"سما بيروت"... علامة استفهام تبحث عن إجابة في مدينة تحبو نحو الحداثة

ثقافة نحن والتنوّع

الأربعاء 28 يناير 202610 دقائق للقراءة

منذ أكثر من عقد، يفرض برج "سما بيروت" حضوره على مشهد منطقة السوديكو كجسم ضخم معلّق فوق منمنمات متهالكة. إنه يطلع صعوداً، مثل عمود معدني –بلّوري يشقّ الغيم، من دون أن يبدو متجذّراً في عمق الأرض، بقدر ما يطفو ثقيلاً فوق صفحة من تاريخ مدينة تعود لتحبو نحو الحداثة.

Beirut,/,Lebanon,-,Circa,April,2019:,Beirut,Bathes,In

وجود "سما بيروت" يشهد، إذاً، على التحوّلات المتسارعة لبيروت التي لم تعد قادرة على الاستقرار، ولا مواكبة زمنها، منذ أن انطفأت شمس عصرها الذهبي عام 1975. كما أن موقعه لا يُختزل بجغرافيا فحسب، بل يضعه في قلب ما عُرف قديماً بـ"بيروت النواتية"، أي ذات الدينامية التي تربط ما تبقّى من ماضيها المونوكرومي بزخم مستقبلها الملوّن.

هذا المبنى، الذي يبدو للوهلة الأولى متعجرفاً للغالبية وفخماً للأقلية، لن يصبح خلال هذه المادّة موضوعاً للتّأمل في الجماليات فقط؛ إنما مناسبةً للتفكّر في المنفعة الجديدة التي يترجمها وجوده، أي: قراءة في تحوّلات البناء، في التبدّل بوظيفة السكن، وفي طبيعة المناطق التي كانت خطوط تماس، فأضحت مؤشراً لقياس نبض الاقتصاد (انتعاشه أو تراجعه)، داخل بقعة تبقى إكزوتيكية، مقارنة بعواصم الجوار.

يبدو "سما بيروت" كعملاقٍ معلّق فوق منمنمات متهالكة، يطفو ثقيلاً على صفحة من تاريخ مدينة لم تعد قادرة على الاستقرار ولا على مواكبة زمنها

تالياً، يتخطى "سما بيروت" كونه رمزاً جمالياً، فيطال آثار مرحلة يتصارع خلالها الفقر مع الغنى، والتراثي مع المعاصر، فيما يرزح السّكان تحت وطأة الكتلة الإسمنتيّة عوضاً من أن تخدمهم بالفعل. نتحدث هنا عن فترة سنوات التّفجيرات الرهيبة، حتّى الحرب الأخيرة، وأثناء التضخّم الاقتصادي المفرط الذي يعيد أخيراً رسم حدود الطبقات الاجتماعية، وعادات عيشها.

نبذة هندسية ورؤية مستقبلية

لقد صُمّم "سما بيروت" ليصير واحداً من أكثر الأبراج السكنية اكتمالاً من الناحية الإنشائية، في لبنان. هو يعتمد على نظام هيكلي يجمع بين الخرسانة التقليدية، وقلب فولاذي يسمح بصعود حادّ. وتمنحه واجهاته الزجاجية وزناً بصرياً، لا تخفّف منه انسيابات التفافاته المتعددة، من جهة واحدة.

تستقر قاعدة البرج على مساحة ضيّقة لا تتجاوز 1050 متراً مربعاً، رغم أنّ العقار يمتد على نحو 5200 متر مربع، خُصّص 80% منها للحدائق والمساحات المفتوحة. يعلو المبنى 186 متراً فوق موقعه، و260 متراً فوق سطح البحر، ما يمنح شققَه رؤية بانورامية تمتدّ من جبل لبنان إلى خليج جونية، ثم الساحل، ووسط المدينة، فالمرفأ.

