اللاسوريّون الجدد

اللاسوريّون الجدد

رأي نحن والحرية

الأربعاء 14 يناير 20267 دقائق للقراءة

منذ أكثر من عقد، يعاني السوريون واحدة من أعقد وأصعب التجارب السياسية والاجتماعية في تاريخهم الحديث. البلد الذي كان يُفترض أن يكون مساحة للعيش المشترك، تحوّل إلى ساحة حرب وصراع دموي، طائفي وعرقي، ثم إلى حلبة مفتوحة وأرض مستباحة لتدخّل القوى الإقليمية والدولية. اليوم، لا يقين لدى أيّ سوري بما سيكون عليه مستقبل بلده بعد التمزّق السياسي والتدهور الاقتصادي. سقط حكم الأسد، لكن لم يسقط الخوف ولا الشك. في قلب هذا الخراب، ربّما يكون لتعبير/مفهوم سياسي جديد أهمية ما، دور ولو هامشي، في تعريف الهوية الوطنية السورية، بعيداً من الأطر التقليدية: اللاسوريّون الجدد.

أطفال منتصف الليل

اللاسوريّون الجدد هم أطفال منتصف الليل السوري، إذا ما استعرنا عنوان رواية سلمان رشدي الشهيرة، أطفال الانقسام وحيرة الانتماء وتمزّق الهويات وتبادل الضغينة. اللاسوريّون هم أبناء وبنات الخيبة والمرارة. إنهم لا يستطيعون التصالح مع سوريا القديمة، ولا يعرّفون أنفسهم بها بعدما أنكرتهم وسحقتهم وجعلتهم جلد الأرض وطعام البحار، ولا يجدون أنفسهم في سوريا الحالية، سوريا التكفير والثأر الهمجيّين، ولا حتى في الصيغ الانتقالية التي تُطرح كبدائل هشّة لا تعالج جوهر المأساة.

حين يصبح الماضي عبئاً خانقاً والحاضر جحيماً لا يُطاق، يولد في الوعي، ولو على نحو خيالي، نزوعٌ نحو قطيعة جذرية. يمكن أن نلمس إرهاصات هذا النزوع في ما يمكن أن نسمّيه "اللاسوريّون الجدد": هوية ناشئة تتشكّل من رفض مزدوج، للماضي الذي صاغه الاستبداد، وللحاضر الذي تصنعه قوى الشرعية المزيّفة

اللاسوريّون الجدد هم الذين ولدتهم الثورة والحرب والمنافي معاً: جيل لا يطيق الاستبداد، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن الانتماء إلى سلطة حالية لم تنجح في تمثيله ولا في صون حقوقه. هم أكثر الفئات تمسّكاً بالحرية والعدالة، لكنهم الأقل ارتباطاً بهويات سورية تقليدية تشكّلت قبل الخراب الكبير وبعده. بهذا المعنى، يشكّل اللاسوريّون الجدد حالة قائمة على النفي والقطيعة: هوية على الهامش، أو ربّما هوية في طور التشكل. إنهم السوريون الذين صاروا خارج سوريا، لا بالضرورة جغرافياً، بل نفسياً وفكرياً، لأجل وطن جديد يمكن أن ينتموا إليه بصدق، دون أن يُضطروا للتصالح مع ماضٍ مدمّر ولا حاضر سقيم مشوّه.

نحو ولادة سوريا خارج التاريخ الميت

في لحظات الانهيار الشامل، حين يصبح الماضي عبئاً خانقاً والحاضر جحيماً لا يُطاق، يولد في الوعي، ولو على نحو خيالي، نزوعٌ نحو قطيعة جذرية. في التجربة السورية الراهنة، يمكن أن نلمس إرهاصات هذا النزوع في ما يمكن أن نسمّيه اللاسوريّون الجدد: هوية ناشئة تتشكّل من رفض مزدوج، رفض للماضي الذي صاغه الاستبداد، ورفض للحاضر الذي تصنعه قوى الشرعية المزيّفة أو الدينية أو الطائفية. هؤلاء اللاسوريّون الجدد لا يعترفون بسوريا التي ورثوها ولا بسوريا التي فُرضت عليهم، بل يسعون إلى سوريا أخرى، سوريا بلا ذاكرة مثقلة ولا حاضر مسموم.

