يحتل القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (ت 182هـ) موقعاً إشكالياً في التاريخ الإسلامي؛ فهو من جهة أحد أعمدة الفقه الحنفي، والتلميذ الأقرب للإمام أبي حنيفة النعمان، ومن جهة أخرى أول فقيه يتحول إلى ركيزة مؤسسية في الدولة العباسية، عبر توليه منصب "قاضي القضاة". هذا الموقع المزدوج جعله حاضراً بقوة في كتب الفقه، كما جعله حاضراً – وربما أكثر – في كتب الأخبار والنوادر، حيث تحوّل إلى "حكيم البلاط" الملازم للخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد.
غير أن هذا الحضور الحكائي لم يكن بريئاً ولا محايداً. فالحكايات المنسوبة إلى أبي يوسف لم تُكتب فقط لتسجيل ذكائه أو فطنته، بل لأداء وظيفة أعمق: إعادة إنتاج صورة مثالية للعلاقة بين السلطة والفقه، تُطمئن الجماعة، وتُخفف من توتر العنف السياسي، وتُقنع الناس بأن العدل ممكن من داخل السلطة لا بمساءلتها. من هنا، لا يهدف هذا المقال إلى الطعن في أبي يوسف كشخص، بل إلى تفكيك النموذج الذي مثّله، تاريخياً ورمزياً، وكيف أسهم – بعلمه وبصورته الحكائية – في تدشين فقه الدولة.
من تلميذ أبي حنيفة إلى فقيه العباسيين
كان أبو يوسف أبرز تلاميذ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وأكثرهم ملازمة له. ومع ذلك، فإن مساره التاريخي يمثّل قطيعة واضحة مع موقف أستاذه من السلطة. أبو حنيفة رفض القضاء، واعتبر القرب من السلطان تهديداً لاستقلال الفقيه، حتى انتهى به الأمر إلى السجن والوفاة في عهد الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، كما تذكر مصادر عديدة مثل "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي.
كانت نقطة التحوّل الكبرى حين أصبح القضاء، لأول مرة، جهازاً مركزياً خاضعاً مباشرة للخليفة، فجعل هارون الرشيد لأبي يوسف النظر في القضاة، واختيارهم، وعزلهم. بهذا التحول، لم يعد الفقه مجالاً تعددياً مفتوحاً، بل جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة
في المقابل، رأى أبو يوسف أن الفقه لا يمكن أن يبقى خارج الدولة، خصوصاً في ظل مشروع عباسي يسعى إلى بناء جهاز إداري وقانوني مركزي. فالدولة – في نظره – ليست نقيض الشريعة، بل الإطار القادر على وضعها موضع التطبيق. هذا التصور هو ما جعله يقبل الدخول في مؤسسات الحكم، ثم الصعود داخلها شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى سُدّة الجهاز القضائي.
يُعدّ كتاب "الخراج" أوضح تعبير عن هذا التحول. فالكتاب، الذي ألّفه أبو يوسف بطلب من هارون الرشيد، ليس مجرد مصنف فقهي، بل وثيقة سياسية تهدف إلى تنظيم أمور الجباية وضبط العلاقة بين الدولة والرعية. يقول أبو يوسف في كتابه مشيراً إلى ذلك المعنى: "ينبغي للإمام أن ينظر في أمر الرعية بما يصلحهم". من خلال هذا الخطاب، نُقل الفقه على يد أبي يوسف من موقع المعيار الأخلاقي إلى موقع الأداة التنظيمية، فالعدل هنا يُقدَّم بوصفه شرطاً لاستقرار الحكم، لا حقاً سياسياً للرعية.
حين أصبح الفقه جهازاً إدارياً شكّل تولي أبي يوسف منصب "قاضي القضاة" نقطة تحوّل كبرى. فقد أصبح القضاء، لأول مرة، جهازاً مركزياً خاضعاً مباشرة للخليفة. يذكر المؤرخ ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أن هارون الرشيد "جعل لأبي يوسف النظر في القضاة، واختيارهم، وعزلهم". بهذا التحول، لم يعد الفقه مجالاً تعددياً مفتوحاً، بل جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة. القاضي لم يعد ممثلاً لاجتهاده المحلي، بل موظفاً ضمن منظومة كاملة، تُراقَب أحكامه، ويُقاس ولاؤه السياسي بقدر انسجامه مع الخط العام.
صحيح أن أبا يوسف حذّر من الظلم، وكتب عن خطورته على العمران والدولة، لكنه لم يُنتج فقهاً يضع حدوداً مؤسسية للسلطة. كان نقده إدارياً لا سياسياً، أخلاقياً لا بنيوياً. وهو النموذج الذي سيصبح لاحقاً سائداً في فقه المجتمعات الإسلامية شرقاً وغرباً.
قال الراوي...
