اتفاق دمشق و"قسد"

يهدد المشاريع الانفصالية في الجنوب… اتفاق دمشق و"قسد" يُعيد رسم خريطة القوى السورية

اتفاق دمشق و"قسد"

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 29 يناير 202610 دقائق للقراءة

لا يمثل الاتفاق المبرم بين الحكومة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في 18 كانون الثاني/ يناير الجاري، مجرد تسوية محلية عسكرية، بل هو يعيد رسم معادلات القوى في سوريا والمنطقة، ويكشف عن تحولات عميقة في الإستراتيجيات الدولية، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية. فتداعيات هذا التحول لا تقتصر على شمال شرق سوريا، بل تُرخي بظلالها الثقيلة على مناطق الساحل والجنوب السوريين، وتضع محافظة السويداء ومشروعها الانفصالي الناشئ أمام اختبار وجودي.

فالاتفاق بين دمشق و"قسد" أكثر من مجرد تسوية عسكرية، إذ يُصنّفه مركز "تقدم للسياسات" على أنه "هزيمة أيديولوجية وسياسية" للنموذج الذي دافعت عنه "قسد" طوال عقد من الزمن. ذلك أن رفض الحكومة السورية التنازل تجاه مفهومي "الحكم الذاتي" أو "الفيدرالية"، وقبولها بصيغة مرنة وغامضة للامركزية الإدارية داخل الهيكل المركزي للدولة، يُلغي فعلياً أي أفق لطموح كردي منفصل.

ويعزز النجاح العسكري والسياسي من استقرار الحكومة السورية ويوفر راحة أكبر لحلفائها، بحسب الباحث في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان، مما يفتح الطريق نحو تعافٍ تدريجي للبلاد. وينوّه في حديثه لرصيف22 بتحول المواجهة من رد فعل على استفزاز (الاشتباكات في حلب وريفها) إلى فرصة إستراتيجية استغلتها دمشق عسكرياً وسياسياً، مما أعاد رسم موازين القوى الداخلية والإقليمية لمصلحتها.

"هذا التحول سيكون له آثار تتجاوز تغيير الخريطة الميدانية، مؤثِّراً في الحسابات الدولية وزيادة الثقة بدمشق كقوة فاعلة وقادرة على تحقيق الاستقرار"... كيف يقوّض اتفاق دمشق و"قسد" المشاريع "الانفصالية" في جنوب سوريا؟

ويضيف: "هذا التحول سيكون له آثار تتجاوز تغيير الخريطة الميدانية، مؤثِّراً في الحسابات الدولية وزيادة الثقة بدمشق كقوة فاعلة وقادرة على تحقيق الاستقرار. وينتقل الأثر مباشرة إلى الملفات الأخرى، حيث يُتوقع أن يكون ملف السويداء التالي، مع تسريع الحل لمصلحة الدولة السورية".

يؤيد ذلك، الكاتب السياسي السوري منهل باريش. برأيه، "نهاية المشروع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ستؤثر في الملفات الأخرى، وأبرزها ملف السويداء"، مشيراً خلال حديثه لرصيف22 إلى توجه الضغط الأمريكي الحالي نحو دعم "سوريا موحدة". كما أن توقُّع انسحاب أمريكي كامل من سوريا خلال الفترة المقبلة، سيعزز قبضة السلطة المركزية.

من الفيدرالية إلى اللامركزية المرنة "المُسَيطر عليها"

يشير مركز تقدم إلى أن نجاح نموذج دمج "قسد" في المؤسسات العسكرية والأمنية الحكومية قد يمهد لشكل من اللامركزية الإدارية القائمة على المحافظات، وقد تمتد آثاره ليطال ترتيبات المناطق الأخرى مثل الساحل والسويداء. لكنه يستدرك بالقول إنه "حتى لو انهار الاتفاق، لن تتمكن قوات المعارضة في المنطقة الساحلية أو السويداء من الاستفادة من مثل هذا الانهيار، ولن تغير ميزان القوى الجديد".

من جهة أخرى، يرى مركز "الإمارات للسياسات" أن التحدي الحقيقي للرئيس السوري أحمد الشرع لن يكون عسكرياً بالضرورة، بل سياسياً ويتمثل في "قدرته على استمالة قوة كردية سورية بقيادة مظلوم عبدي بعيداً من حزب العمال الكردستاني"، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار قد يرسم نموذجاً إيجابياً للتسوية والاندماج داخل الدولة لبقية المكونات. وهذا التحول يتوافق مع توجه أمريكي مُعلن، عبّر عنه المبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، حين وصف الاندماج الكردي في الدولة المركزية مع ضمان الحقوق بأنه "أعظم فرصة" أتيحت للأكراد، معتبراً أن اللامركزية "لم تنجح في أي مكان في الشرق الأوسط".