الـلا هنا ليست نفياً بالمعنى العدمي، بل هي نقطة بداية: رفضٌ خلّاق يولّد إمكاناً جديداً. إنها تشبه اللانيتشوية (من نيتشه)، المطرقة الفكرية التي تحطّم الأصنام. فحين نقول لاسوريّون، لا نعني أنهم بلا وطن، بل نعني أنهم بلا انتماء إلى الكيانات الميتة التي ادّعت تمثيلهم وفرضت نفسها عليهم قسراً. إنهم يسكنون الفراغ بين أنقاض الدولة القديمة وأنقاض الثورة المجهضة، ويبحثون عن أفق جديد.

اللاسوريّون الجدد لا يريدون استعادة سوريا الذهبية المزعومة... إنهم يريدون أن ينظروا إلى الوراء بلا حنين وبلا كراهية، فقط بوعي نقدي يسمح لهم بالتحرّر من عبودية الماضي.

الماضي السوري، منذ الاستقلال عن الانتداب الفرنسي الذي استمر ما بين عامي (1920–1946) وحتى الآن (2025)، يبدو سلسلة متواصلة من الانكسارات: حكومة مدنية ضعيفة وتقليدية مكوّنة من نخب مدنية وأعيان الريف، اختلال التوازن في التنمية، انقلابات عسكرية متتالية (1949–1958)، الوحدة الانتحارية مع مصر عبد الناصر وبداية سيطرة الأمن السرّي (1958–1961)، هيمنة الحزب الواحد وبداية مشاريع التأميم الكارثية (1963)، عسكرة الدولة (1970)، تطبيق مشروع الحزام العربي في المناطق الكردية والاستيلاء على الأراضي الزراعية (1974)، تحويل السياسة إلى فرع أمني تافه ومرعب بعد مجازر حماة وحلب (1982). كل ذلك، وما تلاه، صنع ذاكرة جماعية مثقلة بالخوف واليأس المطلقين. النظام السابق لم يترك مجالاً لبناء عقد اجتماعي، بل أقام عقداً من الرعب والتشوّه. من هنا، فإن اللاسوريّين الجدد يرون في القطيعة مع هذا الماضي شرطاً للتحرّر من شبح البعث الأسدي ومسوخ الحاضر.

لكن القطيعة ليست نسياناً. على العكس، هي فعل نقد جذري للذاكرة. لا يمكن أن تُبنى سوريا جديدة على إنكار مجازرها وسجونها ومآسيها، بل على مواجهة تلك الذاكرة وإفراغها من قوّتها العدمية. اللاسوريّون الجدد لا يريدون استعادة سوريا الذهبية المزعومة، لأن مثل هذه اليوتوبيا التاريخية لا وجود لها أصلاً. إنهم يريدون أن ينظروا إلى الوراء بلا حنين وبلا كراهية، فقط بوعي نقدي يسمح لهم بالتحرّر من عبودية الماضي.

الخيال كمجال للسياسة

ما الذي، إذاً، يميّز اللاسوريّين الجدد؟ إنهم يستندون إلى الخيال كأداة سياسية. في عالم دُمّرت فيه البنى، لا يمكن إعادة البناء بالاعتماد على الأدوات نفسها. لا الجيش يمكن أن ينقذ، ولا الأحزاب التقليدية، ولا الطوائف، ولا المرجعيات الخارجية. وحده الخيال، بمعناه السياسي والفلسفي، قادر على ابتكار نموذج مغاير.

