أين تقف إيران من تصاعد الخلاف السعودي - الإماراتي في اليمن؟

أين تقف إيران من تصاعد الخلاف السعودي - الإماراتي في اليمن؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 8 يناير 202621 دقيقة للقراءة

شهدت الساحة اليمنية خلال الأيام الأخيرة تحوّلات لافتة، في مقدّمتها تصاعد الخلاف السعودي – الإماراتي وما رافقه من إعادة تموضع للقوى المحلية وتبدّل في أنماط التحالفات الميدانية. وتأتي هذه التطورات ضمن سياق إقليمي شديد الاضطراب، يتّسم بتآكل بعض ركائز ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، وتفاقم التوترات المرتبطة بالحرب على غزة منذ السابع من تشرین الأول/ أكتوبر2023، إلى جانب تنامي الحضور الإسرائيلي في البحر الأحمر ومحيطه، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الملاحة الدولية وتوازنات القوى الإقليمية.

ويتزامن هذا المشهد مع متغيّرات إقليمية موازية لا تقلّ أهمية، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار في السودان وتحولها إلى ساحة صراع مفتوحة ذات أبعاد إقليمية ودولية، الأمر الذي يعزّز المخاوف من تشكّل طوق أمني جديد في محيط البحر الأحمر. كما يبرز، في هذا السياق، إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، في خطوة تُقرأ إقليمياً على أنها جزء من مساعٍ أوسع لتكريس حضور إسرائيلي مباشر في القرن الإفريقي، وبسط نفوذ على ممرات بحرية حيوية تربط البحر الأحمر بخليج عدن.

في هذا الإطار المركّب، تراقب إيران تطورات المشهد اليمني باعتباره ساحة استراتيجية متداخلة مع أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسارات الصراع الإقليمي والدولي. غير أن طهران لا تتعامل مع هذه التحولات بمنطق التصعيد المباشر، بل تعتمد مقاربة براغماتية مرنة تقوم على إدارة النفوذ وتوظيف التحولات الجارية لتعزيز موقعها التفاوضي، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تفرض كلفة استراتيجية مرتفعة على مصالحها الإقليمية.

الدور الدبلوماسي الإيراني المتصاعد

في ضوء التطورات المتسارعة في اليمن حتى كانون الثاني/يناير 2026، يكشف الخلاف السعودي – الإماراتي عن تصعيد لافت يعكس اتساع رقعة الانقسامات داخل التحالف المناهض لحركة أنصار الله "الحوثيين". وتنظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى هذا التصدّع بوصفه فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها غير المباشر عبر الحوثيين، في إطار ما يمكن توصيفه باستراتيجية الإدارة عن بُعد أو الاستنزاف غير المباشر، القائمة على إضعاف الخصوم دون الانخراط في مواجهة مباشرة عالية الكلفة.

وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد الملف اليمني حراكاً دبلوماسياً إيرانياً ملحوظاً، تمثّل في سلسلة اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مع كلٍّ من نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ونظيره الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان. وجاءت هذه الاتصالات في سياق إقليمي بالغ التعقيد، يتّسم بإعادة تموضع القوى الفاعلة في اليمن، وتداخل المسارات الدبلوماسية مع الوقائع الميدانية، ولا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة.

ما يجري في اليمن لا يكشف فقط عن خلاف سعودي–إماراتي، بل عن نهاية نموذج "التحالف الوظيفي" في الحروب الإقليمية، حيث تتحول الشراكة من أداة مواجهة مشتركة إلى عبء متبادل، وتبدأ كل دولة بإدارة الحرب ضد حليفها السابق بوسائل غير معلنة

وبحسب بيان وزارة الخارجية الإيرانية الصادر في 28 كانون الأوّل/ ديسمبر، ناقش عراقجي في اتصال هاتفي مع نظيره السعودي العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدّمتها التطورات الأخيرة في اليمن. وأكّد الوزير الإيراني، خلال الاتصال، ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وأهمية تنفيذ "خارطة الطريق السياسية"، من دون الخوض في تفاصيل تنفيذية. وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية الإماراتي، شدّد عراقجي على أن حلّ الأزمة اليمنية يكمن في الحوار الوطني الشامل، وهو طرح يعكس استمرارية الخطاب الإيراني الرسمي الذي يقدّم التسوية السياسية بوصفها المخرج الوحيد من الأزمة.

