بين التفكّك والصمود، تقف إيران عند صورة تتشكّل، لكن لم تصل بعد إلى نقطة النهاية. ففي ظلّ مجتمع متجدد ونظام متجمّد، وتحولات جذرية في الإقليم والعالم، كلّ باب مفتوح على سيناريوهات عدة. القوة عنوان للتغيير وأداة له، والمستقبل ليس بحسابات المجتمعات داخل الدول فقط، وإنما بتأثيرات خارجية ناعمة، وقوة عسكرية ضاربة، وفوضى في إدراك بعض الأنظمة السياسية حدود استخدام القوة في الداخل والخارج.
يعتقد النظام "الإسلامي" الإيراني، كأيّ نظام سياسي، أنّ بقاءه خير للشعب وللدولة. من هذا المنطلق يبرّر القمع الأمني، ظنّاً منه أنّ الأدوات الأمنية هي الأجدى في مقاومة أيّ محاولة لتحرّر الشعب من سلطانه وسياساته التي أهدرت الحقوق على مدار عقود في بلد غنيّ بالموارد، وبالعقوبات المستمرة التي بدأت من طور تكوين النظام ذاته، وصارت أداةً دوليةً لقمع السلطة والشعب بالتبعية.
تتجدد الشعوب الحيّة، كالشعب الإيراني، بفعل الزمن وتغيّر الأجيال والعقول في عصر بات مسموحاً له فيه -وإن حظرت السلطة التواصل مع العالم الخارجي- أن يرى ويعرف وربما يشاهد في جولات افتراضية كيف يعيش الناس حول العالم، ما يدفعه إلى التساؤل: لماذا يضيق الحال علينا بينما تتقدم الدول والشعوب الأخرى؟ هل نُعاقَب على سياسات النظام الحاكم أو يكفي الضرر الواقع علينا منه؟ وهل أُشركنا في السياسات لننال العقوبات؟
النظام في وادٍ والمجتمع يحلم
أُرهق المجتمع الإيراني بالسياسات القمعية، والحالة الاقتصادية الصعبة، لكنه لم يستسلم للواقع، إذ لا يزال يقاوم ويقول بصوت عالٍ إنّ السلطات في إيران تركّز على الخارج أكثر من الداخل. وحتى الخارج، لم تأتِ فيه إستراتيجية الوكلاء بما ينفع إيران ويعود عليها بمكاسب اقتصادية. أما المكاسب الجيوستراتيجية فمشكوك في نجاعتها حالياً.
يتساءل الشعب الإيراني: لماذا يضيق الحال علينا بينما تتقدم الدول والشعوب الأخرى؟ هل نُعاقَب على سياسات النظام الحاكم أو يكفي الضرر الواقع علينا منه؟ وهل أُشركنا في السياسات لننال العقوبات؟
لقد تغيّر الجيل الجديد في إيران، وكذلك القديم. ولو نظرنا إلى الموجة الجديدة من احتجاجات الشعب على النظام التي اندلعت في كانون الأول/ ديسمبر 2025، لوجدنا أنّ أسبابها اقتصادية بالأساس، بجانب الحريات وغياهب السياسة وسيطرة الأمن، ولا سيما الحرس الثوري، على الاقتصاد والأمن والدفاع، ونفوذه الواضح في لعبة السياسة في البلد، وأنّ شرارة الاحتجاجات الأولى انطلقت من البازار -وهو مكوّن أساسي في الثورة الإسلامية (1979)، وداعم للنظام الإيراني بعدها ولم يخرج عليه كما خرجت فئات مجتمعية وسياسية عدة إلا نادراً- إلى الجامعات ومنها إلى سائر مكونات المجتمع.
لقد شاخ فكر النظام الإيراني على الأقلّ داخلياً، وباتت وتيرة التغيّر في المجتمع أسرع من إصلاحاته، إن وُجدت. هدفه الصمود في واقع مضطرب وغير مستقرّ إقليمياً ودولياً، على أمل الخروج من هذه الأزمة. لكن ذلك افتراض غير واقعي، ومن هنا الظنّ بأنّ احتواء الاحتجاجات هو المنال، وليس ما بعدها. فاحتواء المجتمع يحتاج إلى العمل داخلياً على تحسين حياة الناس، وخلق لغة حوار مع الأجيال الجديدة، وفهم متطلبات المجتمع، لا الاعتقاد بأنّ السلطة هي من تحدّد المتطلبات، وتقمع ما تراه خارج ذلك، وغالباً ما غفلت الهياكل السياسية والدينية في إيران خلال العقود الماضية عن فهم المجتمع بعيداً عن القيود والتحريم بالأداة الأمنية.
