مشهد الجماهير الجزائرية والمغربية جنباً إلى جنب في المدرجات خلال كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم الجارية حالياً، التي يحتضنها المغرب وتمتدّ حتى 18 كانون الثاني/ يناير 2026، وترديد هتاف "خاوة… خاوة" (أي إخوة.. إخوة) الشهير، لفتت الكثيرين وكأنما زال أثر التوتّر السياسي الذي يخيم على علاقات الجارتين المغاربيتين، والمتصاعد منذ أُغلقت حدودهما البرية في عام 1994.
المشهد الذي تكرّر في بضع فاعليات كروية إقليمية وعالمية في الآونة الأخيرة، وكان ملحوظاً في كأس العالم 2022 في قطر، يعزّز الآمال في أن تنجح كرة القدم في تجاوز الحواجز السياسية والدبلوماسية.
هل يمكن للرياضة أن تكون جسراً حقيقياً لـ"الوحدة" بين الشعوب العربية أم إنها فقط تمنح لحظات عابرة من الحماس الجماعي؟
لكن ذلك، في الوقت نفسه، يدفع للتساؤل: هل تمتلك كرة القدم قدرة سحرية على حل الأزمات السياسية أو على أقل تقدير تجاوزها؟ بكلمات أخرى: هل يمكن للرياضة أن تكون جسراً حقيقياً لـ"الوحدة" بين الشعوب العربية أم تمنح لحظات عابرة من الحماس الجماعي؟ أم إن هدف التركيز على مثل هذه المبادرات الإنسانية في سياق الأحداث الرياضية هدفه جلب التفاعل في مواقع التواصل الاجتماعي؟
كأس العرب وحلم "الوحدة"
بالعودة إلى الماضي، تتبدّى ملامح الأجوبة عن هذه الأسئلة حيث نكتشف أن إرهاصات فكرة الوحدة العربية عبر الأحداث الرياضية، تجلّت في تنظيم "كأس العرب" لكرة القدم، وذلك حتى قبل هزيمة عام 1967، أو ما يُعرف بـ"النكسة"، التي زعزعت حلم الوحدة العربية.
"كأس العرب" هي حدث رياضي كان وليد حلم سياسي، إذ بزغت فكرتها عام 1957 من طرف الصحافي اللبناني ناصيف مجدلاني والأمين العام لاتحاد كرة القدم اللبناني آنذاك، عزت الترك، في سياق المد القومي العربي وسعياً إلى توطيد "هوية عربية مشتركة"، كما تشير المصادر المتطابقة في هذا السياق.
كانت الرؤية الواضحة لهذه المسابقة تركز على استخدام الملاعب الخضراء كفضاء للالتقاء والتقارب بين الشعوب العربية، في زمن كانت فيه الوحدة العربية حلماً سياسياً يراود الملايين.
نُظمت النسخة الأولى في لبنان عام 1963، بمشاركة خمسة منتخبات فقط، وكانت النسخة الثانية في عام 1964 والثالثة في عام 1966. كانت البطولة تحمل رمزية عميقة، فهي لم تكن مجرد منافسة رياضية، بل كانت تجسيداً عملياً لفكرة "الأمة العربية الواحدة" على ملاعب كرة القدم.
لكن السياسة نفسها كانت السبب في توقّف هذا الحدث الكروي. فبعد هزيمة الجيوش العربية عام 1967، توقّفت البطولة لمدة 20 عاماً، وكأنما الهزيمة العسكرية في الحرب كانت أيضاً هزيمة لـ"حلم الوحدة"، مثلما انعكس على البطولة التي وُلدت من رحم هذا الحلم.
محاولة إعادة إحياء البطولة عام 1982، أجهز عليها الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام نفسه. قبل أن تعود عام 1985 في السعودية. بعد ذلك، كان هناك تذبذب في تنظيم البطولة خلال تسعينيات القرن العشرين وحتى الآن. كان الفرق بين نسخ البطولة يمتد لسنوات، في انعكاس لحالة التشرذم والانقسام التي تعيشها المنطقة العربية.
إلى ذلك، غيّر الاعتراف الدولي من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بالبطولة في عام 2021 المعادلة إذ أصبحت تُنظم بانتظام في قطر وتشهد أجواء تنظيمية وأخوية متميّزة، مما يشير إلى إمكانية إحياء "الوحدة" عبر الرياضة، وإن في سياق مختلف عن الماضي.
أزمة أم درمان وخطر التفرقة
لكن كرة القدم لها جوانبها السلبية أيضاً والباعثة على الفرقة أكثر منها على الوحدة. من منا ينسى الأزمة السياسية التي اشتعلت بين الجزائر ومصر عام 2009، على خلفية مباراتهما المؤهلة لكأس العالم 2010؟
إرهاصات الأزمة بدأت برشق حافلة المنتخب الجزائري في مصر مما خلّف إصابات. وبعد تعادلهما في النقاط وفارق الأهداف، تم تنظيم مباراة فاصلة في أم درمان بالسودان، كأرض محايدة. لكن الحياد الجغرافي لم يكن كافياً لاحتواء العواصف السياسية والإعلامية التي أحاطت بالحدث.
