في الحياة لا نكتب غالباً ما نراه في الواقع بل ما نوحي به لعقلنا الباطن كي نستطيع الاستمرار، تارةً بالنسيان وتارةً أخرى عبر الخيال، لا سيما في وطنٍ أنهكته الحقيقة وسالَ دمعاً وذبُلت فيه الأرواح كقهوة باردة تُركت على نافذة النسيان.
الناس اليوم يسيرون بقلوب معتصرة، ووجوه شاحبة، تخنقهم الغصّة لأن الحزن طويل ولا يحتمل الشرح. أما الكلام فصار عبئاً إضافياً، وكأنّ الشكوى ترفٌ. فهم يخسرون أشياء لا تُعَوَّض، سنوات من التعب صارت ذكرى. أمور كثيرة اختفت: قبلة الصباح، ولمَّة العائلة، وركوة القهوة، وصوت يعود مساءً، وأحفاد يملأون الدار بضجيجهم… باختصار، فقدت الطمأنينة الصغيرة التي كان اسمها "بيت". نقص صحن أو أكثر من كل مائدة وتوقّف هاتف عن الرن، لن يأخذ صاحبه حصّته من المونة التي حضّرتها أُمَّه له هذا العام.
نحن لا نشتاق إلى الماضي، بل إلى الأمان الذي كان يسكنه. كبرنا فجأةً، وولد أبناؤنا مثقلين بالهموم، لا لأننا أردنا ذلك، بل لأن الوطن لم يعد يمنح أياً منّا خيار الطفولة
أصبح التحمّل قناعاً يفرضه المجتمع، والنجاة لم تعد قصة ملهمة. نعم نصمد... لكن علامَ تحديداً؟ وكيف نعيش حين يتوقّف المستقبل عن الوعد؟ نحن لا نشتاق إلى الماضي، بل إلى الأمان الذي كان يسكنه. كبرنا فجأةً، وولد أبناؤنا مثقلين بالهموم، لا لأننا أردنا ذلك، بل لأن الوطن لم يعد يمنح أياً منّا خيار الطفولة.
أهوال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان لم تقتصر على الدمار والركام والقتلى، بل بما خلّفته من عطب نفسي وجسدي. الناس الذين خسروا بيوتهم تعلّموا كيف يبتسمون سريعاً، ضحكتهم خفيفة لا تُشبههم، ويكملون يومهم بحركات محسوبة، يبدّلون الحديث كلّما اقترب من البيت والرزق، ويؤجّلون البكاء إلى وقتٍ قد لا يأتي.
في ليل حزين اختنق بمرارة الخيبة، تخيّلت: ماذا قد يحدث لو رفرف لبنان بجناحٍ من وجع، وقرّر أن يُحلّق عكس الرياح التي تعصف به؟
في صباح باكر، نزعَ بلد الحرف قيود الحدود وخلعَ عن كتفيه عبءَ الجغرافيا التي كلّفته حروباً ودماراً ودماءً. في تلك الليلة، وعندما ذبلت عيناه، حطّ لبنان في فلسطين، باحثاً عن غصن زيتون يتكئ تحته ويصبو لنسمةٍ تُرمم وجعه، هناك في أرض الرسل، حيث أنين الناي يحكي قصصاً ويوحي بجرحٍ لا يزال يطلب إنصافاً. هناك تعلّم أنّ الصمود ليس بفوهة البندقية فحسب، وأنّ الوطن ذاكرة لا تُمحى.
طبعَ لبنان قبلة وداع على جبين زهرة المدائن وتابع إلى دمشق التي سكبَت له قهوة ممزوجة بالحنين، سألها عن أهلها الذين طرقوا أبواب الغربة. أما حانَ وقت العودة و"لم الشمل" على أرض الشام؟ اشتمّ الياسمين ليبقى شذاه يرافقه وودّعه بصوت فيروز وهي تقول: "أجمل التاريخ كان غداً".
بيروت لم تسقط ولا بغداد
الآن، وجهة الرحلة هي مهد الحضارات، بلاد الرافدين، حيث النخيل بقيَ شامخاً رغم ما ألمّ بالعراق لسنوات مضت. حطّ بلد الفكر والحضارة في شارع المتنبي، وسط العاصمة العراقية بغداد، تاق لقصائد الشعراء في عاصمتها التي ناداها أبو الطيب بـ"حبيبة القلب". في ذلك الشارع، استذكر "ست الدني"، فبيروت لم تسقط وكذلك بغداد.
ثم توجَّه إلى بلد البخور حيث القصيدة محاصرة بالبارود، اليمن الذي وصف النبي محمد أهله بأنّهم "أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوباً". سأله لبنان: "ماذا حلّ بك؟ ولماذا لم نعد نسمع إلا عن الحروب؟ فلتذكرني بالتاريخ والحضارة العريقة… وعُد اليمن السعيد".
