لطالما كانت السينما في إيران فناً محفوفاً بالمخاطر، فالرقابة ليست تفصيلًا إدارياً، بل بنية كاملة تتحكم في ما يُقال، لذلك، فإن كل فيلم معارض هو في جوهره، فعل عصيان قبل أن يكون عملًا فنياً. وما يحدث اليوم في إيران لا يمكن اختزاله في خبر عاجل أو رقم ضحايا أو صورة احتجاج، نحن أمام لحظة تاريخية طويلة، متراكمة، انفجرت أخيراً بصوت نسائي واضح، وبجسد جماعي قرر أن يخرج من دائرة الخوف.
في اللحظة الإيرانية الراهنة، حيث يتقاطع الجسد مع القانون، والمرأة مع السلطة، والشارع مع الدولة، تعود السينما لتؤدي دورها الأشد خطورة، أن تكون ذاكرة حيّة في مواجهة النسيان القسري، فالأفلام المعارضة للنظام الإيراني ليست مجرد أعمال فنية، بل وثائق أخلاقية تكشف ما تحاول السلطة إخفاءه، وتعيد للواقع صوته المسروق. لهذه الأفلام، التي سنتحدث عنها قليلاً، روائية كانت أو وثائقية، تشترك في أمر واحد: أنها تُنتج خارج منطق الطاعة.
هي لا تصنع صورة جميلة لإيران، بل صورة صادقة، وفي زمن يحاول فيه النظام احتكار السرد، تصبح السينما فعل مقاومة، وذاكرة بديلة، ومساحة للحرية حين تُغلق كل المساحات الأخرى.
هذا ليس فيلماً
من خلال شريحة "يو اس بي" تم تهريب الفيلم الوثائقي "هذا ليس فيلماً" "This Is Not a Film" ليجوب مهرجانات العالم، وهذا التفصيل ليس عابراً لمخرج عانى سنوات طويلة من عمره من الإقامة الجبرية والحبس في منزله، وقدم للسينما أفلاماً عديدة وهو يصورها خلسة مثل فيلمه الروائي "تاكسي".
في "هذا ليس فيلماً" لا نشاهد فيلماً بقدر ما نشاهد محاولة مستحيلة لصناعة فيلم، الكاميرا هنا لا تبحث عن حكاية، بل عن حق الكلام نفسه، الإقامة الجبرية، الصمت المفروض، والفضاء المغلق، تتحول إلى استعارة عن وطن محاصر من الداخل. هذا العمل ليس فيلماً بالمعنى التقليدي، بل فعل احتجاج سينمائي. بحيث صُوّر داخل منزل بناهي أثناء خضوعه للإقامة الجبرية ومنعه من الإخراج، فالكاميرا فيه ثابتة، الحوار ذاتي، والفضاء مغلق، لكن الدلالة مفتوحة على مصراعيها.
يروي فيلم "ثورتي المسروقة" حكاية خمس نساء، والمخرجة سادستهن، وعن تجربتهن القاسية داخل السجون الإيرانية عقب الثورة التي أطاحت بالشاه. أما في "هذا ليس فيلماً" فنشاهد محاولة مستحيلة لصناعة فيلم، الكاميرا هنا لا تبحث عن حكاية، بل عن حق الكلام نفسه في ظل الإقامة الجبرية
بناهي يروي فيلماً لم يُسمح له بصنعه، ويعيد تمثيل مشاهده نظرياً، فيتحول الغياب إلى حضور، والمنع إلى موضوع، هو لا يوثق حدثاً سياسياً مباشراً، لكنه يكشف البنية العميقة للقمع الثقافي الذي سبق الانفجار الاجتماعي. وما نراه اليوم في الشارع الإيراني هو الامتداد الطبيعي لهذا الفيلم، أجساد تريد أن تتحرك، وأصوات ترفض أن تُكمم.
ثورتي المسروقة
في المقابل لا يمكن الحديث عن الأفلام المعارضة للنظام الإيراني من دون ذكر فيلم "ثورتي المسروقة" "My Stolen Revolution" للمخرجة ناهد برسون، الذي يروي حكاية خمس نساء، والمخرجة سادستهن، وعن تجربتهن القاسية داخل السجون الإيرانية عقب الثورة التي أطاحت بالشاه، لكنها وفق توصيفهن سُرقت على يد الخميني.