وفي 29 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، أجرى عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً مع بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، جرى خلاله بحث العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية والدولية. ووفق بيان وزارة الخارجية الإيرانية، تناول الاتصال سبل تعزيز العلاقات بين طهران ومسقط، وتبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية، حيث أعرب الوزير الإيراني عن قلقه إزاء التطورات الأخيرة في جنوب اليمن، مشدّداً على ضرورة تكاتف الجهود الإقليمية للحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية وتعزيز الاستقرار.

وفي 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع عبداللطيف الزياني، وزير خارجية البحرين، لمناقشة العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وأفاد بيان القناة الرسمية لوزارة الخارجية الإيرانية بأن عراقجي عبّر عن قلقه إزاء التصعيد المتزايد في جنوب اليمن، داعياً دول المنطقة إلى العمل المشترك للحفاظ على وحدة اليمن وتماسكه. وأكّد أن تسوية الأزمة اليمنية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الحوار بين جميع الفصائل اليمنية. من جهته، شدّد وزير خارجية البحرين على أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في اليمن والمنطقة، معرباً عن أمل الطرفين في أن تسهم الجهود المبذولة في احتواء الخلافات القائمة وتعزيز استقرار اليمن.

وبالتوازي مع هذه التحركات، أجرى وزير الخارجية الإيراني اتصالاً هاتفياً مع عبد الواحد أبو راس، القائم بأعمال وزارة الخارجية في حكومة أنصار الله، جرى خلاله بحث آخر التطورات السياسية والميدانية في اليمن. وقدّم أبو راس خلال الاتصال الرواية الحوثية للأحداث الجارية في جنوب البلاد، معتبراً أن أطرافاً إقليميين يقفون خلف محاولات زعزعة الاستقرار وتعقيد المشهد اليمني. من جانبه، أشاد عراقجي بما وصفه بدعم الشعب اليمني للقضية الفلسطينية، داعياً في الوقت نفسه إلى الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وحضّ جميع الأطراف اليمنيين على الانخراط في حوار وطني شامل لإحباط أي مخططات تستهدف تقسيم البلاد.

وتُقرأ هذه الاتصالات الإيرانية، على نطاق واسع، بوصفها محاولة لتقديم طهران كطرف داعم للحل السياسي، كما يعكس توقيتها مسعى إيرانياً واضحاً لإعادة تثبيت حضورها السياسي في النقاشات الإقليمية المتعلقة بمستقبل اليمن، في ظل مخاوف من تبلور ترتيبات إقليمية جديدة قد تُدار بمعزل عنها.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني رامي النهدي أن هذه التحركات "تأتي في لحظة سياسية حساسة تحاول فيها إيران إعادة التموضع داخل المشهد الإقليمي، ليس فقط كداعمة غير مباشرة لحركة أنصار الله، بل كفاعل سياسي يسعى إلى أن يكون جزءاً من إدارة المسارات الدبلوماسية المرتبطة بالملف اليمني". ويضيف أن تركيز الخطاب الإيراني على مفاهيم من قبيل "وحدة اليمن" و"الحوار الوطني" يهدف أساساً إلى احتواء الضغوط المتزايدة عليها وتحسين صورتها لدى العواصم الخليجية، أكثر مما يعكس تحولاً جوهرياً في مقاربتها للملف اليمني.

كما يعكس التواصل المباشر مع الرياض وأبو ظبي قلقاً إيرانياً من احتمال تبلور تفاهمات خليجية جديدة لضبط الوضع في جنوب اليمن، بما قد يحدّ من أوراق النفوذ الإيرانية أو يفرض معادلات أمنية جديدة في البحر الأحمر ومحيطه. وفي هذا الإطار، تعاملت إيران بحذر ملحوظ مع التصعيد الأخير بين السعودية والإمارات، متجنّبة خطاباً احتفالياً أو تصعيدياً، على الرغم مما يحمله هذا الخلاف من مكاسب محتملة لمصالحها الاستراتيجية.