خيارات التغيير
باستمرار الضغوط المجتمعية والاقتصادية وانغلاق الأبواب أمام الشعب، بجانب الضغوط الدولية القائمة من إسرائيل والولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية، سواء كانت عسكريةً مباشرةً أو على هيئة سياسة العقوبات المستمرة، فإنّ نجاة النظام من السقوط تتراجع، لكن هذا لا يعني الجزم بسقوطه أو إسقاطه في هذه الأيام، فالمشهد الإيراني يبدو وكأنه يسير في اتجاه الجولات لا الضربة القاتلة.
وإذا سلك النظام الإيراني طريق التفاوض والتنازل في بعض الملفات، وتخلّى ولو بخطوات قليلة عن البرامج النووية والصاروخية، وتراجعت لغته الحادّة أو خُفّفت تجاه الغرب وما يمثله من دول في الإقليم والعالم، وهدأت وتيرة نشاط وكلائه، خاصةً في اليمن، وانفتح على تهدئة في لبنان بشأن حصر السلاح في يد الجيش اللبناني، فقد تعطيه هذه الخطوات حياةً أطول وإن في حالة هشاشة، لكنها لا تضمن بقاءه.
أما التدخّل الإسرائيلي والأمريكي بضربة عسكرية مباشرة، أو باستكمال حروب الظلّ المتواصلة منذ سنوات، فلا يجزم بسقوط النظام في إيران، وقد يكون سبباً في بقائه إذا نجح في استغلال اللحظة في الداخل وأطلق إصلاحات حقيقيةً، وإن كان مشكوكاً في ذلك، خاصة أنّ حرب الـ12 يوماً (حزيران/ يونيو 2025)، كانت خير فرصة لتلاحم الشعب مع النظام. لكنّ النظام بدّدها برواية الصمود والقدرة فقط، ولم يلتفت إلى المجتمع ومتطلباته وطبيعته المختلفة عما كان عليه حين سقوط الشاه.
التفاعل الدولي
من الواضح أنّ الولايات المتحدة حيرى في شأن إيران، إذ تعتقد بالشراكة مع إسرائيل بأهمية توجيه ضربة عسكرية لها، لكنها غير متيقنة من قضائها على النظام فيها، ناهيك عن كلفتها الاقتصادية. وإذا تم الانتقال من الضربات المركزة إلى الضربات المتواصلة، فإنّ المعادلات حينها ستتغيّر في كل شيء، وفكرة اختطاف القائد الإيراني الأعلى (المرشد) علي خامنئي، كما حصل في فنزويلا، ليست مهمةً سهلةً، والقبول بها حتى في ظلّ الخلاف مع النظام غير مؤكد. كما أنّ البدائل لا تملك شعبيةً حقيقيةً في البلاد، وإيران بلد متنوّع الأعراق والأديان، واليوم التالي لسقوط النظام قد يكون أصعب على إيران والمنطقة مما قبله.
سياسة إضعاف النظام الذي يزداد هواناً هي السيناريو الأنجع. ربما تعي الحكومة الإيرانية ذلك، لكنها لا تحرّك ساكناً لتجاوزه، ويُعزى السبب إلى أن خياراتها ليست كثيرةً، وهي في الوقت نفسه تُصرّ على خطوط حمراء إن تنازلت عنها تكون قد تراجعت عن قيم ومبادئ الجمهورية الإسلامية. فانفتاح بلد مثل إيران على الغرب مثلاً، يقضي على ما يسمّيه النظام "استقلالاً"، لتنضم إلى دول تابعة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهنا تكمن المعضلة الكبرى في وجه النظام والتغيير.
إن أُرجئ الخيار العسكري، أو تخلّت عنه الولايات المتحدة، فإنّ ذلك يعني محاولةً جديدةً لانطلاق مفاوضات، سرّيةً كانت أو علنيةً، انتظاراً للحظة تبدو إيران فيها أكثر هشاشةً مما هي عليه اليوم، وتضطر إلى تقديم تنازلات طوعاً أو كرهاً لم تكن مطروحةً من ذي قبل.