يعتمد التصميم على أربع لوائح مطويّة بعضها فوق بعض، تتوزّع وظائفها كالآتي: الطبقات الـ6 الأولى مخصّصة للمكاتب؛ ومن الثّانية إلى الـ13، للوحدات الإدارية. ثم شقق سكنية متفاوتة المساحات، في المستويات المتوسطة والعليا؛ تليها أربعة دوپلكسات، وصولاً إلى البنتهاوس. أما في الأسفل، فيوجد نادٍ صحيّ متكامل، وتحت الأرض، 6 طبقات لركن السّيارات، وللمخازن، وللمساحات التقنية.

هذا الخيار، غير المألوف في مدينة تختنق بالأبنية المتلاصقة، يفسّره المهندسون بالرغبة في خلق رئات تتنفّس حول البرج، بدل إنشاء مجمّع يبتلع ما تبقّى من المساحات الخضراء.

وقد نال المشروع شهادة LEED بفضل تقنياته البيئية في معالجة المياه، وإدارة النفايات وجودة الهواء. مع ذلك، يبقى من الضروريّ الالتفات إلى الحادثة التي أفاد عنها أبناء المنطقة، في بداية سنة 2017، عندما تطايرت أجزاء من الزجاج الخارجي بسبب الهواء القوي، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول سلامة واجهات الأبنية الشاهقة في بيروت، خصوصاً تلك المطلة على محاور الرياح البحرية.

عن كل ما سبق في تصميم "سما بيروت"، وعن الدروس أو الأفكار المعاصرة التي يمكن أن يستفيد منها المهندسون أو مخططو المدن، يقول المعماري اللبناني والكاتب المختص في المجال، مصطفى حجازي، لرصيف22: "لا أحبذ المسطحات الزجاجية المطوية حول كتلة وظيفية؛ تبدو غريبة عن محيطها"، مردفاً "هذه الأبراج التي ظهرت بعد الإعمار، تعيد إنتاج الأزمات نفسها".

ويتابع حجازي: "هي، وإن طُرحت نظرياً كحلّ؛ تحوّلت كخيار تجاري واستثماري بحت، مع استيراد لغة عمرانية بعيدة من المناخ والمتخيّل المحلي". ويستعرض أفكاراً عالمية عن أبراج، بعضها رُفض، على سبيل المثال، "وضع 'لو كوربوزييه' (Le Corbusier) مخططات نظرية لارتفاع مدينة باريس، وفي دراسته اقترح 18 برجاً في نواحي العاصمة الفرنسيّة كلها، فلم يسلم من تهمة 'ديكتاتور المدن'. وبعضها الآخر جاءت رشيقة، عند 'لوسيو كوستا' (Lucio Costa) و'أوسكار نيماير' (Oscar Niemeyer)، في مخططات مدينة برازيلية، حيث وضعا برجين جزأين من خمسة أجزاء لمبنى حكومي، في وسط العاصمة، ويعبران عن وظيفة إدارية".

ويضيف حجازي: "في مخططات مدينة تشانغ دو (Chengdu) الصينية، وضعت الأبراج المرتفعة في وسط المدينة، وتمركزت من الأكثر ارتفاعاً، بتدرج، حيث أبدع المصمم"، بحسب قول حجازي، "لأنه طوّق الكتل الخرسانية والزجاجية المختلفة التصاميم بحديقة عملاقة خضراء، تتواصل مع التقدّم العلمي والتكنولوجيّ في عالمنا المعاصر".

وبالعودة إلى "سما بيروت"، لا ينفي المعماري حجازي أهمية موقعه وتناسبه، مفسّراً "لكن خطر تكاثر الأبراج من حوله، يهدّد بتفتيت النسيج العمراني الذي تعافى بشكل عملاني هذه المرة، بسبب القرب من شارع بشارة الخوري، وتحويل الطريق المتجهة صعوداً إلى ساحة ساسين". ويختم بأن " المشكلة في خيار الأبراج تتجاوز المبنى الواحد نحو منطق عمراني غير عادل، يطمس حقوق الأبنية المجاورة في الشمس والهواء والبحر؛ كما يخرق التدرّج الطبيعي للارتفاعات، من الساحل نحو الجبل، ما ينعكس مباشرة على جودة العيش والحياة الصحية لمدينة بيروت".