قراءة في الاستراتيجية الإيرانية

تُعدّ مسألة الحدّ من توسّع دائرة الدول المنخرطة في الائتلاف العسكري الذي قادته المملكة العربية السعودية منذ عام 2015 إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية تجاه أزمة اليمن. وفي هذا الإطار، سعت طهران إلى منع انضمام دول إقليمية مؤثرة، مثل باكستان وتركيا وسلطنة عُمان، إلى هذا الائتلاف، مستندةً إلى أدوات دبلوماسية مرنة، واستثمار علاقاتها الثنائية، وإبراز الكلفة السياسية والأمنية المترتبة على الانخراط العسكري في اليمن وانعكاساته على استقرار المنطقة.

تكتيك إيران لا يقوم على أنها الأقوى، بل الأهدأ؛ فبينما ينشغل خصومها بتفكيك بعضهم بعضاً، تحول هي الانقسام الخليجي إلى رصيد تفاوضي طويل الأمد بلا تكلفة عسكرية مباشرة.

وبالتوازي مع ذلك، ركّزت إيران على تعميق التصدّعات داخل ائتلاف الحرب على اليمن. فمنذ المراحل الأولى لتشكّل هذا التكتل، واجه الائتلاف تحديات بنيوية ناجمة عن خلافات عميقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما تلك المرتبطة بالنزاعات الحدودية، والتنافس على زعامة الإقليم، والسيطرة على حقول النفط والغاز. كما أسهم التباين في الرؤى بشأن شكل النظام السياسي المستقبلي في اليمن في إضعاف التماسك الداخلي لهذا الائتلاف.

ومع تراكم الإخفاقات العسكرية وتراجع فرص الحسم الميداني، بات واضحاً أن مساعي المملكة العربية السعودية لإقناع بقية أطراف الائتلاف بإمكانية تحقيق نصر عسكري يخدم مصالح عربية مشتركة لم تُكلَّل بالنجاح. وعليه، يمكن اعتبار هذه الخلافات عاملاً رئيسياً في تعميق الانقسامات داخل الائتلاف، وفي تهيئة الظروف التي أفضت لاحقاً إلى مسارات التهدئة ووقف إطلاق النار في اليمن.

في هذا السياق، اضطلعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدور غير مباشر في تسريع هذا المسار، من خلال توظيف أدواتها الدبلوماسية وتكثيف تواصلها مع الدول المنخرطة في الائتلاف. فقد أسهمت طهران، عبر التأكيد على سياسة عدم التدخل، وتوسيع مجالات التعاون الثنائي، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وسياسية متعددة، في بناء صورة إيجابية عنها وتعزيز مناخ الثقة مع عدد من هذه الدول، مما أدى تدريجياً إلى تحييد محاولات الرياض تشكيل إجماع إقليمي معادٍ لإيران حول الملف اليمني.

تنطلق الرؤية الإيرانية من اعتبار أن ما يجري في اليمن يعكس تآكل التحالف العربي الذي تقوده السعودية، وتحوله من جبهة موحّدة في مواجهة حركة أنصار الله إلى ساحة صراع نفوذ بين الرياض وأبو ظبي. ومن منظور طهران، يضعف هذا الانقسام قدرة السعودية على فرض تسوية وفق شروطها، ويحدّ من فاعلية أي تحالف إقليمي مناوئ لإيران، كما يفتح المجال أمام القوى المحلية اليمنية، وفي مقدّمتها الحوثيون، لتعزيز موقعها السياسي والعسكري. ولا تنظر إيران إلى هذه التطورات بوصفها نصراً مباشراً لها، بقدر ما تراها تحولاً بنيوياً في ميزان القوى يخدم مصالحها على المدى المتوسط.

وقبل التعمّق في قراءة الموقف الإيراني من الخلاف السعودي–الإماراتي، لا بدّ من التوقف عند جذوره البنيوية وتطوراته الأخيرة بوصفه أحد أبرز التحولات المؤثرة في مسار الصراع اليمني. فمنذ انطلاق التدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015، اتسمت العلاقة بين الرياض وأبو ظبي بتعاون ظاهري أخفى تباينات استراتيجية عميقة. فبينما ركّزت السعودية على إعادة إنتاج سلطة مركزية يمنية موحّدة تحت مظلة الشرعية الدولية، بما يضمن أمن حدودها الجنوبية ويحدّ من نفوذ أنصار الله، اتجهت الإمارات نحو بناء نفوذ طويل الأمد في جنوب اليمن وشرقه، عبر دعم قوى محلية موالية لها، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعزيز السيطرة على الموانئ والجزر والممرات البحرية الحيوية.