ثم في تونس، جلس متأملاً سيدي بوسعيد مستذكراً بحر بيروت، وسائلاً: "كيف نحمي الربيع من الذبول؟"، فأجابته: "بصوتٍ حرٍّ لا يهاب، فالثورات تغيب لكنها لا تموت".
وفي المغرب، سَمِع صدى الأندلس يُعلّم الصبر. وفي الجزائر، سار بين أزقة القصبة سامعاً صدى الشهداء. ثم مضى إلى السودان، إلى عيون تحفظ ذاكرة التاريخ، وعرف أن الفجر آتٍ ولو طال القهر.
وفي جولته، ألقى السلام على الخليج، بدءاً من الكويت، حيث تأكَّد أنّ الإرادة تتجلّى حين تُثمر استقراراً وطمأنينة لناسها لا تهزّها الرياح. أخبر صديقته أن العروبة في الهوية والانتماء تجمعهما، وقد تجذَّرت في مقدمة الدستور اللبناني.
وحين عبرَ إلى البحرين، لاحظ الأمان يسودُ، ذلك الشعور الذي يتوق إليه لبنان في زوايا شوارعه المتعبة، وبين جدران بيوته الدافئة، وفي عيون الناس المبلَّلة بالحزن والحنين والخوف. وتأمَّل بياض اللؤلؤ وهو يهمس بحكايات عن صبر الأعماق، ونقاء النوايا، وهناك علمَ أنّ التفاهم والاحترام المتبادل والحوار من أسرار نجاة الدول الصغيرة.
وفي قطر تأمل الشعاب المرجانية المتشبثة بالحياة وسط التيارات العاتية، كما أبناء الأرز، رأى كيف يتحوّل الطموح إلى حضور عالمي ويبني تأثيراً. فهنا لا مكان للتشتت والكلمة التي تفرّق… هنا للنجاح حكايات وللأمل صولات وللإصرار جولات.
نامَ لبنان بسلام للمرة الأولى ولم يسمع أصوات الصواريخ ولا طنين المسيَّرات ولا انقطعت الكهرباء عن حلمه… هذا خيال أتمسّك به على أمل أن يصبح غداً واقع لبنان الحقيقي
أما في الإمارات فرأى كيف تتحوّل الصحارى جنائن معلّقة وتعلو ناطحات السحاب. ثم حلّ في السعودية التي تغيّرت بسرعة الموج وفتحت أبوابها للعالم، كاتبةً فصلاً جديداً من الحكاية العربية.
من لا يحفظ ذاكرته يعيد مآسيه
أما مصر، أمّ الدنيا، فكانت المحطة الأخيرة. وقف عند ضفاف النيل يُحادث التاريخ، استمع إلى أصوات القدماء وهي تهمس: "من لا يحفظ ذاكرته، يُعيد مآسيه".
بعد عودته، حملَ معه قصائد الفرح ورأى بأمّ عينه تحقق الأحلام، وأيقنَ أنّ الوطن يتعزّز بالحب والجسور. نامَ لبنان بسلام للمرة الأولى ولم يسمع أصوات الصواريخ ولا طنين المسيَّرات ولا انقطعت الكهرباء عن حلمه واستفاق على صوت مذيع يتلو النشرة الإخبارية من استوديوهات "بيروت بخير"، بينما يقول: "كان طيران لبنان وجولته العربية فعل تمرّد، انتفاضة وشفاء؛ أُنشئت حدائق مكان خطوط التماس، الزهور غطّت الأماكن التي كانت يوماً خنادق. بيروت، طرابلس، الجنوب، بعلبك والبقاع جميعها تحتفل بمهرجان الورود… لا أزيز رصاص بل فقط موسيقى 'نحنا صفينا النية والله معنا'، حتّى الجدران الشاهدة على الحروب زيّنتها أنامل الأطفال برسومات ملونة".
أحبّوا لبنان قليلاً
وخلال النقل المباشر، أتت الدول مجتمعة لترد الزيارة للبنان وتحتفي بفرحه ووجهه الجميل الجديد، وحملت رسالة الشاعر نزار قباني لتلخّص الحالة وكأنما القصائد قد خرجت عن الورق لتُصافح الواقع وفيها: "إن يمت لبنان متم معه، كل من يقتله كان القتيلا... كل ما يطلبه لبنان منكم أن تحبوه قليلا".
انتهت النشرة والحلم لم ينتهِ لأن لبنان، الذي طار يوماً، عاد يحمل بذوراً جديدة، زُرعت في أرض تعلّمت كيف تُزهر بعد الخراب ويغني شعبه معاً "كلنا للوطن"، ويعربون عن حبهم للبنان "بلا ولا شي" بتعبير الراحل الكبير زياد الرحباني.
كلّ ما ذكر كان خيالاً أتمسّك به عساه يصير فعلاً وواقعاً وحقيقةً...
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