قبل المباراة وبعدها، انتشرت أخبار بتعرض مواطنين من البلدين للإصابة والاعتداء. تصاعدت الأزمة دبلوماسياً باستدعاء البلدين لسفيريهما، وخطاب الرئيس الأسبق حسني مبارك أمام مجلس الشعب الذي أكد فيه: "كرامة المصريين من كرامة مصر". وهكذا تحوّلت مباراة كرة قدم إلى قضية أمن قومي وكرامة.
كشفت هذه الأزمة كيف يمكن لحدث رياضي أن يتحوّل إلى منصة لتصريف التوتّرات السياسية المتراكمة بين بلدين. اضطلع الإعلام بدور محوري في تأجيج الموقف، إذ أقر وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط لاحقاً أن "الإعلام المصري افتعل أحداث أم درمان من خلال برامج التوك شو"، ما يؤكد أن الرياضة ليست بمعزل عن السياسة، بل يمكن أن تصبح مرآة تعكس الصراعات الأعمق بين الشعوب والحكومات.
الجيل الأكثر ارتياداً لمواقع التواصل الاجتماعي ربما لم يتشبّع بفكرة الوحدة العربية، مما يجعلنا أمام شباب لا ينظر لمفهوم "الوحدة العربية" بالضرورة من منظور سياسي صرف، بل بواقعية وبراغماتية أكبر.
مواقع التواصل الاجتماعي… سلاح ذو حدين
في ظل عصر مواقع التواصل الاجتماعي، صار خطر إسهام الكرة في التفرقة بين العرب أكبر، وخير مثال المقابلة الإعلامية التي سُئل فيها اللاعب العراقي المعتزل، يونس محمود، عن حظوظ المنتخب السعودي في كأس الخليج العربي (خليجي 26)، التي نُظمت بالكويت بين 21 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وحتى 4 كانون الثاني/ يناير 2025، فردّ بأسلوب اعتبر "ساخراً": "السعودية جاية للقب؟".
تم تداول المقطع على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانهالت التعليقات الغاضبة من الجماهير السعودية مطالبة بالاعتذار، لكن العميد السابق للمنتخب العراقي رفض الاعتذار قائلاً: "لماذا أعتذر؟ لم أُخطئ في حق أحد. ما قلته كان في سياق المزاح". تحوّل تصريح رياضي بسيط إلى أزمة تصدّرت محركات البحث في البلدين وأشعلت جدلاً واسعاً بين الجماهير العراقية والسعودية.
لم يقتصر الأمر على المشجعين بل وصل إلى اللاعبين إذ قال لاعب المنتخب السعودي علي البليهي: "عندما تتكلم عن السعودية تقوم تقف على رجلك". هذا المثال يكشف إمكانية سرعة تحوّل المواقف الرياضية إلى أزمات في عصر السوشيال ميديا.
لكن هذه الحالة تبقى استثناءً في الشبكات الاجتماعية التي ينشط فيها شباب كثر ينبذون أفكار التفرقة، ومن بينهم "المؤثّرون" الذين استغلوا أحداثاً مثل كأس العالم 2022 في قطر، وكأس إفريقيا الحالية في المغرب للإشادة بهذين البلدين وبالبنية التحتية الرياضية في كل منهما، ونقل صور لمشجعين عرب من جنسيات مختلفة مجتمعين في الملاعب والمناطق المخصّصة للمشجعين.
الجيل الحالي ربما يرى في الأحداث الرياضية فرصة للاحتفاء بالهوية المشتركة دون الحاجة لخطابات أيديولوجية ثقيلة، ويعيشون الوحدة كتجربة إنسانية وثقافية عفوية، لا كمشروع سياسي معقد
جيل جديد ونظرة مختلفة
الجيل الأكثر ارتياداً لمواقع التواصل الاجتماعي ربما لم يتشبّع بفكرة الوحدة العربية، وترعرع في حقبة شهدت تراجعاً لافتاً للأيديولوجيات القومية، مما يجعلنا أمام شباب لا ينظر لمفهوم "الوحدة العربية" بالضرورة من منظور سياسي صرف، بل بواقعية وبراغماتية أكبر.
هؤلاء الشباب ربما يرون في الأحداث الرياضية فرصة للاحتفال بالهوية المشتركة من دون الحاجة لخطابات أيديولوجية ثقيلة، ويعيشون الوحدة كتجربة إنسانية وثقافية عفوية، لا كمشروع سياسي معقد.
ربما هذا هو المستقبل، وحدة شعبية تُبنى من الأسفل، من خلال التفاعلات اليومية والتجارب المشتركة، بدلاً من المشاريع السياسية الكبرى التي فشلت في الماضي.
وتبقى فكرة الوحدة العربية من خلال الأحداث الرياضية تحمل أبعاداً رمزية من دون حتمية أن تترجم إلى تكتلات اقتصادية عربية بالضرورة، أو أن تفرز تنظيماً عربياً مشتركاً لتظاهرات رياضية كبيرة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



