كان أوديب الطامح في طريقه إلى مدينة طيبة عندما اصطدم بحاجز وحش "أبو الهول" الأسطوري الذي يمنع العابرين من دخول المدينة إلا بعد اجتيازهم اختبار اللغز المميت، فإن عرفوا إجابته نجوا ومات الوحش، وإن فشلوا التهمهم بلا رحمة.
أوديب؛ الذي أجاب السؤال أطاح بالكائن المرعب، فكان بحسب سوفوكليس هو "مَن حلّ اللغز الذائع الصيت وكان أشد الرجال اقتداراً". لم يكن يعلم الفتى لحظتها أنه فكّك رموز قدره التي ستنتهي بفاجعته قبل أن يلقى حتفه على إثرها.
غالباً ما سعى الإنسان إلى ترجمة الرموز وكأنما يعلم يقيناً أنه من خلال فكّ طلسم سيحوز على قطعة من الزمن بالمقابل، والزمن هو البعد الذي يجهد الإنسان لضمه لثلاثة أبعاد أتمّ هيمنته عليها، وقد أيقن المخلوق المنتصب بفطرته ومن تراكم التجارب أن لا سبيل للقفز لهذا البعد دفعة واحدة، لذا بدأ العقل البشري بعملية تجزئة الفكرة ليتمكن من هضمها، كمن يحاول لملمة قطع أحجية عملاقة لا تعرف بدايتها ولا نهايتها.
بطليموس له الحياة للأبد!
ولكن بحسب عقل الإنسان المحدود لا يمكن أن تكون الأشياء بلا بداية أو نهاية أو على الأقل بلا بداية لذا تجده يقبل فكرة الوجود ولكن لا يمل من البحث في فرضية الخلود.
وفي هذا السياق يقال إن اسم مصر المشتق من الكلمة اليونانية "أيجيبتوس" يتوافق مع كلمة هات-أكا-بتاح والتي تعني "معبد روح بتاح" وموقعه في ممفيس، أي أن اسم مصر مشتق من الإله "بتاح"، وبالحديث عن "بتاح" فإننا أمام أولى محاولات تهجئة الكون والسبب الحقيقي لوسم "أم الدنيا" الذي حازته أرض الكنانة.
عملية فهم الصورة والرمز ليست بالبدائية التي توسم بها، بل هي عملية مركبة قائمة على الفهم والقراءة والتفكير والقدرة على التحليل ولكنها دوماً تصطدم برغبة الإنسان بتوظيفها لصالح رغباته، فيسعى بكل شروره لتحويل الرمز إلى مقدس من خلال استغلال أهم نقاط ضعف العقل البشري
ففي الأساطير المصرية نجد أن: "بتاح يتصور الكون بأفكار قلبه ويبث الحياة فيهم بسحر كلمته". وبذلك حيز له قطاع العمارة والنحت والفنون، ومنه في ما بعد بقرون ولدت فكرة الماسونية التي ظهرت في العصور الوسطى وتقوم على رابطة البنائين المهرة الذين يدينون إلى "مهندس الكون الأعظم".
وبحسب الروايات الشعبية الغارقة بنظريات المؤامرة، فالبناؤون الأحرار هم المهندسون المسيطرون على العالم السفلي الذي نعيش فيه اليوم، وفي الجانب الموازي كان "بتاح" ذاته هو الأيقونة التي نحت على شكلها تمثال الأوسكار الذي يرمز لتمام الإبداع الفني في عالمنا المعاصر، ولكن ما علاقة "بتاح" وما سلف بسردية فكّ الطلاسم التي بدأناها؟
تعود الحكاية إلى عام (1799 م) لحظة ظهور حجر رشيد بعد أن غاب عن الوجود قبل قرنين من الميلاد، وهنا لا نتحدث عن أثر تاريخي وإنما عن الحجر المفتاح لواحدة من أعمق بوابات الزمان، حيث نُحت على الحجر بثلاث لغات وهي: الهيروغليفية لغة (الكهنة والنصوص المقدسة)، والديموطيقية لسان (المصريين الدارج أو العامية في حينه)، وأخيراً اليونانية القديمة التي أضاء من خلالها شامبليون على باقي النصوص التي تبين أنها نفس النصوص ولكنها مكررة باللغات الثلاث على وجه الحجر عينه، وكان مفتاح الطلسم الأساسي جملة كتبت باللغات الثلاث تقول:
"بطليموس له الحياة للأبد، محبوب بتاح"، جملة تسبغ الخلود على الملك بطليموس ببركة (بتاح)، وهكذا بعد مطابقة المفردات بين اليونانية والجمل المصرية المكررة فكّ الفرنسي شفرة لغة التواصل مع عالم المصريين القدماء فتحولت الحجر الصماء إلى قطعة زمان ناطقة.
