في نهاية كانون الثاني/ يناير عام 2022، صُدم محبو الفن السابع في مصر بخبر هدم سينما عريقة هي "سينما فاتن حمامة" مع انتشار لقطات مصوّرة للحظة تحوّلها إلى أنقاض.
في ذلك اليوم، شرَعَ مُلَّاك "سينما فاتن حمامة" الكائنة في منطقة المنيل بالعاصمة المصرية، القاهرة، في هدم المبنى بالكامل، وذلك عقب الحصول على ترخيص رسمي بالهدم من حيّ مصر القديمة، وعلّق مالك العقار الذي يضمّ السينما آنذاك بأنه سيُحوّل المبنى العريق إلى برج سكني مُكوَّن من طبقة أرضية ومخزن، و11 طبقةً علوية، مؤكداً عزمه بناء دور عرض أخرى تحت الاسم عينه، فاتن حمامة.
جدل مؤقت وغضب لحظي أصاب البعض بعد خبر هدم دار السينما الشهيرة، من بينهم المخرج مجدي أحمد علي، الذي تساءَل بحزن في حينه: "هل من سبيل لإنقاذ الذكريات ولحظات البهجة التي منحتها ’ميراندا’ (اسم سينما فاتن حمامة السابق) لطفولتنا المغدورة؟". مع العلم أنه أحد أبناء الحي الذي كانت توجد فيه السينما المهدومة.
فيما يخسر "الفن السابع" في مصر بعض قلاعه عبر هدم عدد من دور السينما العريقة على فترات، يلفت عبد الرحمن إلى أنه "منذ سنوات طويلة، لم يعد هناك فيلم منتظر يتشوّق المصريون لرؤيته في السينما"
في المقابل، اكتفى زوج الفنانة فاتن حمامة، الدكتور محمد عبد الوهاب، قبل وفاته، بالتعليق بكلمات يسيرة لكنها بالغة الدلالة، حين قال: "السينما جزء من الثقافة الموجودة في البلد حالياً. نحن نحتاج إلى الثقافة مثلما نحتاج إلى الاقتصاد والتعليم وغيره. وبالتالي، كل شيء يهدم من تلك الثقافة، من أجل استبدالها بمول أو كاراج، فهو خسارة للبلد".
هل يحزن المصريون حقاً لفقدان دور السينما؟
في شهر حزيران/ يونيو عام 2025، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تقريره السنوي بعنوان "مصر في أرقام"، والذي أشار فيه إلى عدد دور السينما في مصر عامي 2020 و2021، حيث لم يتجاوز العدد المرصود 53 و55 دار عرض في العامين على الترتيب، وأبرز التقرير أن العاصمة المصرية وحدها استأثرت بـ32، و30 من دور العرض السينمائي في البلاد في العامين على التوالي، فيما اقتسمت بقية المحافظات المصرية العدد المتبقي (21 دار سينما، و25 دار سينما، خلال عاميّ 2020 و2021 على الترتيب).
المفارقة أن التقرير رصد خلو خمس محافظات مصرية من دور السينما خلال عام 2021، وهي محافظات: السويس ومطروح والقليوبية وكفر الشيخ، والإسماعيلية. وربما تبدّل الحال في محافظات مصر الآن، فاختفى مزيد من دور العرض السينمائي منها وظهرت أخرى.
لكن بحسبة عدد السكان في التقريرعينه ، كان نحو الـ13 مليون نسمة، قاطنو هذه المحافظات الخمس، محرومين من مشاهدة الأفلام في السينما، أو على أقل تقدير، عليهم أن يتكبّدوا رحلة السفر إلى العاصمة أو إلى أقرب محافظة فيها دور سينما إذا أرادوا مشاهدة فيلم جديد، بما يحمله ذلك من مشقة جسدية وكُلفة مادية إضافية.
ربما يفسّر ما سبق السر وراء تراجع عدد التذاكر المبيعة في دور العرض السينمائي في مصر خلال عام 2025، حيث بلغ عددها تسعة ملايين تذكرة فقط، بواقع إيرادات لا تتجاوز مليار و400 ألف جنيه مصري (أي ما يعادل 30 مليون دولار أمريكي تقريباً)، وفقاً لما أعلنه الموزع السينمائي محمود الدفراوي.