وانعكس هذا التباين في الأهداف على طبيعة الأدوات المستخدمة؛ إذ اعتمدت السعودية على العمليات العسكرية التقليدية والضغط السياسي، في حين فضّلت الإمارات استراتيجية العمل عبر الوكلاء المحليين، وبناء تشكيلات أمنية وعسكرية موازية لمؤسسات الدولة اليمنية، مثل قوات الحزام الأمني والنخب المحلية، مع إبداء مرونة تكتيكية أكبر تجاه الحوثيين مقارنة بالموقف السعودي المتشدد.

ومع مرور الوقت، تصاعدت الخلافات، لا سيما عقب الانسحاب الإماراتي الجزئي من اليمن عام 2019، الذي كشف حدود التوافق داخل التحالف. غير أن هذه الخلافات بلغت ذروتها في أواخر كانون الأوّل/ديسمبر 2025، حين شهد اليمن تصعيداً غير مسبوق بين الحكومة الشرعية المدعومة سعودياً والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً. وتمثّل هذا التصعيد في قصف سعودي لشحنة في ميناء المكلا قيل إنها مرتبطة بالإمارات وتحتوي على أسلحة موجهة لقوات المجلس الانتقالي. ورغم نفي أبو ظبي، طالبت القيادة اليمنية المعترف بها دولياً بسحب جميع القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، مما أدى إلى إلغاء اتفاقيات عسكرية مشتركة، ثم إعلان الإمارات في كانون الثاني/يناير 2026 سحب قواتها المتبقية، بما في ذلك وحدات مكافحة الإرهاب.

ورافق ذلك اندلاع مواجهات مسلحة في محافظتي حضرموت والمهرة، استعادت خلالها قوات مدعومة سعودياً مناطق كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي، مخلفةً خسائر بشرية كبيرة. ويعكس هذا التطور صراعاً أعمق على النفوذ؛ إذ تتمسك السعودية بيمن موحّد خشية تشكّل كيان انفصالي على حدودها الجنوبية، في حين تسعى الإمارات إلى ترسيخ نفوذ دائم في الجنوب والمناطق الساحلية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية المرتبطة بالملاحة الدولية.

يُمزّق هذا الخلاف التحالف الخليجي الذي قاد الحرب ضد الحوثيين منذ عام 2015، مما يمنح حركة أنصار الله متنفساً لتعزيز سيطرتها على الشمال وتهديد الملاحة في باب المندب في ظل غياب ضغط موحّد. وبالنسبة لإيران، يُقلّص هذا الانقسام قدرة خصومها على تشكيل جبهة إقليمية متماسكة ضدها، ويدفع السعودية إلى تركيز جهودها على الجنوب بدلاً من الشمال الخاضع لسيطرة الحوثيين، مع بروز تقاطع مصالح غير مباشر في رفض التفكيك الكامل لليمن.

النقطة الأساسية هي أن إيران لم تضطلع بأي دور في إحداث هذا الخلاف أو الفجوة، ولم تتدخل بشكل مباشر في هذا الصدع. ومع ذلك، تعتبر طهران هذا الخلاف فرصة استراتيجية ثمينة إذ يقلل تراجع التنسيق بين السعودية والإمارات من قدرة الرياض على إدارة الملف اليمني، ويعزز موقع إيران في اليمن وخليج عدن بشكل غير مباشر. وبعبارة أخرى، فإن الخلاف بين الحلفاء العرب يشكل هدية ثمينة استراتيجية على طبق من ذهب لإيران يمكنها الاستفادة منها دون تكلفة مباشرة، لتعزيز نفوذها في شمال اليمن ومسارات التفاوض الإقليمية.