في فيلم "بذرة التين المقدس" الدراما لا تقوم على حدث كبير، بل على تراكم توتر صامت، يتحول فيه المنزل تدريجياً إلى محكمة مصغّرة، وتتحول الأبوة إلى سلطة رقابية، والحنان إلى اشتباه دائم.
فمن موقعهن الليبرالي، تحوّلن إلى أهداف للملاحقة الأمنية، لأنهن دافعن عن المسار الديمقراطي للثورة، ذلك المسار الذي اختزله الخميني بجملة شهيرة: "الديمقراطية مصطلح غربي، فاجتنبوه".
في عام 2009، شرعت المخرجة الإيرانية ناهد برسون في مشروع بحث شاق، هدفه تتبّع مصائر النساء الناشطات اللواتي اعتُقلن خلال تظاهرات عام 1979 في إيران، بعدما عارضن قيام الدولة الإسلامية، وتعرّضن في سجون الخميني للاعتقال والتعذيب والاغتصاب.
استطاعت برسون أن تعثر على بعضهن: بارفانيه، نازليه، سودابيه، منيريه، وأزار، هي أسماء قد تكون شبيهة بآلاف الأسماء التي لم تجد عدسة توثّق وجعها.
اليوم يعشن متفرقات بين النرويج والسويد والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا. التقت بهن، جمعت أصواتهن، وصنعت فيلمها عام 2014. العودة إلى هذا الفيلم الآن لا تنفصل عن جملة قالتها المخرجة في لقاء عابر خلال أحد المهرجانات السينمائية: "كان عليّ أن أُوثّق كي لا ننسى، لأن النظام الذي ارتكب هذه الفظائع لا يزال قائماً".
في الفيلم، يحضر صوت برسون كخلفية تأملية، يعلّق على سلسلة من الصور التي تختتم العمل كما افتتحته، في تأكيد واضح على أن ثمة ثورة مدنية في إيران جرى تهميشها، لكنها لم تمت. وكأن الفيلم يلمّح إلى أن تلك الثورة مؤجلة لا ملغاة.
بذرة التين المقدس
يظهر فيلم "بذرة التين المقدس" "The Seed of the Sacred Fig" بوصفه واحداً من أكثر أعمال محمد رسولوف نضجاً وقسوة في آن، ليس لأنه يواجه السلطة الإيرانية بشكل مباشر، بل لأنه يفعل ذلك من داخل البيت، من المساحة التي يفترض أن تكون الأكثر أماناً وحياداً والتي تتمثل بالعائلة.
رسولوف، الذي اعتاد تفكيك بنية القمع عبر أنظمة وقوانين من خلال أفلامه مثل "المخطوطات التي لا تحترق"، و"لا وجود للشيطان"، ينتقل هنا إلى مستوى أكثر حميمية، حيث تتحول السلطة من مؤسسة سياسية إلى سلوك يومي، ومن جهاز أمني إلى علاقة أبوية، ومن قانون دولة إلى خوف متوارث.
ينطلق الفيلم من شخصية القاضي الذي يُمنح سلاحاً رسمياً بحجة (الحماية)، في لحظة تبدو إدارية، لكنها في الحقيقة نقطة التحول المركزية في السرد. فالمسدس ليس أداة دفاع، بل رمزاً للشرعية العنيفة التي تمنحها الدولة، والتي تبدأ فوراً في إعادة تشكيل علاقته بزوجته وابنتيه.
يأتي فيلم "منطقة حرجة" المُصوَّر سراً والذي ينتمي إلى سينما الليل والهوامش، بوصفه أحد أكثر الأفلام الإيرانية المعاصرة قدرة على قراءة الواقع السياسي الراهن. طهران في الفيلم مدينة بلا نهار، بلا ضوء، وبلا مستقبل، صورة بصرية قاتمة تتحول إلى مرآة رمزية لما يجري في الشارع الإيراني اليوم
الدراما لا تقوم على حدث كبير، بل على تراكم توتر صامت، يتحول فيه المنزل تدريجياً إلى محكمة مصغّرة، وتتحول الأبوة إلى سلطة رقابية، والحنان إلى اشتباه دائم.