الخلاف على غد إيران
تحاول الحكومة الإيرانية احتواء الاحتجاجات والاعتراف بالحقوق المنشودة من قبل المتظاهرين، لكنها في الوقت نفسه تتهم بعضهم بالشغب وربما الإرهاب، خاصةً مع دعم إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبية لهم، وعدم سيطرتها المحكمة على الحدود مع الجيران. وفي سبيل الاحتواء، تتخذ بعض الإجراءات الاقتصادية لتهدئة الوضع، وربما تنجح في استغلال الضغوط الدولية، ولا سيما أنّ المعارضة في الداخل ليست موحّدةً على طريق أو فكرة، ولا قيادة يمكنها الدفع بالدفة إلى طريق مختلف، بينما الخارج بعيد عن أرض الواقع في إيران منذ عقود، ولا تجربة حقيقية له في عمل سياسي بالدولة. وحتى الدول الغربية لا تثق بقدرة معارضة الخارج على إخراج إيران من الحالة الحالية سوى ببعض التنازلات في ما يتعلّق بعلاقاتها مع إسرائيل والانفتاح على الغرب.
لو نظرنا إلى الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران، لوجدنا أنّ أسبابها اقتصادية بالأساس، وأنّ شرارتها انطلقت من البازار إلى الجامعات ومنها إلى سائر مكوّنات المجتمع
وحتى إذا انتهت احتجاجات الموجة الحالية، فحركة الشارع حتماً لن تهدأ مطولاً، لأنّ الأزمات الاقتصادية لا حلول منظورةً بشأنها وفق النهج السابق، ومرونة النظام السياسي غير واردة بتركيبته الحالية. وربما تظهر في موجة لاحقة قيادة أو أفكار تغذّي حركة الشارع وتدعم الانتقال إلى عصر جديد، أو ينقلب النظام على ذاته رغبةً منه في الشروع بمواجهة العقبات والمعضلات التي ترسخت بوجوده على رأس السلطة السياسية والدينية، وقد سئم الشعب من ربط كل شيء بالدول "الشيطانية"، وكأنّه نظام لا حول له ولا قوة سوى التمسّك بتالبيب البلاد من كل جهة، وقمع الحلم بالتغيير.
الخطوات الممكنة
في ظلّ سيناريو الإضعاف، يمكن أن يأخذ النظام الإيراني البلاد إلى عزلة. يغذّي هذا النهج مشروع إنشاء سحابة وطنية لعزل المواطنين عن العالم الخارجي، بدلاً من قطع الاتصالات والإنترنت، مع الحلول الأمنية والقمعية التي قد تخفّ بعد موجة الاحتجاجات إذا انتهت كما يخطط النظام الإيراني، لامتصاص الغضب، وإجراءات اقتصادية وسياسية، وانفتاح الرئيس مسعود بزشكيان، على الشعب، كطرف يمثّل الجانب الناعم للنظام. وربما يصل الأمر إلى ترديده كلاماً أقرب إلى شعارات المتظاهرين، وكأنّه مناضل وليس رئيس الدولة. وإن كان الرئيس لا يملك كل الصلاحيات، لتجاوز سلطة "الولي الفقيه" السلطات كلها، فإنه لم يستطع فعل الكثير في أي جانب من حياة الشعب.
إيران ستستكمل محاولاتها للخروج من العزلة الدولية، خاصةً مع الدول العربية وبعض الدول الشرقية، لكنها دول لا يعوّل عليها لعلاقاتها مع الغرب، فهي إما حليفة للولايات المتحدة، أو لا يمكنها الانخراط في معارك غير معاركها الأساسية على المستوى الدولي، لذا تكتفي بالموقف السياسي الدبلوماسي، أو بأدوار الوساطة في خفض التصعيد.
في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والاستقطاب في الإقليم، والتغيير في معايير النظام الدولي لصالح أعداء إيران، يُمثّل تغيير الأنظمة وإن بتدخل خارجي، استغلالاً لهشاشة الدول في مجتمعاتها، وعدم قدرتها على الحفاظ على أمنها القومي، وعجزها عن الحماية، بعد خلق حالة من الهشاشة السياسية والاقتصادية والأمنية تسمح للآخر بالتدخل فيها. وهي لعبة مارستها إيران -كما تمارسها القوى العظمى- في الدول العربية.
في إيران اليوم، قد نكون أمام تغيير طوعي أو اضطراري، لكن حتمية التغيير لا خلاف عليها.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
