مبدع مغمور، عمارة معروفة وجريمة بلا فاعلين... عن مدينة "الأعمال غير المكتملة"

الجمعة 29 يناير 202112:29 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسلة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

صدرت مؤخراً ببيروت عن هاشيت – أنطوان، رواية "الأعمال غير المكتملة لكيڨورك كساريان"، وصاحبها الباحث فادي توفيق.

جاء في المقتطف التعريفي عنها، ما يلي: "في أوّل يوم خميس من العام 1981، ستصيب قذيفة كبيرة عن طريق الخطأ، منزل كيڨورك، وسيتسبّب ذلك بحريق سيلتهم كامل محتوياته. داخل منزله المتفحّم والذي جاء لتفقُّده بعد أيام، سيدرك أنه الآن فقد كلّ شيء. فقد كل متعلّقاته، كل ممتلكاته، أرشيفه الخاص، ما لا يحصى من المقتنيات، وجميع الأغراض التي اشتراها وجمعها عبر السنين".

هكذا، من حيث الزمان والمكان، تدخل القدر ليصدر التأليف الجديد بمحتواه حول الضياع والفقدان، خلال فترة استثنائية لتوقف معرض بيروت الدولي للكتاب منذ عامين، أيّ بعد حوالي 62 نسخة منه، بدأت قبل أكثر من نصف قرن، ولم تكفّ حتى في خضم أشرس حروب المدينة.

فهل ثمّة رسالة هنا يحملها الواقع حول حتميّة حصول الانقطاع أو الانهيار، مهما طالت المراكمة أو المواظبة؟ وهل ثمة أمل بالعودة أو التطوير؟

"حكاية الرجل الذي سكن ظلّه"

للكتاب الذي لا يتجاوز عدد صفحاته المئة، عنوان داخلي آخر هو: "حكاية الرجل الذي سكن ظلّه".

تعكس العبارة هويّة بطل السيرة المجتزأة كشبح ومخطوف، بقي أثر شغله غير مرئي، كما خلصت مصائر من عرفهم عن قرب إلى غيابات واختفاءات محفوفة بالمخاطر والدراما. فهل المبدعون هم فقط من تخرج أسماؤهم إلى الضوء؟ وهل غموض الذهاب عن عالمنا ينفي المجيء إليه أصلاً؟

بيّن البحث أن النص المطبوع قد سبق وقُدّم في العام 2017 على شكل عرض مسرحي متعدد الوسائط، حسب "آفاق" (الصندوق العربي للثقافة والفنون) والتي كتبت: "عرض مسرحي متعدد الوسائط (تمثيل، أداء، تصميم صوتي، فيديو)، فضاؤه معرض فني، ستكون زيارته متاحة للجمهور في غير أوقات العرض الأدائي، يُعرض بداخله الأرشيف الكامل لسينمائي لبناني مجهول، يُدعى كيڨورك كساريان، تم اكتشافه قبل أكثر من عقدين، بعد العثور على أرشيفه الذي يحوي مواد أعمال سينمائية وفنية غير مكتملة، كان عمل عليها في بيروت بين عامي 1977 و1993".

تُظهر إذن عبثية التقديم مدى اكتظاظ الأفكار وتشابكها داخل رأس الفنان، الذي عاش عمراً مسلوباً من تاريخ بيروت الحديثة.

برج المرّ

صحيح أن السطور تخبرنا كيف راكم الرجل تسجيلات فريدة وسرياليّة، لكنها ظلّت كلها أفكار مفككة، يتعثر وصولها صوب مرحلة الإنجاز، فهل الاكتمال غاية كل نشاط ذهني أو جسدي؟ هل يمثل وحده مقياساً للقيمة، فيرفعها أو يدنيها؟ وهلّ برج المرّ مثلاً يتمارى مع كيڨورك بحضوره الممحي، إنما على هيئة مَعْلم بارز في عاصمته؟

هل الاكتمال غاية كل نشاط ذهني أو جسدي؟ هل يمثل وحده مقياساً للقيمة، فيرفعها أو يدنيها؟ وهلّ برج المرّ مثلاً يتمارى مع كيڨورك بحضوره الممحي، إنما على هيئة مَعْلم بارز في عاصمته؟

بدأ إنشاء برج المرّ في العام 1970 وهو يتألّف من 34 طابقاً، 7 منها مخفيّة تحت الأرض، بينما تفتح الخارجية عيونها عبر 510 شبابيك، تطلّ على كامل العاصمة التي قُسّمت أثناء الحرب (1975) إلى غرب مسلم وشرق مسيحي.

