في التاريخ الإسلامي المبكر، لا تُقاس أهمية الوقائع دائماً بما أحدثته من تغيير فوري في موازين القوة، بل بقدرتها على إنتاج المعنى، وصياغة الذاكرة، وإعادة تعريف المفاهيم الكبرى: النصر، والهزيمة، والبطولة، والقيادة. في هذا السياق، تمثل غزوة مؤتة واحدة من أكثر اللحظات كثافة؛ فهي معركة لم تُحسم عسكرياً، ولم تُسفر عن فتح أو توسع، لكنها وللمفارقة، تحولت إلى إحدى أكثر المحطات إشراقاً في السردية الإسلامية.
وقعت معركة مؤتة سنة 8هـ/629م، في فضاء جغرافي وسياسي لم يكن مألوفاً بعدُ للمسلمين؛ في بلدة مؤتة الواقعة في محافظة الكرك في الأردن على تخوم بلاد الشام، التي كانت تقع وقتها تحت النفوذ البيزنطي، حيث الدولة والإدارة والجيوش النظامية والإمبراطورية بمعناها الكامل.
منذ اللحظة الأولى، لم تُكتب قصة مؤتة بوصفها مجرد حملة عسكرية، بل بوصفها اختباراً وجودياً لمشروعٍ صاعد يختبر حدوده خارج جزيرته. ولهذا، فإن قراءة مؤتة قراءة عسكرية محضة، تُفضي إلى طريق مسدود. فالمعركة، من حيث النتائج، كانت انسحاباً من ساحة القتال. لكن من حيث السرد، كانت ولادة خطاب جديد: خطاب يُحوّل الخسارة إلى بطولة، والانسحاب إلى حكمة، والتعثر إلى مقدمة نصر مؤجل. وهنا تحديداً تكمن أهمية مؤتة، لا في ميدانها، بل في كيفية روايتها.
لماذا احتلت مؤتة موقعاً مركزياً في المصادر الإسلامية؟
أول ما يلفت النظر في التعامل الإسلامي مع مؤتة هو حجم العناية التي حظيت بها في كتب السيرة والمغازي، مقارنةً بمعارك أكثر تأثيراً عسكرياً. فالسبب لا يعود فقط إلى كونها أول مواجهة مع الروم البيزنطيين، بل إلى ما مثّلته من انتقال نوعي في وعي المسلمين بذاتهم وبالعالم من حولهم.
قبل مؤتة، كان الصراع الإسلامي يدور في إطار عربي-قبلي محض، حتى في أكثر مراحله تعقيداً. أما في مؤتة، فقد واجه المسلمون للمرة الأولى نظاماً إمبراطورياً مكتمل الأركان. ولهذا، لم يكن الحدث مجرد ردّ على مقتل رسول، بل احتكاكاً مباشراً مع القوة التي تمثل "العالم" آنذاك.
لم تكن مؤتة امتحانَ سيوفٍ بقدر ما كانت امتحانَ وعي؛ فيها تعلّم المسلمون أن القيمة لا تُقاس بما يُنتزع من أرض، بل بما يُحفظ من معنى
تذكر المصادر الإسلامية أن المسلمين في تلك الفترة التاريخية قد عقدوا الهدنة (صلح الحديبية) مع عدوهم الرئيس "قريش"، وأن النبي وجه مجموعة من الرّسل والسفراء لعرض رسالة الإسلام على ملوك وأمراء بلاد الشام والإمبراطورية البيزنطية وبلاد فارس ومصر. في هذا السياق، تحدثت بعض الروايات أن سبب حملة مؤتة كان قتل الحارث بن عمير الأزدي، رسول النبي إلى شرحبيل بن عمرو الغساني حاكم بُصرى. وهو الفعل الذي لم يكن ليُفهم، بحسب معايير العصور الوسطى، بوصفه جريمة فردية، بل بوصفه إعلانَ عداءٍ سياسي، لا سيما أنه كان أول رسول للنبي محمد يُقتل، فاشتدّ ذلك عليه وعلى المسلمين؛ الأمر الذي استوجب تجهيز حملة عسكرية لتأديب شرحبيل وحلفائه من البيزنطيين.