لغات رباعية البعد
وبذلك سنجد أن الحل غالباً ما كان أمام أعيننا وفي كثير من الأحيان يفصل بيننا وبينه ستار من الوهم ولكننا نعجز عن إبصاره، وهذا النمط من العجز الوهمي في القدرة على تبصر الأشياء مطبوع في جينات البشر، حيث يولد الإنسان ككائن قادر عاجز في ذات الوقت، فهو قادر على الكلام ولكنه لن ينطق إن لم يُعلّم ويُحفّز، ويستطيع المشي ولكن لا يمكنه ذلك بلا رعاية وتدريب.
وأمام هذه القدرة المشروطة يبقى هذا الكائن العجيب متكئاً على لغة المصنع إلى أن يتم تدريبه على لسان قومه، نحن نتحدث عن مرحلة ما قبل الكلام التي يقوم فيها الطفل بترميز الأشياء كما يراها هو ضمن تشفير (صفر واحد) العشري الخاص بالإنسان، قبل أن يتم استبدال أداة الترميز التي ولدت معه، ونعطيه بدلاً منها مفرداتنا ومسمياتنا نحن وبذلك تضمر قدرات اللغة الأساسية التي صممت للتواصل مع كل الطبيعة، مقابل تطوير لغة واحدة مقتصرة على مجموعته ومحصورة بأفراد جنسه.
عملية فكّ الرموز ترتبط بفهم المبهم ولا تتناسب مع القضايا الواضحة فيتحول البحث في الرمز كالمثل الشعبي القائل: "شايف الذيب وبقص بأثره".
لذلك في مجتمعات المدن الكبرى المنفصلة عن الطبيعة يفقد الإنسان صلته بباقي عناصر الطبيعة بمجرد تعلمه الكلام، ويمكن من خلال هذا التصور فهم حالة عدم إظهار الأطفال المصابين بالتوحد مثلاً اهتماماً أساسياً بالكلام. وبدلاً من ذلك نجدهم يركزون على الأشياء غير الحية ويتجاهلون الإشارات الاجتماعية التي تعتبر مهمة جداً لتعلم اللغة مفضلين البقاء في مدارهم الخاص الأقرب لعالم الرمز والصورة.
والرمز والصورة هما لغة الأحلام القادرة على القفز عبر الأبعاد دون الخضوع لقوانين الفيزياء، وهي اللغة الوحيدة التي نعرفها ونملكها جميعاً القادرة على خلق ممرات حلزونية إلى خوارزمية ما قبل الخلق، ففيها يطوى الزمان كأنما لم يكن.
وفي عالمها فقط يمكن فهم ما صاغه "أينشتاين" بقوله "سنجد أن الفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم عنيد مستمر"، والحلم بلغته المبنية على الصورة والرمز يملك كل شروط التفوق وإن وصف مجازاً باللغة البدائية، نحن نتحدث عن حزمة رموز مكثفة وصور متتابعة تتدفق من مستودعات اللاشعور مستدعية معها كل التفاصيل الهامشية والدقيقة التي لم تقوَ لغتنا المحدثة على استيعابها في انتقال سلس بين كل طبقات النفس وكل ذلك خلال مدة زمنية لا تخضع لقواعد المنطق، ببساطة نحن نقف أمام لغة اللاشعور التي طبعت على قرص البرمجة الأساسية التي ولدت مع الإنسان وتحاول كلما سنحت الفرصة لها أن ترسل لك إضاءات للخروج من كل معضلة خاصة أو حتى عامة كما في فكرة يوسف ورؤيا الملك.
لن يطير النسر العجوز
عملية فهم الصورة والرمز ليست بالبدائية التي توسم بها، بل هي عملية مركبة قائمة على الفهم والقراءة والتفكير والقدرة على التحليل ولكنها دوماً تصطدم برغبة الإنسان بتوظيفها لصالح رغباته، فيسعى بكل شروره لتحويل الرمز إلى مقدس من خلال استغلال أهم نقاط ضعف العقل البشري.
وتتلخص بميل العقل إلى بناء صورة كاملة للأحداث وهو ما يمنح صاحبه شعوراً وهمياً بالراحة لحظة امتلاكه سردية كاملة للأشياء، هذه الرواية المتكاملة تريح العقل من التفكير المستمر فهو يملك روايته التي أنجزت وتم تنقيحها وباتت غير قابلة للنقض.
الرمز والصورة هما لغة الأحلام القادرة على القفز عبر الأبعاد دون الخضوع لقوانين الفيزياء، وهي اللغة الوحيدة التي نعرفها ونملكها جميعاً القادرة على خلق ممرات حلزونية إلى خوارزمية ما قبل الخلق، ففيها يطوى الزمان كأنما لم يكن
وبذلك يصبح من السهل تكييف كل حدث جديد لينساب مع سطور الحكاية التي حقنت في أدمغة الجماهير، وعليه تنصاع اللغة للرغبة الملحة لتحويل كل رمز لقيمة حتى وإن كان بلا معنى، ولتبسيطها أكثر يمكن تشبيهها بقصة محادثات يالطا المتناقلة والتي تقول:
إنه وبينما كانت المحادثات الثلاثية بين الزعماء ستالين وتشرشل وروزفلت قائمة في يالطا، كتب روزفلت كلاماً على قصاصة ورق صغيرة، وسلّمها إلى تشرشل. قرأ تشرشل ما كتبه روزفلت ثم أحرق الورقة في منفضة سجائر أمامه، بعدها خربش الإجابة وسلمها إلى روزفلت، الذي قرأها ثم رماها أيضاً في المنفضة التي بجانبه، بقيت الورقة سليمة لأن روزفلت لم يكن يدخّن.
حالما غادر الزعماء طاولة المفاوضات، سارع أفراد جهاز الأمن السوفياتي إلى التقاط تلك الأوراق. كان مكتوباً بخط تشرشل: لن يطير النسر العجوز من العش على أية حال"!
بالطبع، فسّر الأمن السوفياتي تلك الكلمات على أنها محاولة لاغتيال شخصية كبيرة وعجوز.. وقدروا أن ستالين هو المقصود.
قاموا بالتحري والتدقيق عن مثل هكذا اقتباس في الكتاب المقدس، وعند شكسبير، وديكنز، وحتى "أليس في بلاد العجائب". لكنهم لم يعثروا على أي تفسير مقنع. أصبح الأمر أكثر وضوحاً. ثمة محاولة اغتيال! النسر العجوز هو ستالين. والعش هو قصر المحادثات في ليفاديا. قاموا بتغيير الحرس. وعززوا المراقبة. وجلبوا كل ما يلزم من عتاد وذخيرة يمكن أن تلزمهم في أية معركة. ومع ذلك، لم تحدث مفاجآت غير سارة. غادر الزعماء الكبار بهدوء إلى بلدانهم.
بعد سنوات عديدة، صودف وجود مترجم سوفييتي نفسه، كان في ذلك الحين في يالطا، بجانب تشرشل فسأله عما كان يقصده بعبارته تلك الغامضة والخطيرة. فأجاب تشرشل:
في حقيقة الأمر. كتب روزفلت لي: "سيد تشرشل، سحاب بنطلونك مفتوح". فطمأنته بأن "النسر العجوز لن يطير من العش!".
ببساطة عملية فكّ الرموز ترتبط بفهم المبهم ولا تتناسب مع القضايا الواضحة فيتحول البحث في الرمز كالمثل الشعبي القائل: "شايف الذيب وبقص بأثره"، للأسف أدركت مدارس الإعلام المؤدلجة هذا العوار في عقلية الجماهير الباحثة عن نعيم الراحة في جشطلت الرواية الخاصة بها، وبذلك علمت أن الرمز يمكن تحويله إلى طوطم عند المؤدلجين عبر هذه الثغرة، ففتحت سحاباتها وأنتجت عشرات الخبراء والمحللين الاستراتيجيين المختصين بتحليل رموز النسور التي تدلت عبرت الشاشات.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