ظهرت مكانة أبو يوسف بشكل واضح في الدولة العباسية بعدما مُنح حق تعيين القضاة ومعاونيهم في شتى الولايات والأقاليم. هذا الأمر فتح المجال لعقد حالة من حالات التوافق والتحالف بين الفقه الحنفي من جهة، والسلطة العباسية من جهة أخرى. بعد قرون عبّر الفقيه الظاهري ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) عن تلك الحالة عندما قال: "مذهبان فُرضا بحد السيف، مذهب أبي حنيفة في المشرق، ومذهب مالك في المغرب".
يتدخل أبو يوسف، لا بوصفه قاضياً يملك سلطة محاسبة الخليفة، بل بوصفه ناصحاً قريباً منه. فلا يناقش مبدأ السلطة، بل يعيد توصيف الواقعة: ما حدث ليس جريمة، بل هفوة لا تستوجب هذا القدر من العقاب.
حين يصبح الفقه لغة السلطة الناعمة لم يقتصر حضور أبي يوسف في الذاكرة الإسلامية على كتبه الفقهية أو موقعه الرسمي بوصفه قاضي القضاة، بل تشكّل له حضور موازٍ في أدب الحكاية والنوادر، حيث تحوّل إلى شخصية شبه أسطورية، تمثل "العقل الهادئ" داخل بلاط مضطرب، و"الفقيه الحكيم" القادر على احتواء نزوات الحكم. هذا الحضور لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل كان جزءاً من بناء صورة مثالية لعلاقة الدين بالسلطة، تُطمئن المجتمع وتُخفف من توتر الاستبداد من دون أن تمس جوهره ومضمونه.
من أبرز هذه الحكايات تلك التي تربط أبا يوسف مباشرة بهارون الرشيد، وتقدّمه بوصفه رجل الحلول، لا رجل المواجهة. وهي حكايات تتكرر في كتب الأدب والتاريخ مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وكتب أخبار القضاة والوزراء، وتدور كلها حول أزمات سلطوية يجري احتواؤها عبر مخرج فقهي ذكي.
تبدأ إحدى أشهر هذه الحكايات بما يبدو حدثاً عابراً: غضب الخليفة على حلاقه. في بعض الروايات، أخطأ الحلاق أثناء الحلاقة، وفي أخرى بدر منه تصرف فُسّر على أنه قلة احترام. لكن الحدث الصغير سرعان ما يتحول إلى أزمة، حين يأمر الخليفة بعقوبة قاسية، تكشف عن طبيعة السلطة المطلقة التي تملك أن تحوّل هفوة يومية إلى مصير إنساني معلق بإرادة الحاكم. هنا لا يكون الإشكال في الخطأ نفسه، بل في التفاوت الصارخ بين الفعل والعقوبة، وفي هشاشة وضع الفرد أمام غضب السلطان.
في هذا السياق يتدخل أبو يوسف، لا بوصفه قاضياً يملك سلطة محاسبة الخليفة، بل بوصفه ناصحاً قريباً منه. لا يعترض على حق الخليفة في العقاب، ولا يناقش مبدأ السلطة، بل يعيد توصيف الواقعة: ما حدث ليس جريمة، بل هفوة، والهفوة لا تستوجب هذا القدر من العقاب. وفي بعض الصيغ، يستدعي أبو يوسف نصاً دينياً أو قاعدة عامة تحضّ على الرفق وضبط النفس. النتيجة أن الخليفة يتراجع، لا لأنه مُلزم، بل لأنه اقتنع أو أراد أن يظهر بمظهر الحاكم العادل. الدلالة هنا شديدة الوضوح: العدل لا يتحقق عبر مؤسسات أو قواعد ملزمة، بل عبر أخلاق الحاكم وحكمة مستشاريه. الحكاية لا تُدين منطق الغضب السلطاني، بل تبرّره ضمنياً، وتحوّل المشكلة من بنية الحكم إلى سلوك فردي قابل للإصلاح بالنصح. وهكذا تُنتج سردية تُؤنسن الاستبداد بدل أن تكشفه.
أما الحكاية الثانية، فتدور حول نزاع بين هارون الرشيد ووزيره المقرب جعفر البرمكي على جارية حسناء. ورغم الطابع الشخصي الظاهر، فإن الروايات توحي بأن الخلاف كان مرشحاً للتحول إلى أزمة سياسية حقيقية، نظراً لمكانة جعفر ونفوذ البرامكة داخل الدولة العباسية في تلك الفترة. الجارية هنا ليست موضوع الحكاية الحقيقي، بل رمز لتوازن القوى داخل البلاط، ولحساسية العلاقة بين الخليفة وأقرب رجاله.