ويوضح "تقدم" أن هذا الموقف يعكس إعادة تقييم واشنطن لسياساتها السابقة الداعمة لنماذج لامركزية، والتي ينظر إليها الآن كمُساهمة في الإخفاقات الإقليمية. وعليه، يُشير إلى حراك دبلوماسي أمريكي-أردني لترتيب اتفاق بين دمشق والسويداء على غرار اتفاق الشمال، وإلى إمكان بحث ترتيبات حدودية وأمنية بين دمشق وتل أبيب، وهو ما قد يفسر دعوة شخصيات درزية لمحادثات في واشنطن.

في سياق متصل، دعا محافظ السويداء، مصطفى البكور، إلى تشكيل "لجنة حوار وطني" تجمع أهالي المحافظة. وتهدف المبادرة إلى مناقشة هموم المجتمع "بواقعية وعقلانية" بعيداً من الانقسام، وتعزيزاً للاستقرار والسلم الأهلي. ويشدّد على أن "الدولة وطن للجميع مهما اختلفت الآراء، وأرض الوطن قادرة أن تضم جميع أبنائها وتحفظ مصالحهم". وأكد أن المطالبة بالحقوق المشروعة "أمر لا خلاف عليه"، لكن تحقيقها يجب أن يتم عبر "الحوار البنّاء والقنوات الرسمية"، وضمن إطار القانون والدستور.

وتأتي هذه الدعوة في سياق مساعٍ رسمية لاحتواء التوترات في المحافظة، وإعادة ربطها بالحوار مع الحكومة المركزية في دمشق، بعد القطيعة التي جاءت عقب أحداث دموية شهدتها المحافظة في تموز/ يوليو 2025.

فيما يرى محللون تحدثوا لموقع "ألترا سوريا" أن اتفاق دمشق مع "قسد" يؤسس لواقع جديد يُجبر القوى في الساحل والسويداء على مراجعة حساباتها. فبحسب الكاتب السياسي سليمان الشمر، "كما تبخرت أحلام قسد بالفيدرالية ستتبخر أحلام حملة المشروعين الآخرين"، معتبراً أن القرار النهائي نتاج تفاعل "القرار الخارجي مضافاً إلى قرار السلطة داخلياً".

من جهته، يُشير الباحث عزيز موسى إلى أن التطورات تفرض على الأطراف في الساحل والسويداء، الذين سعوا سابقاً نحو "السقف الأعلى" المتمثل بالانفصال أو الفيدرالية، على "إعادة النظر في مقارباتها". ويوضح أن هؤلاء الأطراف كانوا يعوّلون على تجربة "قسد" كنموذج لتحالف متعدد، مما يدفعها الآن لإعادة تقييم موقفها نحو الاندماج في عملية بناء الدولة.

لن يتوقف الدور الأمريكي في تسهيل اتفاق دمشق و"قسد" عند هذا الحد، بل الأرجح أن يُتبع بدعم قوى لاستعادة السيادة السورية على جميع الأراضي، بما فيها السويداء والمنطقة الساحلية، كجزء من رؤية لـ "انتقال موحد ومستقر"

ويطرح موسى مسارين محتملين للتعامل مع ملف السويداء: التفكيك الداخلي، بالاعتماد على تفكيك شبكات الفصائل المحلية عبر استثمار الخلافات بينها، وفتح قنوات أمنية مباشرة مع دمشق. إلى جانب مسار إقليمي مرتبط بإسرائيل ومدى تفاهمها مع دمشق، حيث يمكن أن تؤدي أي تفاهمات بينهما إلى "صيغة تضمن التوافق" وتفتح الباب أمام عودة السيطرة الحكومية على السويداء.

أما في ما يتعلق بموضوع اللامركزية، فيرى موسى أنها تبقى قضية مستقبلية ستُحسم في "المسار السياسي الانتقالي" وبموجب ما سيتم التوافق عليه في الدستور الجديد، سواء أكان ذلك عبر "نموذج من اللامركزية الموسعة" أو سيناريوهات أخرى.

"تحالف الأخوة" بات مهدداً

على ما يبدو، لن يتوقف الدور الأمريكي في تسهيل اتفاق دمشق و"قسد" عند هذا الحد، بل الأرجح أن يُتبع بدعم قوى لاستعادة السيادة السورية على جميع الأراضي، بما فيها السويداء والمنطقة الساحلية، كجزء من رؤية لـ "انتقال موحد ومستقر". ومن الطبيعي أن يبقى مصير ملف السويداء معلّقاً بشكل مباشر بالتقدم في المحادثات السورية-الإسرائيلية الجارية. فيما يُفسّر "تقدم" غياب التدخل الإسرائيلي لمصلحة "قسد" خلال الصراع الأخير بأنه يعكس "نقصاً في المصلحة الإستراتيجية" مع التزام بالقيود الأمريكية المفروضة على هذا الملف.

ولكن هل يكون سلوك إسرائيل في السويداء مشابهاً لما كان في ملف "قسد"، لكون الجنوب السوري يبقى من الأمور المعقدة نسبياً والتي بحاجة إلى حلول مستدامة نسبياً في المفاوضات الجارية بين إسرائيل وسوريا، ومن هنا يظهر التمسّك الإسرائيلي إلى الآن بالبقاء بجبل الشيخ والمناطق التي احتلّتها بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، كورقة تفاوض في المرحلة المقبلة، والسويداء ستكون جزءاً منها بلا شك.