رغم المكاسب النسبية من الخلاف الخليجي، تواجه إيران جملة من التحديات، من بينها الضغوط الداخلية والاحتجاجات التي قد تحدّ من قدرتها على توسيع الدعم المادي للحوثيين، إضافة إلى الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتزايدة، وخطر تدويل الساحة اليمنية وتحولها إلى مسرح صراع بحري واسع

وتُقرأ هذه التطورات في طهران بوصفها فرصة استراتيجية مركّبة؛ فمن جهة، يؤدي الخلاف إلى إضعاف التنسيق السعودي – الإماراتي داخل التحالف المناهض للحوثيين، ومن جهة أخرى، يحول دون تثبيت كيان جنوبي منفصل قد يرتبط مستقبلاً بمحور إماراتي – إسرائيلي، بما يشكّل تهديداً مباشراً لخطوط الردع الإيرانية في باب المندب والبحر الأحمر.

وترى إيران أن بقاء السعودية في مأزق استراتيجي بين الاستمرار في مواجهة الحوثيين ورفض تفكيك اليمن يدفعها، ولو بشكل غير مباشر، إلى تقاطع موضوعي مع الموقف الإيراني الرافض للانفصال، على الرغم من استمرار التباينات العميقة بين الطرفين في ملفات أخرى.

وتعمل طهران على استثمار هذا الخلاف ضمن مقاربة غير مباشرة تقوم على مسارات عدّة؛ أولها منع الانفصال الجنوبي، حيث تتعامل إيران مع هذا المشروع بمنطق الإفشال الخشن، عبر دعم أنصار الله لإبقاء حالة السيولة الأمنية والعسكرية في اليمن، بما يحول دون استقرار أي كيان انفصالي من دون تدخل إيراني مباشر، ويُبقي اليمن موحّداً شكلياً وغير قابل للتفكيك الكامل.

أما المسار الثاني، فيتمثّل في تقاطع المصالح مع السعودية. فعلى الرغم من دعمها للحوثيين، تدرك إيران أن مصلحتها تتقاطع موضوعياً مع رفض الرياض تقسيم اليمن. ومن هنا، تشجّع طهران، بصورة غير معلنة، استمرار التوتر السعودي–الإماراتي بما يدفع السعودية نحو خيارات تفاوضية أوسع، قد تشمل حواراً إقليمياً مع إيران، مع الحفاظ في الوقت ذاته على نفوذها في شمال اليمن.

ورغم هذه المكاسب النسبية، تواجه إيران جملة من التحديات، من بينها الضغوط الداخلية، ولا سيما احتجاجات عام 2025، التي قد تحدّ من قدرتها على توسيع الدعم المادي للحوثيين، إضافة إلى الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتزايدة، وخطر تدويل الساحة اليمنية وتحولها إلى مسرح صراع بحري واسع.

في المقابل، تحافظ طهران على خطاب دبلوماسي محسوب يهدف إلى إبقاء اليمن ورقة تفاوضية فاعلة في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية. ويعكس الموقف الإيراني من الخلاف السعودي–الإماراتي تحوّلاً في استراتيجيتها من التركيز على الدعم العسكري المباشر إلى اعتماد دبلوماسية «الحفاظ على الوحدة» بوصفها غطاءً لتعزيز نفوذها غير المعلن. وبهذا، تستفيد إيران من انقسامات خصومها لإعادة تموضعها في معادلة البحر الأحمر، من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ما يجعل اليمن إحدى أهم أوراقها الجيوسياسية في المرحلة الراهنة.

أسباب دعم إيران للسعودية ضد الإمارات

إيران لا تدعم السعودية بشكل مباشر أو صريح ضد الإمارات، لكن موقفها الرسمي الحالي الذي يؤكد على وحدة اليمن يتقاطع تكتيكياً مع الموقف السعودي، مما يخدم مصالحها الاستراتيجية في اليمن دون الحاجة إلى تحالف معلن. ينبع هذا التقاطع من حسابات جيوسياسية تجعل الخلاف السعودي–الإماراتي فرصة لطهران لتعزيز نفوذها غير المباشر.

تدرك طهران أن المصالح المشتركة بين السعودية والإمارات قد تؤدي إلى إعادة ضبط العلاقة لاحقاً، لذلك تحرص على عدم المبالغة في الاستثمار في هذا الخلاف أو البناء على فرضية تفكك كامل للتحالف الخليجي.

