"سلام بالشوكولا"... رسالة الوداع الأخيرة من حاتم علي؟

مدونة نحن والحرية

الثلاثاء 13 يناير 20267 دقائق للقراءة

هناك توجه يكاد يطال درجة الإجماع على وصف الراحل حاتم علي بالمخرج التلفزيوني الناجح و"المتعثر" سينمائياً، رغم أن سجله في الفن السابع لا يرقى لمرحلة إصدار الأحكام عليه، فهي تجارب تعد على أصابع اليد الواحدة، وبالأساس يبدو من المعقد محاسبتها في مناخ عام لا يرى السينما من منظورها الحقيقي والاصلي ويعتبرها ترفاً لا يستحقه الصناع والجمهور بشكل عام .

رحيل صادم

تقتصر أعمال حاتم علي السينمائية على فيلم "العشاق" (انتاج عام 2005 ) وهو مقتبس عن مسلسله الاجتماعي الذائع الصيت "أحلام كبيرة"، من إنتاج شركة سوريا الدولية للإنتاج الفني، وفي نفس العام، أشرف على إخراج فيلم قصير بعنوان "شغف"، وهو انتاج رسمي للمؤسسة العامة للسينما بسوريا .

عام 2008، أبصر الفيلم الغنائي"سيلينا" النور، مأخوذاً عن نص كتبه الأخوين وأنتجه نادر الأتاسي وشاركت في بطولته الفنانة ميريام فارس، يليه في العام نفسه الفيلم الروائي"الليل الطويل"والنص للمخضرم هيثم حقي ومن إنتاج أفلام ريل، ليتوقف العداد هنا بعد أن راوحت هذه التجارب مكانها في ظل غياب قاعات العرض والظروف المواتية لعروض صحية جماهيرياً ونقدياً أسوة بباقي دول العالم التي تقدر السينما ومكانتها المرموقة.

الرسالة الأخيرة التي وجهها حاتم علي لمنتقديه قبل محبيه دون أن تصل للمتلقي العربي عموماً تتلخص في مشاركته المهمة في آخر أعماله الذي كان عبارة عن فيلم سينمائي بعنوان "سلام بالشوكولا"

فهل ينبغي محاكمة تجربة حاتم علي السينمائية ومن أي منظور وأية زاوية؟

هذه أسئلة منطقية لا بد من أخذها بعين الاعتبار قبل إصدار الأحكام الجاهزة، لكن المفارقة العجيبة التي لا بد من التوقف عندها ملياً ونحن نرصد مسار هذا الرجل، تكمن في نهايته الصادمة لكل عشاقه في الوطن العربي حين باغتنا خبر رحيله الموجع صباح يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2020 .

آنذاك انبرى الجميع لاسترجاع مشاهد روائعه التلفزيونية المتنوعة بين الدراما التاريخية من "الزير سالم" الى "صلاح الدين الأيوبي" والثلاثية الأندلسية وعمر إلى المسلسلات الاجتماعية على غرار "أحلام كبيرة" و"عصي الدمع" و"الغفران" و"قلم حمرة" وحتى المسلسلات الكوميدية مثل "الفصول الأربعة" بجزأيه و"عائلتي وأنا" وحتى سلسلة "مرايا" الشهيرة وغيرها الكثير، لكن الرسالة الأخيرة التي وجهها حاتم علي لمنتقديه قبل محبيه دون أن تصل للمتلقي العربي عموماً تتلخص في مشاركته المهمة في آخر أعماله الذي كان عبارة عن فيلم سينمائي بعنوان "سلام بالشوكولا".

فقد ودع علي الجميع عبر بوابة السينما دون أن يسعفه القدر في رؤية الفيلم وهو يعرض على الشاشات ويجوب المهرجانات كما ظل دائماً يتمنى، حيث كان العرض الأول بتاريخ 18 حزيران/ يونيو عام 2021، ضمن مهرجان "تريبيكا" السينمائي في نيويورك ليكون بطله الغائب الحاضر وظل طيفه متنقلاً في أرجاء القاعات وفي قلوب محبيه.

قصة نجاح

فيلم "سلام بالشوكولا" يحمل في طياته موضوعاً لطالما استبد بتفكير ومخيلة حاتم علي قبل رحيله ويهم مأساة اللاجئين السوريين في بلاد المهجر، لكنه ينقل هذه المرة قصة نجاح منقطع النظير أسرت قلوب الكنديين وجعلت رئيس وزرائهم حينها جاستن ترودو يذكرها في صميم خطابه أمام اجتماع الأمم المتحدة عام 2017 وينوه بها لتصبح من العلامات الفارقة في التعاطي الدولي مع قضية اللاجئين عموماً وتحدث تغييراً جذرياً في زوايا النظر إليها .