هذه الأرقام التي تحدّث عنها الدفراوي، اعتمدها المخرج عمرو سلامة، في منشور له على حسابه الشخصي عبر فيسبوك، عبّر خلاله عن حزنه على حال السينما ومن حالة العزوف الشديدة من الجمهور تجاه أفلام هذه الأيام.
ولفت سلامة إلى أنّ بيع تسعة ملايين تذكرة على مدار عام كامل، يعني - وفقاً لطرحه - أن هناك 5% فقط من المصريين ذهبوا إلى دور العرض السينمائي وشاهدوا الأفلام التي بلغ عددها 32 فيلماً تقريباً في عام 2025.
بين القرصنة، وانحدار الجودة، وغياب القضايا الجادة، وارتفاع أسعار التذكرة… كيف فقدت دور السينما المصرية روادها؟ وما السبيل إلى استعادة "الفن السابع" جمهوره؟
من جهته، يوضح الناقد الفني ورئيس تحرير موقع "إعلام دوت كوم"، محمد عبد الرحمن، في حديثه إلى رصيف22: "لو احتسبنا أن كثيراً من رواد السينما يشاهدون أكثر من فيلم، وربما يشاهدون الفيلم الواحد أكثر من مرة، فإن عدد المصريين الذين ذهبوا إلى دور السينما خلال العام المنقضي سيكون أقل من 5%".
تعدّدت الأسباب والنتيجة واحدة
في اللحظة الحالية، لم تعد قلة دور العرض السينمائي هي السبب الوحيد في عزوف قطاع عريض من المصريين عن الذهاب إلى السينما. فوفقاً لرئيس تحرير "إعلام دوت كوم"، هناك أسباب أساسية وراء هذا التراجع الشديد، مثل ارتفاع سعر التذكرة، وبخاصة في المولات (المراكز التجارية) التي توفّر ظروف مشاهدة أفضل للجمهور من كراسي مريحة وجودة شاشات العرض من حيث الصورة والصوت والألوان، بينما دور السينما حيث التذاكر أقل سعراً تقترن كثيراً بتجارب المشاهدة السيئة أو غير المريحة، ولا يذهب إليها كثير من المصريين عادةً إلا في الأعياد، ولا يكون الغرض الأساسي من ذلك "حب السينما"، وإنما كجزء من يوم ترفيهي مع العائلة أو الأصدقاء.
وفي تعقيبه على أسباب العزوف، يركّز الناقد السينمائي محمد نبيل، مدير البرنامج العربي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، على سبب آخر وهو "القرصنة" التي عملت الدولة المصرية بشكل جاد على محاربتها بإغلاق عدد من المواقع، لكن عمليات السطو على الأفلام الجديدة لا تزال مستمرة في أكثر من تطبيق أشهرها "تلغرام".
لكن مع ذلك، لا يعتبر نبيل قرصنة الأفلام العامل الوحيد في العزوف عن الذهاب إلى السينما، ويضيف إليها ظهور بعض المنصات الجديدة التي تعرض الأفلام بشكل شرعي بعد وقت قليل من عرضها في دور السينما، بعكس ما كان يحدث في الماضي حيث كانت الأفلام الجديدة تستغرق وقتاً قبل العرض على الشاشة الصغيرة بعد انتهاء عرضها في دور السينما، وهو ما يجعل الكثيرين ينتظرون مشاهدة الفيلم في المنزل دون تكبّد عناء و/أو كلفة الذهاب إلى السينما، أو دفع مبلغ كبير في "مول" أو في المقابل المخاطرة بالتعرض لتجربة سيئة في سينما شعبية رخيصة التذكرة.
ويتفق عبد الرحمن مع هذا الطرح، مؤكداً أنّ عرض الفيلم على المنصات الجديدة بعد فترة قليلة من عرضه في دور السينما، يُعد فكراً تجارياً خالصاً اعتمده المنتجون حديثاً بغرض الربح السريع، بعكس السابق حين كان الفيلم يأخذ حقَّه في العرض على شاشة السينما.