من جانبه، يُرجح علوان أن تدفع التطورات إسرائيل إلى مزيد من الاستجابة للضغوط الأمريكية والتوجه نحو التفاهم مع حكومة دمشق الأكثر سيطرة على الأرض والقرار. ويشير إلى أن اتفاق دمشق مع "قسد" يمثل نهاية المرحلة العسكرية للمشروع الكردي المستقل في شمال شرق سوريا، في ظل تحول الدعم الأمريكي والدولي نحو دعم "سوريا موحدة" ومركزية الدولة. هذا التحول سيكون له انعكاس مباشر على الملفات الأخرى المعلقة، وعلى رأسها ملف السويداء.

وتشكل التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا ضربة إستراتيجية للإمكانيات الإسرائيلية للتدخل الداخلي، وفقاً لتقارير وتحليلات. فقد كشف تحقيق لـ"واشنطن بوست" الشهر الماضي أن "قسد" كانت تعمل "كجسر مالي ولوجستي" لنقل الدعم الإسرائيلي إلى فصائل درزية في السويداء، تحديداً "المجلس العسكري" التابع لطارق الشوفي والمدعوم من الشيخ حكمت الهجري، حيث تولت "قسد" أيضاً تدريب مقاتلين دروز بطلب وتمويل إسرائيلي.

يُرجح علوان أن اتفاق دمشق مع "قسد" يمثل نهاية المرحلة العسكرية للمشروع الكردي المستقل في شمال شرق سوريا، في ظل تحول الدعم الأمريكي والدولي نحو دعم "سوريا موحدة" ومركزية الدولة

وبحسب الكاتب الإسرائيلي تسفي باريل في صحيفة "هآرتس"، فإن اتفاق الدمج بين دمشق و"قسد" واستعادة السيطرة على الموارد الاقتصادية والمعابر يعني أن إسرائيل فقدت "الرئة التي كانت تتنفس منها مشاريعها في جنوب سوريا". ويوضح باريل أن الدروز في السويداء أصبحوا بالتالي "الأقلية الوحيدة" التي لا تزال تتحدى السلطة المركزية، مما يجعلهم "الهدف القادم" للضغط العسكري والسياسي من دمشق، بدعم من واشنطن الراغبة الآن في "سوريا موحدة". ويشير إلى أن "تحالف الأخوة" الإسرائيلي-الدرزي بات مهدداً، وقد تضطر إسرائيل للتخلي عن وكلائها المحليين.

بدوره، يشير موقع هاشتاغ سوريا، إلى أن محافظة السويداء تجد نفسها في وضع حرج بعد اتفاق دمشق مع "قسد"، حيث تواجه واقع قطيعة مع الحكومة المركزية، مع مطالب محلية بإنشاء "كيان مستقل" وتشكيل قوة "الحرس الوطني" المسلحة، إلى جانب ضغط متغيرات إقليمية جذرية، بخاصة بعد تحوّل السياسة الأمريكية نحو دعم "سوريا موحدة" وتهميش النموذج الكردي للحكم الذاتي.

التحليل نفسه يتحدث عن أن لدى السويداء خيارين صعبين، إما الاندماج السياسي مع الدولة السورية مقابل ضمانات دستورية، أو طلب الحماية الإسرائيلية المباشرة. والأخير خيار عالي المخاطر ويتعارض مع التوجه الأمريكي الحالي. لذا يبدو ترجيح كفة الاندماج كسيناريو أكثر واقعية، نظراً لتردد إسرائيل ووضوح الموقف الأمريكي الرافض للمشاريع الانفصالية، مما يضع السويداء على طريق التفاوض للعودة إلى الحكم المركزي بضمانات محدودة. وبشكل أساسي، فإن التغير في الموقف الدولي والإقليمي قد أفقد الخيار الانفصالي في السويداء الكثير من مقومات نجاحه، لمصلحة حل تفاوضي يضمن وحدة الدولة.

ووفقاً لباريش، من المتوقع ألا تتجه دمشق نحو "حسم عسكري" في السويداء، بل ستواصل الاعتماد على الضغط السياسي والمفاوضات، مستفيدةً من الدعم الدولي والإقليمي المتحقق. مرجحاً أن يسلك مسار السويداء مساراً مشابهاً للمناطق الكردية في الشمال الشرقي، فقد يُمنح "الحرس الوطني" المحلي صلاحيات أمنية وشرطية محدودة، دون الوصول إلى حكم ذاتي سياسي. لكن مع مرور الوقت، سيكون التفاوض من موقع القوة لمصلحة الحكومة السورية، مما قد يؤدي إلى إعادة دمج السويداء في الحكم المركزي بشكل أو بآخر، بينما ستفقد القيادات المحلية (مثل الشيخ حكمت الهجري) نفوذها السياسي تدريجياً بسبب استمرار الأزمة الاقتصادية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image