يقول لي وهو يقلب صور المدينة الحزينة، التي عدت للتو منها، بأنني حالمة ومتمسكة بخيوط واهية من الذاكرة التي أحرقها هو منذ عشرين عاماً، عندما اتخذ الخطوة الأولى خارج البلاد، فأقفل باب قلبه ولم يعد يريد أن يعود إلى هناك.
ورغم أنه هو الذي هاجر قولاً وفعلاً، فما زال يبدو أكثر الشغوفين بمعرفة أخبار البلاد وبيوتها.
حب الحياة
أحدثه من منزلي الأوروبي الصغير الذي تنمو فيه الأشجار بكثافة، لا بفضل الشمس ولكن بفضل تعلقي بها.
أقول له: أنا لا أتحدث عن تلك البيوت الضيقة ذات الأسقف المنخفضة. لا أتحدث عن رائحة الجدران المدهونة حديثاً، لا أتحدث عن السماء الرمادية، ولا أتحدث عن كل الهائمين بحثاً عن بيت.
أنا أتحدث عن تلك البيوت بنوافذ زجاجية مسورة بقضبان خضراء مزركشة مطلة على حديقة بيت قديم، أطرافها محفوفة بالمجنونة والسيكلاما والفل والنرجس.
عن بيوت تطل على قاع العالم، حيث كل شيء يبدو أكثر صلابة رغم هشاشته، حيث ينمو الحب تحت صوت القذيفة، وترتعش الأجساد حول مدفأة الحطب، وتطل الصباحات على شمس لا تعرف الخيبة.
أنا لا أتحدث عن بيوت فيها كل شيء، بل عن بيوت ينقصها الكثير ولكن تملؤها مشاعر سكانها. عن بيوت لا يخاف أهلها من خوفهم، من حزنهم وخيبتهم، ومن حبهم للحياة ما بعد اليأس.
أنا أتحدث عن مدن تستيقظ تحت وطأة الموت لتقول: "صباح الخير"، لمن تبقى من أهلها.
أنا لا أتحدث عن مدن لا تفهم معنى أن تكون حياً كل يوم، أن تملك الماء والدفء والهواء النقي.
أنا أتحدث عن مدن تنشر فاكهتها وورودها صباحاً على قارعة الرصيف وتغسل غبارها بالماء الشحيح وتبني خلف كل حجر مكسور أملاً جديداً.
ماذا يعرف أهل العالم الآمن عن أولئك في الطرف الآخر، الذين يقضون صباحاتهم بعدّ النقود، ويتركون أطفالهم ليلعبوا بأنقاض المدينة، فيبنون منها قصوراً ويطعمون القطط الجائعة، ويجمعون ما بقي من أنقاض الأبنية من أسلاك معدنية يبيعونها بأيد ممزقة؟
ماذا يعرف ذلك العالم عن مدينة يبيع أهلها فيها ثيابهم الرثة على نافذة ناجية من البراميل المتفجرة؟
أتحدث عن مدن تستيقظ تحت وطأة الموت لتقول: "صباح الخير"، لمن تبقى من أهلها
ماذا يعرف ذلك العالم عن عالم يبني فيه صبي صغير أحلامه وهو يعرف إنها تواجه اليأس والخيبة، وهو يعرف أن ما سيأتي سيكون أكثر ظلماً، وعن صبية تمسك أول خيوط نهارها بحماس طفلة، وتشرب قهوتها في فيء أمها، وتحت عريشة جدها، وتتلمس طريقها خلف آثار أقدام والدها الذي أهملها عمراً كاملاً، لكنه أسر لها قبل وفاته بأن البلاد قد كسرته ألف مرة حتى فقد قدرته على الالتئام، ورغم ذلك فقد همس لها في سريره الأخير بأنه سيحبها أكثر بعد أن يموت.
أنا أتحدث عن أناس يعيشون حياتهم بمحاذاة الموت كل يوم ويؤمنون بقدرية الأشياء ويسلمون قلقهم لآلهة الطمأنينة ويقدمون حزنهم قرابين لآلهة السكينة، ويمسكون نهارهم من أوله بعذوبة شمس البلاد.
ماذا يعرف أهل العالم الآمن عن معنى أن تكون حياً كل يوم لأنك للتو قد نجوت من الموت؟
وبأن ما تفكر به لمستقبلك لا يشمل خطة التقاعد وبيتاً على البحر وتأميناً على الحياة، بل تفكر بثمن القبر الذي تريد أن تجمعه كي لا يتعثر محبوك بموتك، فيثقل كاهلهم.
أنت لا تفكر بالحياة كما يراها نصف العالم ذاك، بل تفكر بـ"فرصة" الحياة التي تمنحك إياها المصادفة كل يوم.
أنا لا أتحدث عن المسنين الذين يغضبون في الطريق بسبب مخالفتك لإشارات المرور هنا، بل بمن يكبرون هناك وهم يتذوقون يومهم بمرارة الوحدة والغربة عن أبنائهم وبناتهم، بمن ينتظرون الصورة والمكالمة والأخبار الحلوة، وبمن ينتظرون في الصقيع رغيف الخبز اليابس، ويستذكرون طعم الحياة قبل أن تذبل في بلادهم.
أنا لا أتحدث عن صعوبة العيش في بلاد الحرب، ولكنني أحدثك عن تعثرنا نحن أهل تلك البلاد، عن أن نعيش حقاً في بلاد آمنة.
"انتبهي على حالك"
أردت أن أقول له أشياء كثيرة لكنني لم أقل. أردت القول إنني رأيت هذا العام مدينتي ولمستها، وفهمت سرّ انكسار قلبي الدائم، وكم أشبهها بعدما تحطم جزء مني هناك تحت أنقاض الغوطة والمعضمية.
أرت أن أقول له إنني لن أتحدث بعد اليوم عن أمومتي، وعن كل ما فيها من تجارب لا تشبه الحياة "العادية" وعن سرّ رغبتي الدائمة بالاستمرار وتليين قساوة العيش وكسر النمط، وبالحرية أيضاً، لي ولأولادي من الأحكام المجتمعية.
ماذا يعرف أهل العالم الآمن عن معنى أن تكون حياً كل يوم لأنك للتو قد نجوت من الموت؟
أردت أن أقول له إنني أودعتُ قلبي في دمشق لأنني خفت من "رمنسة" الصورة القاتمة لبلاد تحمل أمواتها على كفيها فلا تملك أصابع تكفكف بها دموعها السخية.
أردت أن أقول له إنني فقدت هذا العام كثيراً مما أحب، وكثيراً من الأمنيات التي لم أعد أريد استردادها ولا حتى تذكرها، وأنني دفنت بيدي نجمة صغيرة كانت تريد أن تصبح نجمة صبح فضية.
أردت أن أقول له إنني اخترت الأحمر لوناً لي والأزرق بحراً لخساراتي، وإنني فقدت شغفي بالأسود.
وإنني أريد أن أقول أشياء كثيرة عن ألواني وكائناتي التي أصنعها عند ساعة السّكينة، وعن مدينتي وأمومتي ورغباتي، لكنني أيضاً لم أعد أريد أن أقول شيئاً.
نقفل السماعة على حديث لا ينقطع بيننا، فيقول لي: "انتبهي على حالك".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
