

ليس أمام حكومة الشرع الكثير من الخيارات، فإما التراجع ولو بشكل جزئي (كما تسربت بعض الأخبار)، عن هذا القرار غير المحسوب المخاطر كما يبدو، وتقديم تنازلات، تظهر بشكل جلي على أنها استجابة من الحكومة للشارع السوري، أو المضي بشكل انتحاري مما يزيد الشارع سخطاً، وربما لديها خيار الذهاب إلى تقديم حلول مدروسة، تكشف هشاشة هذا القطاع المهم لإعادة هيكلته، وتحسين الخدمات ثم رفع الأسعار والذي سيبدو أكثر منطقية عندها.

ليقول قائل: ما مسؤولية المواطن السوري عن قطاع تركه الأسد متهالكاً أو شبه متوقف؟!

وابن خلدون أيضاً له رأي

القصة اليوم ليست مجرد أزمة طارئة في مجال خدماتي، يمر بها الشارع السوري، هو اليوم سيكون اختباراً حقيقياً لحكومة الشرع بينها وبين السوريين عموماً، وبخاصة "الحاضنة السنية" التي شكلت أكثر من 80% من الدمشقيين الذين أظهروا اعتراضهم الشديد في فيديوهات نشرت في الأيام الأخيرة على منصات السوشال ميديا، وربما سيكون لها تداعيات خطيرة، لن تستطيع إخفاءها ثلوج موسكو التي غطت طائرة الرئيس الشرع في زيارته الأخيرة للقاء نظيره الروسي.

اليوم سيكون اختباراً حقيقياً لحكومة الشرع بينها وبين السوريين عموماً، وبخاصة "الحاضنة السنية" التي شكلت أكثر من 80% من الدمشقيين الذين أظهروا اعتراضهم الشديد في فيديوهات نشرت في الأيام الأخيرة على منصات السوشال ميديا

تقدم هذه الأزمة درساً ليس جديداً للحكومة الوليدة في دمشق، التي لا يعرف أعضاؤها في الغالب أنّ ابن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة في بناء الأمم وسقوطها، جاء إلى دمشق كوسيط لحقن الدماء بين أهالي دمشق وجيش تيمورلنك، ليكون في وقتها ضمن القضاة المُرافقين للسلطان المملوكي الناصر زين الدين فرج، ونزل بالمدرسة العادلية في دمشق وأقام بها حتى أتمّ مهمته.

هذه الأزمة تُبرز درساً من أهم نظريات ابن خلدون، أن القوة العسكرية والسياسية التي تشعر بفرطها حكومة دمشق اليوم، لن تكفي للبقاء أو الاستقرار، لكن هذا الاستقرار لن تعرفه دمشق بدون شرعية شعبيّة، وعدالة اجتماعية طال انتظارها.

ليستمع الرئيس الشرع وحكومته إلى هموم مواطنيه، ولتكن العدالة الاجتماعية من أولوياته، بدلاً من فرض سياسات اقتصادية تمعن في معاناتهم.

وراء رفض السوريين اليوم لدفع فاتورة الكهرباء، رسالة واضحة للوزير محمد البشير وغيره أن بقاءهم على قيد الحياة كل سنوات الحرب الطويلة في عهد الأسد، لا تعني قبولهم بكل هذه القرارات الجائرة، ولعل فيها تهديداً واضحاً من أغلبية السوريين، أنهم ذاهبون إلى خيار شمشون، مما قد يعيد رسم إطار جديد لشرعية الحكومة الحالية التي وجدت في الأساس لخدمتهم، وليس لقتلهم مرة أخرى، بطريقة أخف وطأة وذكاءً من الأسد الهارب.

فهل يصلح محافظ دمشق ما أفسده وزير الطاقة محمد البشير؟ سؤال ينتظر السوريون إجابة عنه ستبقى برسم الساعات القليلة المقبلة.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image