هذا الخيال لا يعني أحلاماً وردية منفصلة عن الواقع، بل يعني القدرة على تصوّر ما ليس موجوداً بعد. الفيلسوف إرنست بلوخ تحدّث عن مبدأ الأمل بوصفه طاقة كامنة في الوعي البشري تدفع نحو عالم أفضل. اللاسوريّون الجدد هم تجسيد لهذا المبدأ: إنهم يخلقون سوريا التي لم توجد بعد، عبر قطيعتهم مع سوريا التي وُجدت وسوريا ما بعد الأسد.

هؤلاء اللاسوريّون يشبهون، إلى حدّ بعيد، المولودين خارج الزمن، أولئك الذين يخرجون من رحم المأساة حاملين مشروعاً لا يتطابق مع أيّ صورة مألوفة. وإذا كانوا اليوم مجرّد فكرة، فإن المستقبل قد يحوّلهم إلى قوّة

من خصال اللاسوريّين الجدد أنهم لا يسعون إلى يقين نهائي. إنهم بلا خصال (رجل بلا خصال/صفات، رواية روبرت موزيل). سوريا الجديدة التي يتطلّعون إليها ليست مشروعاً قومياً منغلقاً، ولا مشروعاً دينياً أحادياً. إنها مبدأ/بذرة قابلة للالتقاط والاستنبات، هوية قيد التشكل. هذا الانفتاح يعني أن اللاسوريّين الجدد يرفضون اختزال الهوية السورية في عرق أو دين أو لغة واحدة. الهوية بالنسبة إليهم متعدّدة، متشابكة، وقابلة لإعادة التشكيل.

إذا كان الماضي السوري هو سياسة الاستبداد، والحاضر هو سياسة المناورة وعدم تسمية الحقائق بأسمائها الفعلية، فإن السياسة عند اللاسوريّين الجدد تعني التحرير. السياسة ليست فن السيطرة على المجتمع، بل فن تحرير الإنسان من كل أشكال السيطرة.

قد يقول قائل إن فكرة اللاسوريّين الجدد مثالية أو حالمة أكثر مما ينبغي. وربّما هي كذلك. لكن قوّتها تأتي من هذه الهشاشة نفسها. ففي عالم يُعاد إنتاج الاستبداد فيه باستمرار، تصبح الهشاشة مقاومة. أن تكون بلا يقين يعني أن تكون قادراً على تجاوز كل يقين زائف. اللاسوريّون الجدد يعرفون أن الطريق طويل، وأن سوريا الجديدة قد لا تأتي سريعاً. لكن مجرّد تخيّلها، مجرّد التمسّك بفكرة القطيعة، هو فعل ثوري ذاتي. ففي لحظة عماء كهذه، يصبح الحلم أكثر واقعية من الواقع نفسه.

وإذا كنّا في أرض الخيال من أجل خير الحق، فإن اللاسوريّين الجدد قد يشفون الغليل ويسحقون في طريقهم مسوخ الأمويّين الجدد، الذين تقتصر صلتهم مع العهد الأموي على شقّه الدموي والتسلّطي لا غير.

هؤلاء اللاسوريّون يشبهون، إلى حدّ بعيد، المولودين خارج الزمن، أولئك الذين يخرجون من رحم المأساة حاملين مشروعاً لا يتطابق مع أيّ صورة مألوفة. إذا كانوا اليوم مجرّد فكرة، فإن المستقبل قد يحوّلهم إلى قوّة.

سوريا التي يسعون إليها ليست سوريا الأسد ولا سوريا الشريعة، بل سوريا الإنسان الحر. ليست سوريا الطائفة ولا سوريا الحزب، بل سوريا المواطنة الكاملة. ليست سوريا الخوف ولا سوريا الحرب ولا سوريا الصراط المستقيم.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

صوت التغيير يجب أن يبقى حاضراً. 

ليستمرّ، نريد دعمكم.

Website by WhiteBeard
Popup Image