سوريا الجديدة… فزعات وتسويات وفلول وعفّة

سوريا الجديدة… فزعات وتسويات وفلول وعفّة

رأي نحن والحرية

الجمعة 16 يناير 20267 دقائق للقراءة

سنوات من الحرب، مئات آلاف القتلى والمفقودين، وملايين المهجّرين… لنتعلّم والحمد لله، نحن السوريين اليوم، معنى العفّة.

كيف؟ سأشرح لكم:

بعد الساحل والسويداء، يتوجّه الحسم الحكومي اليوم إلى الجبهة الكردية. فبعد الشيخ مقصود والأشرفية، تتجه أنظار الشعب السوري الأمويّ البطل إلى جبهة الجزيرة، لمواجهة الأكراد السوريين.

تسويات وفلول

لا يبدو الهجوم على الأكراد بحجّة "قسد" مفاجئاً؛ فمن البديهي أن تبسط الدولة الناشئة سيطرتها على حدودها الداخلية والخارجية، وتضرب بيدٍ من حديد كلّ من تسوّل له نفسه الانفصال أو التقسيم، وكلّ من ثبت تورّطه في الجرائم الأسدية السابقة.

قد يقول قائل إنّ "حمشو" و"صقر" من الفلول، لكن من يقول هذا ما هو إلا مبتدئ في فنّ البراغماتية والحنكة السياسية التي تتميّز بها الحكومة السورية

فبعد الاحتضان اللافت لفادي صقر، بحجّة الخدمات التي قدّمها للفصائل قبيل إسقاطها الأسد، وبعد أن اكتشفنا أنّ روسيا صديقة قديمة للشعب السوري، وبعد أن أصبح أبو مريم الأسترالي رامي مخلوف الجديد، وبعد سيطرة عائلة الشرع على المفاصل السيادية في الدولة، نشر رجل الأعمال محمد حمشو، أحد أهم الأذرع الاقتصادية في النظام السابق، والمتهم بسرقة حديد البيوت التي هجّر الأسد أصحابها، منشوراً على فيسبوك بتفاصيل تسوية قامت بينه وبين الحكومة الحالية.

قد يقول قائل إنّ "حمشو" و"صقر" من الفلول، لكن من يقول هذا ما هو إلا مبتدئ في فنّ البراغماتية والحنكة السياسية التي تتميّز بها الحكومة السورية، وعلى رأسها القائد الفاتح أبو محمد الجولاني. فالفلول حصراً هم العلويون الأكثر فقراً، والأقل سطوةً من فادي صقر. هذا بالتحديد ما عبّرت عنه مجموعات من السوريين الوطنيين بهجومهم مراراً وتكراراً، على منازل وأحياء العلويين في الساحل وحمص وريف حماة، مؤكّدين بذلك على أهمية الخطاب الوطني الجامع الذي تتميّز به حكومة أحمد الشرع.

"الله أكبر" و"العزّة لله"

فزعات في كل مكان: إلى الساحل لمحاربة الفلول، إلى السويداء لمحاربة الانفصاليين، وإلى الشيخ مقصود لمحاربة "قسد". كلّها تبدأ بـ"الله أكبر"، وتنتهي بـ"العزّة لله".

النسوية حاضرة بقوّة في بناء الدولة الجديدة. نسويات سوريات وجدن أنّ نهج "القاعدة" ضمان لمستقبل النساء في سوريا.

في المظاهرات التي خرجت في مناطق العلويين في الساحل وحمص، والتي طالبت بحياة كريمة ووقف القتل الممنهج للعلويين واختطاف نسائهم ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، صدحت أصوات مثقفين وفنانين ونسويات ومفكرين يساريين وليبراليين، منتقدةً هذه المظاهرات ومهاجمةً إيّاها. المنتقدون طبعاً حريصون على الوطن: الوطن الكامل، الوطن الموحّد بكل طوائفه ومكوّناته (ما عدا العلويين والدروز والأكراد بالطبع لأنهم خونة). ربما لم ينتبه هؤلاء إلى المجازر؟ كان الإنترنت مقطوعاً ربما.

مثقفون وخيرٌ كثير

في إحدى هذه المظاهرات، خرجت سيارة تابعة لأحد موالي الحكومة ورئيسها الفاتح، وبدأت بدهس المتظاهرين. بعدها بساعات قامت مجموعات من أهل الخير مشكورين بالبحث عن سائقها لتكريمه، وجمع تبرّعات لشراء سيارة جديدة له.

الخير كثير في سوريا، وهذا ليس سوى مثال صغير. فقبل ذلك، قام تجّار في دمشق بجمع تبرعات غذائية وعينية لدعم فصائل المجاهدين المتجهين إلى فتح السويداء، باركهم الله.

إعلاميون مهنيون يخرجون على وسائل الإعلام السورية بخطابات وطنية تعلي من قيمة الفرد في سوريا الجديدة مهما كان انتماؤه العقائدي. كان لافتاً حجم الدعم الذي قدّمه أبناء الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة، لمذيعة هاجمت مكوّناً سورياً بعنصرية فاضحة؛ تضامن لم نشهده في قضية المخطوفات العلويات، ولا في قضية البيوت المنهوبة والجثث المرمية في شوارع السويداء. فمثقفو الثورة السورية يمتازون بحسّ وطني عالٍ، يجعلهم قادرين على التمييز بين القضية المحقة المرتبطة بالحق والكرامة والمواطنة، وبين المصالح الممكنة مع الحكومة الجديدة، والمصالح المبنية على الولاء الشخصي والاستحقاق الطائفي.