فحين يحتدم الخلاف، يُستدعى أبو يوسف مرة أخرى. لا ليطرح سؤالاً أخلاقياً حول نظام الجواري أو طبيعة الامتلاك أو مدى شرعية نظام العبودية المعمول به في ذلك العصر، بل ليجد مخرجاً فقهياً يحفظ ماء وجه الجميع. يعيد النظر في مسألة الملكية، أو يقترح صيغة شرعية لنقل الجارية أو التعويض عنها، بحيث لا يُهزم جعفر ولا يُحرج الخليفة. الحل لا ينتصر للحق بقدر ما ينتصر للاستقرار، ولا ينحاز للعدالة بقدر ما يحافظ على تماسك النخبة الحاكمة. تكشف هذه الحكاية عن وظيفة أخرى لفقه الدولة: إدارة صراعات السلطة من الداخل. الفقه هنا لغة تقنية لتدوير الزوايا، لا خطاباً أخلاقياً يضع النظام موضع السؤال. الجارية، بوصفها الحلقة الأضعف، تغيب تماماً عن السرد، وكأن وجودها محض تفصيل لا يستحق التفكير. المهم هو أن تخرج السلطة من أزمتها بأقل الخسائر.
الفقه الذي صان الدولة
وتبلغ هذه الوظيفة السردية ذروتها في الحكاية الثالثة، المتعلقة بطلاق هارون الرشيد من زبيدة. فالحدث، وفق الروايات المتداولة في كتب الأخبار، لم يكن مجرد انفصال زوجي اعتيادي، بل أزمة تمس صورة البيت العباسي ذاته. زبيدة ليست امرأة عادية، فهي ابنة أبي جعفر المنصور، المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، الأمر الذي يرسمها كرمز من رموز السلطة، بما يعني أن أي مساس بها ينعكس مباشرة على هيبة الحكم. كما أن طلاقها يخلق حرجاً سياسياً وأخلاقياً، ويهدد بتوتر العلاقات داخل مؤسسة الخلافة.
لا تكمن خطورة أبي يوسف في شخصه، بل في النموذج الذي مثّله ودشّنه في الوجدان الإسلامي الجمعي. نموذج الفقيه الذي يدخل الدولة بدعوى الإصلاح، فيتحول – من حيث لا يشعر – إلى جزء من آلياتها. هذا النموذج لم ينتهِ، بل نراه اليوم في فقه الاستقرار، وفتاوى الطاعة، وخطاب "درء الفتنة"، حيث يُعاد إنتاج العلاقة نفسها بين الدين والسلطة
في هذا المأزق، يتدخل أبو يوسف مجدداً، ليقدّم تأويلاً فقهياً يخفف من وطأة الحدث. قد يكون ذلك عبر التشكيك في اكتمال شروط الطلاق، أو عبر تأويل يُفرغ الواقعة من مضمونها السياسي، دون أن يُدين جعفر أو يُظهر الخليفة بمظهر العاجز. المهم أن الأزمة تُحتوى، والصورة العامة للدولة تُنقذ. في هذه الحكاية، لا يعود الفقه مجرد أداة تهذيب أو إدارة نزاع، بل يتحول إلى آلية لحماية الرمزية السياسية للنظام. الشريعة تُستخدم هنا بوصفها غطاءً تأويلياً يسمح للسلطة بتجاوز أزماتها دون مساءلة، ودون اعتراف بالخطأ.
ما يجمع بين هذه الحكايات الثلاث هو بنية سردية واحدة: السلطة تُخطئ أو تُفرط، الأزمة تهدد الاستقرار، الفقيه يتدخل بحل ذكي، ويخرج النظام سالماً. لا يوجد صدام، ولا محاسبة، ولا إعادة نظر في منطق الحكم. الإصلاح دائماً من داخل السلطة، وبأدواتها، وبما يحفظ هيبتها. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة حكايات أبي يوسف بوصفها مجرد نوادر طريفة أو إشادة بذكاء فقيه، بل باعتبارها جزءاً من خطاب سياسي غير مباشر، يُعيد إنتاج فكرة أن العدل رهين بقرب العلماء من الحكام، لا بقدرتهم على الوقوف في مواجهتهم. وهو خطاب لا يزال حياً، يتكرر بأشكال جديدة في لحظتنا العربية الراهنة، كلما طُلب من الدين أن يكون وسيطاً يلطّف السلطة، لا قوة تُقيّدها.
لا تكمن خطورة أبي يوسف في شخصه، بل في النموذج الذي مثّله ودشّنه في الوجدان الإسلامي الجمعي. نموذج الفقيه الذي يدخل الدولة بدعوى الإصلاح، فيتحول – من حيث لا يشعر – إلى جزء من آلياتها. هذا النموذج لم ينتهِ، بل نراه اليوم في فقه الاستقرار، وفتاوى الطاعة، وخطاب "درء الفتنة"، حيث يُعاد إنتاج العلاقة نفسها بين الدين والسلطة. في لحظتنا العربية الراهنة، يبدو أبو يوسف أقرب إلينا مما نتصور. فالفقيه الرسمي اليوم، كما في الأمس، يملك دائماً "مخرجاً"، لكنه نادراً ما يملك موقفاً. وربما يكون السؤال الذي تتهرب منه هذه السرديات القديمة والجديدة هو نفسه: هل وظيفة الفقه أن يُهذّب السلطة… أم أن يُحاسبها؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