البُعد الحضري والحاضر المُعاش

هكذا، يدخل "سما بيروت" بدور يتجاوز المبنى بوصفه عمارة، ليصبح نقطة مرجعية (point de repère) في المشهد الحضريّ. فهو يظهر، في كل الأحوال، أقرب إلى عملاق يطلّ على المدينة من علٍ، أكثر مما يندمج في نسيجها الحيّ. وموقعه، على خط تماس سابق، يمنحه بدون شك دلالة مضاعفة: من ناحية النويري الشعبية والمتنوّعة؛ وناحية الأشرفية الأكثر ثباتاً في نسيجها السكاني، منذ اندلاع الحرب الأهلية.

ثم يجعله ارتفاعه مرآة للتفاوت الاجتماعي: أحياء متعبة، ناطحات متباهية، ووسط مدينة يحاول الاستمرار. شكله، كوحدة صلبة ومتماسكة، بين تناقضات أشبه بقطع بازل مبعثرة، يخلق حالة استفزازية إلى حدّ ما، في عاصمة باتت تستبدل الأفق المنبسط بالعلوّ الخارق، وهذا، عوضاً من أن تستعيد علاقتها بالأرض، وتتصافح، وتتصالح مع ماضيها المؤلم.

بهذا المعنى، يتحوّل "سما بيروت" إلى جزء من "قصة انتقال": من زمن الانقسام، والحفر، والفراغ، إلى زمن الاستثمار، والإسمنت الضاغط، والبحث عن مكان "فوق" لا "تحت".

وعن هذه التحوّلات التي تُعيد طرح أسئلة حول الأبراج في بيروت: أهي نتيجة طبيعية لتبدلات المدينة أم قطيعة مع سياقها؟ هل تعكس واقعاً قائماً أم تصنع آخرَ بديلاً؟ ومن يرسم أفق العاصمة ويحدّد مستقبلها؟

طرحنا هذه الأسئلة على المهندسة المعمارية المتخصصة في التنظيم المدني، سهى منيمنة، لتجيب: "طبيعة الأبراج في المدينة ليست نتيجة تحوّلات عمرانية 'طبيعية'. ما نراه هو حصيلة سياسات تراكمت عبر عقود، شجّعت البناء الجديد على حساب ترميم الأبنية القائمة. الدولة لا تضطلع بدورها، وغياب فاعلية المجلس الأعلى للتنظيم المدني يترك بيروت تحت رحمة تطوير عقاري غير منظّم. هذا الملف يجب أن يُقارب وطنياً لا فقط من زاوية بيروت".

وتتابع منيمنة: "السياسات الحالية تدفع نحو استخدام الأرض كاستثمار بحت، وتتيح للمطوّرين العقاريين السّيطرة على المشهد. لو وُجدت حوافز حقيقية للترميم، لحافظت المدينة على طابعها. يمكن للبناء الحديث أن يكون ضرورياً، لكن بشرط التمييز بين الأبنية القابلة للترميم، وتلك غير الصالحة للسّكن، وحتّى عند الاستبدال، يمكن احترام المحيط العمراني بدل إنتاج ناطحات خارج السياق".

كما تضيف: "ما يحصل لا يعكس واقعاً قائماً؛ بل يصنع واقعاً جديداً. أحياناً، تُستخدم ممارسة 'الفاساديزم'، أيّ الحفاظ على الواجهة فقط وبناء هيكل حديث خلفها، فيما القيمة التراثية تشمل الداخل أيضاً. الأبراج الشّاهقة تبتلع الواجهات وتفرغها من معناها".

وعن المواقع التراثية، تلفت: "عندما يعثر المطوّر على موقع أثري، غالباً يُطلب دمجه بالمشروع، بدل أن تستملك الدولةُ الأرضَ وتحميها. أي موقع أثري قادر على إنعاش الاقتصاد المحلي، وهذا ينعكس على البلد كله. لكن التعاطي الحالي محكوم بعلاقات بين الطبقة السياسية ومطوّرين عقاريين، مما يجعل السياسات تميل دائماً إلى البناء الجديد".