انها قصة عائلة عصام هدهد الحقيقية التي غادرت سوريا بعد أن طالت نيران الحرب مصنعها الخاص بالشوكولاتة في دمشق، فيضطر عصام قبول توسلات زوجته وابنه بالمغادرة نحو لبنان وبعدها لكندا حيث التحق بابنه طارق الذي سبقهم ليواجه صعوبات الغربة، تبدأ أولى صراعاته مع البرد الفظيع في مدينة أنتيغونيش الواقعة في شمال شرق مقاطعة نوفا سكوشا في الشرق الكندي، في انتظار وصول والديه الذين لا يتقنان اللغة الإنجليزية والمصران على عدم التفريط في إرثهما الاجتماعي والثقافي والديني في وسط ومحيط مغايران كلياً لما اعتادا عليه؛ لتبدأ سلسلة من المفارقات التي لا تخلو من كوميديا الموقف على غرار مشاهد الأب مع الجيران وصعوبات التواصل والتعرف على الشوكولاتة الكندية وإصراره على تنفيذ خلطته الخاصة التي اعتاد صنعها بمهارة في بلده الأم .

يجسد حاتم علي دور رب الأسرة عصام وتقوم الفنانة يارا صبري بدور زوجته شهناز و نجلاء الخمري في شخصية الإبنة الاء وأيهم أبو عمار في دور الابن طارق، مع مشاركة مجموعة من الممثلين الكنديين على غرار مارك كاماتشو وآرثر هولدن وكاري لورانس وتولى إخراج وكتابة الفيلم جوناثان كايسر.

لا يمكن تصنيف الفيلم على أنه وثائقي بحت كما لا يندرج ضمن خانة العمل الروائي الخيالي؛ لكنه يدمج بين الإثنين وينقل قصة نجاح العائلة السورية التي عادت لتبني نفسها من الصفر بعد أن فقدت كل ما تملك في الحرب المأساوية في سوريا.

يقف عصام أمام واقع جديد مرير في بلد يجهل أبسط قواعده وحتى لغة التواصل السائدة فيه، لكن نداء العشق الأول والأخير الذي يربطه بالشوكولاتة كان أقوى من التحديات والعراقيل.

ظل عصام مصراً على ارتداء بدلة الطبخ البيضاء وبمجرد أن تطأ اقدامه المطبخ كان ينسى همومه ويتحول لطفل سوري يغني ويمرح مستمتعاً بمذاق الشوكولاتة الذي لا يقاوم، وهنا كان التحدي الجديد الذي نجح حاتم علي في كسبه كممثل بعيداً عن تجاربه في المسلسلات التلفزيونية حيث اعتاد الظهور كضيف شرف أو ضمن الشخصيات الرئيسية الجدية، على غرار "رشدي "في مسلسل التغربية الفلسطينية و"نورس "في مسلسل "العراب "بجزأيه .

في هذا الفيلم بالتحديد، نجح علي في المزج بين الكوميديا السوداء أحياناً والملامح الجدية ليؤكد على قدراته التمثيلية فنال جائزة أفضل ممثل في مهرجان بكندا وآخر في اليابان عن دور عصام هدهد.

يبدو ممكناً العودة لمشاهدة الفيلم ورؤية الرسالة الأخيرة التي بعث بها حاتم علي لكل عشاقه حيث نراه في صورة مختلفة يضحك ويغني ويبكي ويفعل أشياء نراها لأول مرة كأنه كان متيقناً أنه يمثل دوره الأخير ويودع الكاميرا والممثلين

مرّ الفيلم بمنعطفات متعددة في رحلة بحث أسرة هدهد عن الذات لتنجح في نهاية المطاف في افتتاح مصنعها الخاص الجديد بالشوكولاتة في كندا أسوة بنجاحها في سوريا ما قادها لتحصل على جائزة"غود نيوز أواردز" التي تمنح لأصحاب القصص الإنسانية الملهمة .

غير أن تزامن عرض الفيلم مع ما أحدثته جائحة كورونا من أضرار متعددة يمكن اعتبارها من الأسباب الرئيسية التي قلّصت حظوظ وصوله لشرائح أكبر وبالأخص في الوطن العربي حيث يحتل حاتم علي مكانة خاصة حفرها بأعماله الخالدة في الوجدان.

ورغم ذلك يبدو ممكناً العودة لمشاهدة الفيلم ورؤية الرسالة الأخيرة التي بعث بها حاتم علي لكل عشاقه حيث نراه في صورة مختلفة يضحك ويغني ويبكي ويفعل أشياء نراها لأول مرة كأنه كان متيقناً أنه يمثل دوره الأخير ويودع الكاميرا والممثلين وكان بالإمكان أكثر مما كان، لو كان في العمر بقية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

سوريا ليست خبراً عابراً.

مسؤوليتنا أن نحكي عنها باستمرار.

بدعمكم، رصيف22 يبقى حاضراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image