ويقوم هذا الموقف على اعتبارات استراتيجية متداخلة، حيث ترى طهران أن إضعاف مستوى التنسيق بين الرياض وأبو ظبي قد يدفع السعودية إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية في الملف اليمني، بما في ذلك تسريع مسار التسوية السياسية وتقليص الرهان على الحسم العسكري، ومن هذا المنطلق تحرص إيران على عدم استعداء السعودية بشكل مباشر والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة معها، بخاصة في ظل مسار التقارب الثنائي الذي انطلق خلال الأعوام الماضية.

وتنظر إيران بعين الريبة إلى الاستراتيجية الإماراتية في جنوب وشرق اليمن، ولا سيما في ما يتعلق بالسيطرة على الموانئ والجزر الحيوية، مثل عدن والمكلا وسقطرى، معتبرةً أن هذا التمدد لا يقتصر على طموحات اقتصادية أو أمنية إماراتية، بل يشكل مدخلاً لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر وبحر العرب، بما يهدد التوازنات الإقليمية وأمن خطوط الملاحة الحيوية.

وتدرك طهران أن الخلاف السعودي – الإماراتي يحمل طابعاً تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً، وأن المصالح المشتركة بين الطرفين قد تؤدي إلى إعادة ضبط العلاقة لاحقاً، لذلك تحرص على عدم المبالغة في الاستثمار في هذا الخلاف أو البناء على فرضية تفكك كامل للتحالف الخليجي.

بناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إن إيران تميل ضمنياً إلى تفهّم الموقف السعودي في مواجهة التمدد الإماراتي في اليمن، دون الإعلان عن دعم صريح للرياض، ودون التضحية في الوقت نفسه بعلاقتها الناشئة معها أو التخلي عن أدوات نفوذها داخل الساحة اليمنية، ويعكس هذا النهج مقاربة إيرانية تقوم على إدارة التوازنات واستثمار التناقضات بين الخصوم، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفرض عليها كلفة استراتيجية مرتفعة.

ويعد دعم إيران للسعودية في موقفها ضد الإمارات مسألة معقدة عند النظر إليها في السياق التقليدي للعلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث يُنظر عادةً إلى إيران والسعودية كخصوم رئيسيين، لكن في سياق الخلافات الأخيرة بين السعودية والإمارات في اليمن يمكن تفسير دعم إيران للسعودية في بعض المواقف ضد الإمارات استناداً إلى عدة أسباب استراتيجية، منها تقليص النفوذ الإماراتي في اليمن، إذ كانت الإمارات تعتبر شريكاً رئيسياً للسعودية في الحرب اليمنية، لكن الخلافات بين الطرفين، بخاصة في سياق دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي ودعواتها لاستقلال جنوب اليمن، شكلت تهديداً للسعودية، ومن خلال دعم موقف السعودية ضد الإمارات تسعى إيران إلى تقليص النفوذ الإماراتي في اليمن وفي الجنوب بشكل خاص. وترى إيران أن الوجود الإماراتي في جنوب اليمن يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية، حيث تسعى الإمارات إلى تقوية الجنوب اليمني وإبعاده عن سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، كما أن الإمارات لها علاقات وثيقة مع قوى محلية أخرى في اليمن قد تكون في منافسة مع الحوثيين أو غير متوافقة مع مصالح إيران.

ومن جهة أخرى، يأتي الحفاظ على التقارب السعودي–الإيراني كعامل مهم، حيث تفرض تفاهمات طهران–الرياض منذ 2023 سقفاً على التصعيد المتبادل؛ فدعم إيران للحوثيين يُدار بعناية لئلا يدفع الرياض نحو تحالف كامل مع الإمارات والغرب ضد طهران، بل يُبقي السعودية في مأزق استراتيجي يجعلها تُفضّل الحوار الإقليمي الذي تشارك فيه إيران، وتعمل بيانات إيران الدبلوماسية على تشجيع الرياض على الاستمرار في مواجهة الإمارات دبلوماسياً وعسكرياً خفيفاً، مقابل تهدئة حوثية جزئية، مما يحافظ على مكاسب التقارب دون فقدان نفوذ إيران في اليمن.