من جهة أخرى، أبرزت السردية التي حاكها المؤرخون حول تفاصيل معركة مؤتة العديد من العناصر المهمة التي يجب ملاحظتها والالتفات إليها للوصول لفهم أكثر دقة لطبيعة هذا الحدث التاريخي. على سبيل المثال، يذكر ابن هشام الحميري في كتابه "السيرة النبوية" أن النبي حين جهّز الجيش، جاء ترتيب القيادة لافتاً في دلالته: "أمير الناس زيد بن حارثة، فإن أُصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب فعبد الله بن رواحة". هذا الترتيب لا يعكس ثقةً بالنصر، بقدر ما يعكس وعيًا بالمخاطرة، واحتمال الفقد، وهو ما يتناقض مع الصورة اللاحقة التي ستُبنى للمعركة بوصفها ملحمة بطولية مكتملة.
العنصر الثاني الذي تجدر ملاحظته على السردية الإسلامية هو الرقم. فالمصادر الإسلامية تصرّ على تصوير العدو بوصفه قوة هائلة. يذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أن جيش المسلمين الذي لم يتعد الثلاثة آلاف مقاتل، قد واجه جيشاً بيزنطياً هائل العدد "فلقِيَهم من الروم مائة ألف، وقيل: مائتا ألف". من منظور النقد التاريخي الحديث، تبدو هذه الأرقام إشكالية إلى حد بعيد. فالدراسات المعاصرة حول الجيش البيزنطي، ومنها كتاب "BYZANTIUM AND THE EARLY ISLAMIC CONQUESTS" لأستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو والتر كايغي، والمنشور سنة 1995، تشير إلى أن الإمبراطورية البيزنطية، الخارجة لتوّها من حروب استنزاف طويلة مع الفرس الساسانيين، لم تكن في وضع يسمح لها بحشد هذه الأعداد الضخمة في أقصى جنوب الشام، من أجل مواجهة حملة محدودة العدد من العرب. من هنا يمكن القول إن الخطأ المنهجي هو التعامل مع هذه الأرقام بوصفها "بيانات خاطئة"، بدل قراءتها بوصفها لغة ثقافية. فالرقم هنا لا يؤدي وظيفة إحصائية، بل وظيفة رمزية: تصوير الخصم بوصفه قوة ساحقة، بما يسمح بتحويل مجرد الصمود إلى إنجاز أخلاقي. بعبارة أخرى: لم يكن مطلوباً من مؤتة أن تكون نصراً، بل كان مطلوباً منها أن تكون اختباراً نجح المسلمون في اجتيازه نفسياً ورمزياً.
البطولة والشهادة والأسطرة… كيف أُعيدت كتابة الهزيمة؟
إذا كان تضخيم العدو هو الوجه الأول للأسطرة، فإن الوجه الثاني يتمثل في إعادة بناء الحدث من الداخل، عبر التركيز الكثيف على مشاهد الاستشهاد والبطولة الفردية. تُجمع الروايات الإسلامية على أن معركة مؤتة تحولت سريعاً إلى مأساة قيادية، بسقوط القادة الثلاثة واحداً بعد الآخر. لكن هذا السقوط لم يُقدَّم بوصفه خللاً في القيادة، بل بوصفه ذروة الفداء والتضحية. يصف الواقدي في "المغازي" مقتل جعفر بن أبي طالب بلغة درامية واضحة: "أخذ جعفر الراية فقاتل حتى قُطعت يمينه، فأخذها بشماله حتى قُطعت، ثم احتضن الراية بعضديه حتى قُتل". في السياق ذاته، يضيف ابن سعد تفصيلاً جسدياً بالغ الدلالة: "ووجدوا في جسد جعفر بضعاً وتسعين جراحة، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم". هذا الإصرار على عدّ الجراح، وعلى تصوير الجسد المثخن، لا يخدم التوثيق العسكري، بل يبني نموذجاً أخلاقياً للقيادة: القائد لا ينسحب، بل يستشهد في أرض المعركة.
حتى عبد الله بن رواحة، الذي تُظهره الروايات متردداً، يُعاد احتواؤه داخل الخطاب البطولي عبر أبياته الشهيرة التي أوردها الطبري في تاريخه: "يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي". بتلك الطريقة، لا يلغي المؤرخون المسلمون الخوف الإنساني من سردهم لأحداث المعركة، بل يستثمروه، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من صدق التجربة.