"سيما أونطة"
قبل عقود راج لدى المصريين تعبيراً دارجاً عن الأفلام التي يرونها لا تشبههم ولا تعبر عن قضاياهم، فكانوا يصفونها بأنها "سيما أونطة"، أي عديمة الفائدة وفاقدة للقيمة الفنية. فإلى أي مدى يمكن أن يكون ضعف جودة الأفلام سبباً في العزوف عن دور السينما في الوقت الراهن؟
في الإجابة عن هذا السؤال، يتفق عبد الرحمن ونبيل على أن الأزمة الحالية باتت أعمق من ذلك، لأنه من ناحية أن غالبية الأفلام التي عُرِضت في آخر 10 سنوات أو أكثر هي أفلام ليست ذات قيمة فنية عالية، لأنها حقاً كذلك، بل ويذهب عبد الرحمن إلى أنه "منذ سنوات طويلة، لم يعد هناك فيلم منتظر يتشوّق المصريون لرؤيته في السينما".
وأسباب ذلك كثيرة ومتعدّدة، يلخّصها رئيس تحرير "إعلام دوت كوم" في عودة بعض الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد أفلام بعينها، والتي عادةً ما ترافقها دعوات إلى مقاطعة هذه الأعمال الفنية، كما حدث أخيراً مع فيلم "الست" لمنى زكي، وفيلم "الملحد" لأحمد حاتم ومحمود حميدة. ويستدرك عبد الرحمن بأنه لا ينفي أن الواقع السينمائي سيئ حيث أنه حتى الأفلام التي تنجو من دعوات المقاطعة وتحمل كل عناصر النجاح لا تجد إقبالاً سينمائياً، مثل "المشروع X" الذي أُنفق على إنتاجه بسخاء، فضلاً عن وجود نجم كبير بحجم كريم عبد العزيز، في صدارة أبطاله، لكنه في النهاية لم يحقق النجاح المرجو.
يأسف نبيل أن "غالبية الأفلام الحالية لم تعد موجهة للمواطن المصري، حيث يعمل صنّاعها على مغازلة المشاهد الخليجي الذي يطلب فنانين بعينهم، مثل أسماء جلال، وبيومي فؤاد. فنرى في النهاية أفلاماً إما كوميدية خفيفة أو تجارية بحتة لا تخاطب فكر المشاهد ووجدانه"
ويحلّل الناقد السينمائي محمد نبيل هذه الظاهرة بقوله إن كل هذه الأفلام وإن بدت في ظاهرها مكتملة من حيث عناصر الجذب، إلا أنه ينقصها أهم ما يحتاج إليه المشاهد حالياً، وهو وجود قضايا تشبه واقعه المعيشي، مشيراً إلى أن "أغلب الأفلام الحالية تجارية، بعيدة من هموم المواطن، ولا تعيش في الذاكرة، بل وأكثرها يغلب عليه الطابع الكوميدي".
ويستطرد نبيل: "إضافة إلى ما سبق، غالبية الأفلام الحالية لم تعد موجهة للمواطن المصري، حيث يعمل صنّاعها على مغازلة المشاهد الخليجي الذي يطلب فنانين بعينهم، مثل أسماء جلال، وبيومي فؤاد. فنرى في النهاية أفلاماً إما كوميدية خفيفة أو تجارية بحتة لا تخاطب فكر المشاهد ووجدانه".
وهذه الأسباب يراها مدير البرنامج العربي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي سبباً في "قتل الحماس لدى المشاهد المصري الذي لم يجد حلاً أفضل من العزوف عن الذهاب إلى السينما".
لذا، يقترح نبيل أن تبدأ الجهات المعنية بالسينما في مصر في دعم الأفلام الجيدة، كأن يُخصص صندوق لدعم صناعة السينما، تأتي مُدخلاته من نسبة بسيطة توضع على سعر التذكرة، كما تفعل دول أخرى، مثل فرنسا أوروبياً والسعودية عربياً وغيرهما.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هناك إرادة حقيقية لإعادة المشاهد المصري إلى دور السينما؟ هذا ما سيكشفه المستقبل القريب حيث أن المشكلة واضحة، وأسبابها لم تعد خفيّة على المسؤولين عن هذا القطاع المؤثّر في المشهد الفني والثقافي في مصر.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