كما أن السعودية تفضل يمناً موحداً ولو ضعيفاً وقابلاً للإدارة لتجنب كيان انفصالي جنوبي مدعوم إماراتياً وإسرائيلياً يسيطر على الموانئ والحقول النفطية قرب عدن وباب المندب، وهو ما يشاطر إيران رفضه موضوعياً، لأن كياناً جنوبياً مستقراً مرتبطاً بأبوظبي وتل أبيب يقطع خط الردع الحوثي في البحر الأحمر ويفتح الباب لتمركز بحري غربي/إسرائيلي دائم يُحاصر نفوذ طهران، لذا تدعم إيران وحدة اليمن كغطاء لإبقاء الجنوب في حال سيولة أمنية تمنع تثبيته.

وترى إيران أن الإمارات تعتبر الجنوب بوابة لنفوذ إسرائيلي بحري يشمل الموانئ والقواعد ومراقبة باب المندب، مما يُهدّد بنية الردع الإيرانية في المنطقة، ودعم إيران لموقف سعودي "يمن موحد" يُعرقل هذا التمدد دون تكلفة عسكرية مباشرة، وهذا التقاطع يُضعف الجبهة الأمريكية–الإسرائيلية–الإماراتية ويُعطي إيران مرونة في استخدام اليمن كورقة ضغط في مفاوضات نووية أو إقليمية أوسع، مستفيدة من تآكل التحالفات الخصمية، ومن هنا فإن دعم إيران للسعودية ليس تحالفاً، بل استثماراً تكتيكياً للخلاف لتعزيز موقعها الاستراتيجي في اليمن والبحر الأحمر مع الحفاظ على شراكة غير معلنة مع الرياض في رفض الانفصال الجنوبي.

وتعتبر إيران إسرائيل خصماً رئيسياً في استراتيجياتها الإقليمية والدولية، ويُعزى هذا القلق من الحضور الإسرائيلي في المنطقة إلى مجموعة من الأسباب السياسية والأمنية والجيوسياسية، حيث ترى طهران أن إسرائيل تمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خصوصاً في ظل العلاقات الإسرائيلية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، كما تعتبر إسرائيل عدواً طبيعياً يسعى دائماً إلى تقويض نفوذ إيران في المنطقة وتوسيع دائرة التحالفات الإقليمية ضدها. ويعزز الوجود الإسرائيلي في المنطقة، سواء عبر التعاون العسكري مع بعض الدول العربية أو من خلال إنشاء قواعد استراتيجية، من قدرتها على تهديد أو تقويض المصالح الإيرانية في الشرق الأوسط، وتخشى إيران أن تستخدم إسرائيل هذه القواعد في الخليج أو بالقرب من حدود إيران، مما يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتعتبر إيران إسرائيل التهديد الأكبر لبرنامجها النووي، حيث تمتلك إسرائيل ترسانة نووية سرية يُعتقد أنها تشكل تهديداً مباشراً لطهران وتعد عامل توازن ضد البرنامج النووي الإيراني. كما ترى إيران أن أي تعاون بين إسرائيل والدول العربية قد يؤدي إلى عزلها سياسياً وعسكرياً في المنطقة، وأن الحضور الإسرائيلي في جنوب اليمن والبحر الأحمر عبر دعم الإمارات للمجلس الانتقالي واعترافات محتملة بكيانات مثل صوماليلاند يشكل تهديداً مباشراً لخطوط الردع الاستراتيجية في باب المندب ويهدد بنية المحور الإيراني في المنطقة.

يمكن القول إن موقف إيران من التطورات الأخيرة في اليمن يتسم بـالبراغماتية الحذرة. فهي تستفيد من تصدع التحالف السعودي–الإماراتي، وتعمل على تعزيز موقع الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم إفشال مسار التهدئة مع السعودية، أو دفع المنطقة نحو مواجهة شاملة. اليمن، في الحسابات الإيرانية، لم يعد مجرد ساحة نزاع، بل ورقة تفاوض إقليمية بالغة الحساسية، تُدار بأدوات غير مباشرة وبسقف محسوب من المخاطر.

تم إنتاج هذا التقرير بالتعاون مع مؤسسة "روزا لوكسمبرغ".





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وراء كل تحقيق، قصة بحث طويلة، وفريق يراهن على الدقة، لا السرعة.

نحن لا نبيع محتوى... نحن نحكي الواقع بمسؤولية.

ولأنّ الجودة والاستقلال مكلفان، فإنّ الشراكة تعني البقاء.

Website by WhiteBeard
Popup Image