وتختم منيمنة: "من يرسم مستقبل العاصمة اليوم هم المطوّرون العقاريون، والمصرفيون وأصحاب السّلطة، ضمن شبكة مترابطة تُوجّه المدينة كما تشاء. حتى الفاعلون داخل المؤسسات الرسمية، هم غالباً عاجزون بسبب العراقيل، فلا يُصاغ مستقبل بيروت بما يراعي المجتمع الّذي يفترض أن يكون شريكاً فاعلاً".

الوظيفة الرمزية ونبش في الإرشيف

بدأ بناء "برج المرّ" عام 1970، وبلغ 34 طبقة. ومع اندلاع الحرب الأهليّة، تشكّل سريعاً كحصنٍ في قلب المعركة الخافقة: على سطحه تمركز القنّاصة، وفي طبقاته السفليّة احتُجز المعتقلون. وبعد انتهاء الاقتتال، بقي البرج متروكاً، متآكلاً، تتنازعه صراعات سياسيّة وملكيّة، مما جعله عالقاً في حالة برزخية بلا جدوى، سوى بعض الاحتفاءات النادرة بذاكرتنا السوداء.

وعلى الرغم من المسافة الزمنية بين تشييد "برج المرّ" و"سما بيروت"، يطلّ المبنيان على المدينة بوظيفة رمزية واحدة هي الهيمنة: فالأوّل بما يمثله من ندبة لفائض العنف، والثاني بسطوة رأس المال في زمن السّلم. وإذا احتكر الأوّل لقب "أعلى بناية في بيروت" لسنين طويلة، فقد انتزعه منه الثاني، معلناً نفسه "الأعلى في لبنان" كلّه، في دلالة صارخة على نموّ عمراني غير متوازن. من هنا، انتقل مفهوم البرج من حماية مُدّعاة والتخفي خلف المتاريس، إلى استعراض صارخ للقوّة الشرائية ونفوذ الاستثمار.

بعض من الذات

على مدى سنوات، رافقني "سما بيروت" من خلف بناية بركات الواطئة نسبيّاً، لكن الشفافة بعبقريتها، تلك التي استغلّها المقاتلون القدامى مركزاً للقنص، على غرار "المرّ"، إنما عند تقاطع الناصرة على الخطّ الأخضر. وكان جاراً لي أحياناً، من شرفات البيوت التي استأجرتها في بنايات نمطية، كما جعلته بوصلتي أثناء سيري في الأحياء التي عشت فيها عمري.

سما بيروت لا يندمج في المدينة؛ يراقبها من علٍ كعملاقٍ غريب عن نسيجها

في البداية، لم أكن أحبّه؛ رأيته كـ"ساق روبوت" هائلة تهبط فوق رؤوسنا جميعاً. ولأنه لم يكن مستحقاً للكره في الوقت نفسه، فضّلت تفاديه، كما أتجنّب الأشخاص الأشرار أو الأفكار السلبيّة.

وبصمتٍ، رحت أسترق له لقطات مختلفة: نيڠاتيفية مرّة، مضحكة أو غرائبية مرّات، ودراماتيكية أو غارقة في واقعيتها. وربما أكتب الآن بحثاً عن تفسير لإلحاحي على تصويره، قد يكون محاولة لتوثيق اللحظة، ما دام دور الفنانين والكتّاب هو حفظ ذاكرة المطارح، أو ربما محاولة للتآلف مع مبنى لا يزال "جديداً" على محيطه، عصيّاً على الاندماج في طبقاته الحسيّة، رائحة الهيل في قهوة البائع الجوال وطقطقة فناجينه، عبق مناقيش الزعتر من فرن "بيكاسو" واستراحات شباب التوصيل هناك، أريج شجرات البوصفير اليافعة حين تزهر ربيعاً على طرف زقاق "مونو"، والأحاديث المتقطّعة لنادلي ونادلات المطاعم بزيّهم الكلاسيكي الأبيض والأسود، بين ورديّاتهم، وهم يدخنون.

أخيراً، كي نقيس نبض بيروت الحقيقية، علينا أن نلصق الكعبين بالإسفلت.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image