هنا تتجلّى براعة رسولوف في خلق رعب نفسي بلا حاجة إلى عنف مباشر؛ العنف موجود في النظرات، في الصمت، وفي الأوامر غير المنطوقة.
في المقابل تظهر الابنتان كمرآة لجيل جديد يرى ما يجري في الشارع، ويسمع ما لا يُقال في البيت. هما ليستا معارضتين سياسيتين بالمعنى التقليدي، بل شاهدتان على تفكك الخطاب الرسمي حين يصطدم بالواقع. الأم، من جهتها، تقف في منطقة رمادية، بين الرغبة في حماية أسرتها والخوف من كسر النظام الذي يؤمّن بقاءها.
رسولوف لا يرسم نساءه كضحايا فقط، بل كحاملات وعي، وأجساد تُراقَب وتُضبط وتُعاقَب باسم الأخلاق والنظام، الجسد هنا ليس خاصاً، بل ملك للسلطة، والبيت يتحول إلى امتداد غير معلن للسجن.
وانطلاقاً من عنوان الفيلم نفسه فهو ليس استعارة شعرية فحسب، بل بنية فكرية، فالتين المقدس نبات ينمو داخل شجرة أخرى، يلتف حولها ببطء حتى يخنقها. هكذا تعمل السلطة في فيلم رسولوف، لا تنقضّ دفعة واحدة، بل تتسلل، تتجذر، وتخنق الحياة من الداخل، باسم الحماية والنظام والاستقرار.
وبهذا؛ فرسولوف لا يصنع فيلم احتجاج فقط، بل يصنع وثيقة أخلاقية عن كيفية تحوّل الإنسان العادي إلى أداة في بنية قمعية أكبر منه، وكيف تدفع النساء، مرة أخرى، الثمن الأعلى.
منطقة حرجة
وبطريقة مختلفة كلياً يأتي فيلم "منطقة حرجة" "Critical Zone" للمخرج علي أحمد زاده، المصوَّر سراً في طهران، والذي ينتمي إلى سينما الليل والهوامش، بوصفه أحد أكثر الأفلام الإيرانية المعاصرة قدرة على قراءة الواقع السياسي الراهن، لا عبر الخطاب المباشر، بل من خلال تفكيك الأثر النفسي والاجتماعي للقمع.
الفيلم لا يتحدث عن السلطة صراحة، لكنه يذهب إلى ما هو أعمق، بحيث يرصد كيف يستقر القمع داخل الجسد، وفي النفس، وفي نسيج المدينة نفسها.
هنا لا يظهر القمع في هيئة شرطي أو محكمة، بل يتجلى في العزلة، والإدمان، وفقدان المعنى، وانعدام الأفق، وفي تحوّل الحياة اليومية إلى فعل بقاء لا أكثر، فالشخصية الرئيسية ليست مطارَدة سياسياً، لكنها تعيش داخل نظام مغلق إلى حدّ أن الانحراف يغدو الشكل الوحيد الممكن للحرية، وهذا بحد ذاته موقف سياسي بالغ القسوة، حين يُغلق المجال العام، يصبح الانهيار الفردي نتيجة حتمية، لا خياراً أخلاقياً.
وطهران في الفيلم مدينة بلا نهار، بلا ضوء، وبلا مستقبل. صورة بصرية قاتمة تتحول إلى مرآة رمزية لما يجري في الشارع الإيراني اليوم: جيل محاصر، مراقَب، ومجرد من أدوات التعبير، ينزلق إلى "المنطقة الحرجة" بين الحياة والموت، بين الرغبة في النجاة والرغبة في الاختفاء.
الفيلم يعارض النظام لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر كشف أثره النفسي والاجتماعي على جيل كامل.
اللافت أن معظم هذه الأفلام الذي تم تناولها عل سبيل المثال لا الحصر، صُورت في ظروف شبه سرية، أو أُنجزت في المنفى، أو عُرضت خارج إيران قبل أن تُمنع داخلها، وهذا بحد ذاته خطاب سياسي.
وما يحدث اليوم في إيران لا يُفهم من دون هذه الأفلام، تماماً كما أن هذه الأفلام لا تُشاهد اليوم من دون أن تُقرأ بوصفها جزءاً من اللحظة، لا تعليقاً عليها فقط.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