موقعه الاستراتيجي، جعل قنّاصة الأحزاب يتخذّون أعلاه مراكز أساسيّة لهم، فأثاروا الذعر في قلوب السكّان الآمنين والمارّين المسالمين، بينما تحوّلت طبقاته غير المكشوفة إلى سجون للمعتقلين، تشهد بصمت على علقم عذاباتهم.

انتهى القتال في العام 1990، إلّا أنّ تعمير "القلعة" المهترئة لم يُستأنف.

يعزو البعض السبب إلى نزاع بين رئيس مجلس الوزراء السابق، ميشال المرّ، وشركة سوليدير، حول ملكيّة العقار مع الأرض القائم عليها، في حين يعلل بعض آخر المسألة بأن العمارة التي كانت عصريّة في حينها، لم تعد تلائم زماننا، كما تحتوي شققها على أخطاء هندسيّة تحدّ من جعلها عمليّة (مثل انخفاض الأسقف) مع الإشارة إلى أنّ الهدم بحدّ ذاته يبقى باهظ الكلفة، ويبلغ حوالي 3 ملايين دولار.

ثمّة سؤال عالق حول كل الفظائع التي ارتكبت، منذ عشيّة انعقاد مؤتمر الطائف: لماذا لم يتم يوماً محاسبة فاعلين ضالعين؟ هذه المرّة، هل سيتم وضع "الدمى الأقل نفوذاً" بالواجهة، ومن أجل اقتصاصات مبطنّة؟

ثم زحف السلم بطيئاً على لبنان ورافق تقدمه الحذِر، صعود برجا "سما بيروت" (195 متراً) و"سكاي غايت" (181 متراً)، فهوى "المرّ" (157 متراً) من مركزه كأعلى مبنى بالمدينة، دون أن يسقط من الوجدان الشعبي كرمز للصمود لدى فئة ونذير للشؤم لدى فئة ثانية، ومصدر إلهام لدى نحّاتين أمثال مروان رشماوي، ورسّامين على غرار أيمن بعلبكي، وحتى صنّاع كوميكس مثل مازن كرباج، وأنيميشن أمثال لينا غيبة.

فهل يجسّد هيكل "البيتون" الفارغ روحاً من أرواح مدينة تفضي الصراعات فيها نحو تعطيل المشاريع عليها، سواء كانت عامة، على غرار أعمال كيڨورك، أم شخصيّة مثل سيرته وسير من عاشروه؟ وهل مفهوما المقاومة والجمال مطلقان أم ينبغي على التفكير الحرّ نقدهما، وعلى الرؤية الثاقبة استشفاف الجانب الآخر في كل فكرة ومادّة (كما الاكتمال أو عدمه)؟

لماذا لم يتم يوماً محاسبة الفاعلين؟

عاش هذا الوطن الصغير اغتيالات ومجازر فاقت حجمه الطبيعي، كان آخرها جريمة المرفأ، في 4 آب الماضي، ومن تداعياتها أن تولّدت مشاعر غدر ورعب في نفوس أهالي موتى، جرحى، مفقودين ومهجّرين "جدد"، إضافةً إلى من خسروا مصالحهم أو وظائفهم.

في الواقع، يطالب هؤلاء بالعدالة. كرونولوجياً، ثمّة سؤال عالق حول كل الفظائع التي ارتكبت، منذ عشيّة انعقاد مؤتمر الطائف: لماذا لم يتم يوماً محاسبة فاعلين ضالعين؟ هذه المرّة، هل سيتم وضع "الدمى الأقل نفوذاً" بالواجهة، ومن أجل اقتصاصات مبطنّة؟

على كل حال، غداة مرور أسبوع على المجزرة، قام ثوّار 17 تشرين برفع المشانق الرمزيّة من أجل كافة زعماء الطوائف، مسقطين عبر حركتهم أقنعة الشرف والوداعة والوطنية والحكمة، عن وجوه "السيّد" و"الشيخ" و"الجنرال" و"البيك"، محدثين المزيد من التصدع في أصنامهم.

فهل سوف يُعاقب الفاسدون أم ستظل التحقيقات بهدر أموال مؤسسات الدولة، احتجاز مدخرّات المودعين وتدمير نصف بيروت فوق رؤوس ناسها، كما السابق... أعمالاً غير مكتملة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard