"لسنا بخير"... كيف نرمّم أنفسنا للعام الجديد بعد ما فعلته 2025؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 22 ديسمبر 20256 دقائق للقراءة

كما هو الحال مع كل عام جديد، نجلس مع أنفسنا ونحاول إعادة ترتيب ما مرّ بنا. نبحث عن درسٍ ما، أو نخطط لبدايات جديدة، أو نتمسّك بوعد صغير بأن الغد سيكون أقل قسوة، غير أن العام 2025 لم يترك لنا هذه المساحة في البلاد العربية، إذ جاء مثقلاً بالأحداث وتراكمت فيه الخسارات حتى صارت جزءاً من الإيقاع اليومي للحياة.

لم يمنحنا هذا العام وقتاً لالتقاط الأنفاس. شهدنا الحروب والقتل والدمار، إلى جانب موجات الجوع والنزوح والانهيارات الاقتصادية. في غزة، تحوّلت الحياة اليومية إلى محاولة متواصلة للبقاء على قيد الحياة. في لبنان، أرخت الحرب الإسرائيلية بثقلها على المواطنين/ات، مخلّفة دماراً وتشريداً وجرائم قتل لا تُحصى. أما في السودان واليمن وسوريا، فتزامنت النزاعات السياسية مع فقدان الأمان والاستقرار.

في هذا السياق، لم تعد المعاناة النفسية حالة فردية معزولة، بل واقعاً جماعياً يُعاش بصمت وغالباً بشعور عميق بالعجز.

الصحة النفسية ليست ترفاً

في عام 2025، تبدو الأرقام المتعلقة بالصحة النفسية أكثر قسوة حين تُقرأ من زاوية العالم العربي. تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 22% من الأشخاص الذين يعيشون في مناطق نزاع أو تأثروا بها يعانون من اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. في العالم العربي، تكتسب هذه الأرقام بعداً إضافياً لأنها تكشف عن مجتمعات كاملة تواصل حياتها وهي تحاول أن تبدو بخير، فيما هي بالكاد تحتمل.

العام 2025 جاء مثقلاً بالأحداث وتراكمت فيه الخسارات حتى صارت جزءاً من الإيقاع اليومي للحياة

وتفاقم الوصمة الاجتماعية المحيطة بالاكتئاب في العالم العربي من حدّة هذا الواقع، إذ لا يزال الكثير من الأفراد يتجنبون طلب المساعدة خوفاً من الوصم وذلك بسبب ثقافة الصمت والخجل المرتبطة بالصحة النفسية.

بمعنى آخر، يتضاعف هذا العبء على الأفراد حين تترافق الصدمة مع هشاشة البنى الصحية والاجتماعية، ومع ثقافة لا تزال تتعامل مع الصحة النفسية كترف، أو كأمر يمكن تأجيله إلى ما بعد "انتهاء الأزمات"، وكأن الأزمات تنتهي فعلاً!

وسط هذا الواقع المرير، يبدو الحديث عن نصائح لتحسين الصحة النفسية في العام الجديد ملتبساً، فالصحة النفسية، بالنظر إلى حياتنا اليومية، لا تحتاج إلى وصفات سريعة أو شعارات تحفيزية، بل إلى مقاربة واقعية تعترف بثقل التجربة وتبحث عن طرق ممكنة للتخفيف من آثارها، لا عن وعود سحرية بالشفاء الكامل.

ربما تبدأ هذه المقاربة من إعادة تعريف معنى الصحة النفسية نفسها. ففي السنوات الأخيرة، جرى تسويق العناية بالنفس كوسيلة لزيادة الإنتاجية وتحسين الأداء، لا كحق إنساني أساسي. في المقابل، تشير دراسات حديثة إلى أن تقبّل المشاعر السلبية، بدلاً من مقاومتها أو إنكارها، يرتبط بانخفاض مستويات التوتر على المدى الطويل، ويعزز القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة.

ممارسات صغيرة وسط الفوضى

الصحة النفسية لا تُبنى في الفراغ ولا يمكن اختزالها في جهد فردي معزول. العلاقات الإنسانية، حتى الهشّة منها، تبقى من أهم عوامل التخفيف من آثار الصدمات. وجود علاقة داعمة واحدة على الأقل يقلل الشعور بالوحدة ويحدّ من تفاقم أعراض الاكتئاب، بينما تساهم العزلة الطويلة في تعميق المعاناة.

هذا العام الجديد ليس فرصة لنكون أقوى مما يجب ولا أكثر صلابة مما نحتمل، بل فرصة لأن نكون أصدق مع هشاشتنا وأكثر استعداداً لطلب الدعم وأقل قسوة على أنفسنا

في المقابل، قد تتحول بعض العلاقات إلى مصدر استنزاف نفسي، مما يجعل وضع حدود واضحة معها ضرورة صحية، لا أنانية ولا ترفاً. الأمر نفسه ينسحب على بيئات العمل، حيث بات الضغط المزمن، عدم الاستقرار الوظيفي، وساعات العمل غير المحدودة، عوامل رئيسية في تدهور الصحة النفسية. في هذا السياق، يصبح التوازن بين العمل والحياة الخاصة شكلاً من أشكال الرعاية الذاتية.

إلى جانب ذلك، هناك ممارسات بسيطة حين تُطبّق بانتظام يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في الاستقرار النفسي:

-تنظيم النوم: تُظهر مراجعات علمية أن تحسين النوم يرتبط بانخفاض أعراض الاكتئاب والقلق وتحسن المزاج العام.

-التقليل من التعرض المستمر للأخبار العنيفة، خصوصاً في فترات المساء، حيث تربط دراسات بين الاستهلاك المكثف للمحتوى الصادم وارتفاع مستويات التوتر واضطرابات النوم.

-الكتابة التعبيرية عن المشاعر، حتى لبضع دقائق يومياً، وهي ممارسة أظهرت أنها تساعد في تخفيف التوتر وتنظيم الأفكار وتحسين الصحة النفسية العامة.

-الحركة الجسدية الخفيفة المنتظمة، مثل المشي، التي ثبت أنها تحفّز مواد كيميائية في الدماغ مرتبطة بتحسين المزاج وتقليل القلق، حتى من دون نشاط رياضي مكثف.

-الحفاظ على تواصل اجتماعي بسيط ومنتظم: التواصل الإنساني، ولو المحدود، يقلل الشعور بالوحدة ويدعم الصحة النفسية على المدى الطويل.

-طلب الدعم المهني عند الحاجة: العلاج النفسي، فردياً أو جماعياً، من أكثر الأدوات فاعلية في التعامل مع التوتر المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة.

بالطبع، إن هذه الخطوات قد لا تُنهي المعاناة، لكنها تخلق مساحات صغيرة من الاستقرار وسط الفوضى وتمنحنا إحساساً محدوداً لكنه حقيقي بالقدرة على العناية بأنفسنا في عالم يفرض علينا ما يفوق طاقتنا.

أن نعترف بالحزن والخوف والإرهاق ليس استسلاماً. أن نقول "لسنا بخير" ليس ضعفاً. أن نقول "لا أستطيع اليوم" ليس فشلاً، بل كلها اعترافات ضرورية وأساسية في عملية إعادة ترميم الذات

الصحة النفسية ليست وعداً بالتعافي بل محاولة مستمرة للترميم. ليست حالة نصل إليها بل علاقة نبنيها مع أنفسنا، يوماً بعد يوم، بقدر ما نستطيع.

وعليه، هذا العام الجديد ليس فرصة لنكون أقوى مما يجب ولا أكثر صلابة مما نحتمل، بل فرصة لأن نكون أصدق مع هشاشتنا وأكثر استعداداً لطلب الدعم وأقل قسوة على أنفسنا.

في نهاية المطاف، أن نعترف بالحزن والخوف والإرهاق ليس استسلاماً. أن نقول "لسنا بخير" ليس ضعفاً. أن نقول "لا أستطيع اليوم" ليس فشلاً، بل كلها اعترافات ضرورية وأساسية في عملية إعادة ترميم الذات.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image