في مؤتة، خسر المسلمون معركةً في الحساب العسكري، لكنهم ربحوا سرديةً قادرة على تحويل الانسحاب إلى حكمة، والفقد إلى تأسيس، والهزيمة إلى درسٍ مؤجل الثمر
من منظور النقد التاريخي الحديث، يصعب الجزم بحرفية هذه التفاصيل، خصوصاً مع غياب المعركة عن المصادر البيزنطية بشكل شبه كامل. لكن الأهم أن الرواية الإسلامية قد احتاجت لتلك التفاصيل. فكما يشير روبرت هويلاند، في كتابه "Seeing Islam as Others Saw It" المنشور سنة 1997، تميل المصادر الإسلامية المبكرة إلى "إعادة ترتيب الحدث بما يخدم بناء المعنى، لا نقل الوقائع المجردة". من هنا، لا يمكن فهم الأسطرة بوصفها تزويراً متعمداً، بل آلية دفاع سردية لجماعة ناشئة، تواجه لأول مرة قوة إمبراطورية، وتحتاج إلى خطاب يحمي ثقتها بذاتها. ولهذا، فإن التركيز على الشهادة، لا على الخسارة، هو اختيار واع. فالهزيمة العسكرية، إذا لم تُعاد صياغتها رمزياً، تتحول إلى كسر نفسي عميق من شأنه أن يدمر وجدان الدولة الإسلامية الناشئة.
كيف وُلد "سيف الله" من معركة لم ينتصر فيها؟
تذكر المصادر الإسلامية أن خالد بن الوليد تولى قيادة الجيش بعد سقوط القادة الثلاثة، وأنه تمكن -من خلال إجراء بعض التكتيكات الحربية المتطورة مثل تبديل أجنحة الجيش وإثارة الغبار لخديعة العدو وإيهامه بوصول المدد- من مواجهة الجيش البيزنطي، قبل أن يؤمن طريق الانسحاب إلى المدينة المنورة.
على الصعيد السردي، يتغير منطق الرواية فجأة. فبدل البطولة الانتحارية، يظهر منطق جديد: الحفاظ على الجيش الإسلامي. وهنا يدخل خالد بن الوليد إلى المشهد. لا تقول المصادر إن خالداً انتصر في مؤتة. لكنها تصرّ على أنه أنقذ الجيش من الإبادة المُحتملة. رسمت كتب الحديث هذا المشهد بشكل ملحمي حين نقلت قول النبي محمد: "ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله -يقصد خالد بن الوليد- حتى فتح الله عليهم"، وذلك بحسب ما ورد في صحيح البخاري. كما تم التأكيد على المعنى نفسه في رواية أخرى، حين وُصِف العائدون بالفرار، فقال النبي: "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله". بهاتين العبارتين، جرى تحرير الانسحاب من دلالته السلبية. لم يعد تراجعاً، بل حكمة؛ ولم يعد فشلاً، بل تمهيداً لمجموعة من الفتوحات المستقبلية التي ستقع فعلياً في عهد الخلفاء الراشدين.
من منظور النقد التاريخي، يمكن القول إن مؤتة شكّلت لحظة إعادة كتابة فشل عسكري بلغة عبقرية فردية. فالانسحاب، الذي كان يمكن أن يُقرأ بوصفه ضرورة قاسية، تحوّل إلى شهادة ميلاد لخالد بن الوليد بوصفه القائد الذي يعرف متى يقاتل، ومتى يحفظ القوة للغد. والمفارقة أن صورة خالد بوصفه "فاتحاً لا يُقهر" بدأت من معركة لم ينتصر فيها. لكن الذاكرة الإسلامية جعلت من مؤتة مقدمة ضرورية لفتوحه اللاحقة في العراق والشام، وكأنها تدريب أول على مواجهة الإمبراطوريات الكبرى. وهكذا، استحقت مؤتة وصف "غزوة"، لتكون المعركة الوحيدة التي وصفت بهذا الوصف رغم غياب النبي عن المشاركة فيها.
ختاماً، يمكن القول إن غزوة مؤتة لم تكن مجرد معركة انتصر فيها المسلمون، ولا هُزموا بالمعنى التقليدي. بل كانت في حقيقة الأمر معركةً انتصر فيها الخطاب التاريخي؛ ففيها تعلّمت الذاكرة الإسلامية كيف تُعيد تعريف الهزيمة، وكيف تحوّل الفقد إلى بطولة، والانسحاب إلى فضيلة، والتعثر إلى وعدٍ مؤجل بالنصر. ومن هنا، فإن تضخيم الأرقام، وتكثيف البطولة، وصناعة أسطورة خالد، لا ينبغي قراءتها كعيوب في الرواية، بل كنوافذ لفهم كيفية تشكّل الوعي الإسلامي المبكر، وكيف أراد المسلمون الأوائل لتاريخهم أن يُروى. لقد احتاج الإسلام الناشئ إلى مؤتة، لا لأنها غيّرت ميزان القوى، بل لأنها غيّرت طريقة فهم القوة نفسها.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