… والنسوية حاضرة بقوّة!

النسوية أيضاً حاضرة بقوّة في بناء الدولة الجديدة. نسويات سوريات وجدن أنّ نهج "القاعدة" ضمان لمستقبل النساء في سوريا؛ خطف النساء واختفاؤهن أو قتلهنّ بسبب خلفياتهنّ الطائفية، وقرارات الحكومة باستبعاد الأمّ السورية من حق الوصاية على أولادها… كل ذلك غير مهم.

المهم لنا كنسويات هو التشهير بكل معارضة لنا ولنظامنا الوليد. المهم ألا يخرج السوريون للتظاهر؛ فهذا ليس وقت المطالب المحقة.

النسوية التقاطعية؟ لا لا طبعاً. ما هذه إلا ترهات يراد بها توجيه اهتمامنا بعيداً عن الإنجازات الحقيقية التي تتحقق اليوم في سوريا للنساء والرجال معاً. حتى إنّ إحدى صديقات الثورة القديمات، من النسويات الشرسات، كانت تطلب في بوست رقيق يوم مجازر الساحل، إن كان أحد يستطيع عبر الذكاء الصناعي جعل مطربها المفضّل يغني أغنية "سلامي على النصرة"، الأغنية الرقيقة التي اشتهرت في بدايات ظهور جبهة النصرة، الفصيل الأسبق الذي تمخّض عن الحكومة الجديدة، والتي كان فخامة الرئيس أحمد الشرع قائدها العام تحت مسمّى "أبو محمد الجولاني".

بين النوتة والآلة

برغم هذا كله، لا يزال الشعب السوري، ولله الحمد، شعباً قويماً، يبحث عن العفّة والعفاف وإرضاء الله. فقد وردت تصريحات لسوريين مُنعوا من إدخال آلاتهم الموسيقية إلى سوريا على بعض النقاط الحدودية بحجّة أنّ الموسيقى حرام، في الوقت الذي قام فيه فخامة الرئيس المحنّك بإهداء دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي وراعي تسويات الإرهابيين حول العالم، نوتةً موسيقيةً قديمةً في إشارة إلى الغنى الثقافي الذي تتميّز به سوريا، والذي سيقوم هو بالقضاء عليه إن شاء الله.

يحدث هذا كلّه بينما تعيش نخب الثورة السورية المباركة اليوم نشوةً عارمةً بالنصر وتحقيق الأهداف. يوجّهون الأغرار أمثالنا بضرورة النقد البنّاء لنظام القاعدة؛ إذ علينا منح "أبو أحمد" حدوداً، و"أبو مريم الأسترالي" فرصةً لبناء الدولة التي قامت لأجلها الثورة أصلاً

كما وردت أخبار عن قيام بعض أفراد الأمن العام، من أهلنا وأبنائنا، بتوقيف مواطنين بسبب الاختلاط، مطالبين بشهادة زواج. وتشير الأخبار الواردة من الداخل السوري إلى تزايد الطلب على "الكتاب البرّاني" لتسهيل حركة المواطنين دون إزعاج الأمن العام وخدش حيائه.

لا تمييز في العفّة

وفي دليل آخر على اهتمام الشعب السوري بالعفّة، خرجت مسيرة في قطنا في ريف دمشق، تحت مسمّى "مسيرة العفّة". مسيرة لسيدات يرتدين النقاب، يجبن كل شوارع المنطقة حتى المسيحية منها، تأكيداً على عدم التمييز بين مكوّنات الشعب السوري حين يتعلّق الموضوع بالعفّة.

تأتي هذه المسيرات استكمالاً لمشاريع تنموية أخرى يقوم بها شيخ يُدعى الشيخ الذهبي، تدعو إلى الإسلام واللباس الإسلامي المحتشم. وتنتشر هذه الدعوات عبر مكبّرات الصوت أو عبر اللافتات والملصقات، في أحياء ذات أغلبية مسيحية أو علوية أو درزية. وربما تكون إحدى أهم هذه اللافتات، لافتات تؤكّد على أنّ المسلم الأفغاني أقرب إلى المسلم السوري من جاره السوري المسيحي.

يحدث هذا كلّه بينما تعيش نخب الثورة السورية المباركة اليوم نشوةً عارمةً بالنصر وتحقيق الأهداف. يوجّهون الأغرار أمثالنا بضرورة النقد البنّاء لنظام القاعدة؛ إذ علينا منح "أبو أحمد" حدوداً، و"أبو مريم الأسترالي" فرصةً لبناء الدولة التي قامت لأجلها الثورة أصلاً… وإلا لكنّا مجرد مكيودين حانقين على انتصار الحق في سوريا.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

صوت التغيير يجب أن يبقى حاضراً. 

ليستمرّ، نريد دعمكم.

Website by WhiteBeard
Popup Image