ما الذي قد يتمناه شخص مثلي في بداية عام جديد؟

الثلاثاء 4 يناير 202203:15 م

يكرّر المرء نفسه حين يكرّر أمنياته في بداية كلّ عام. ما الذي يُمكن أن نتمنّاه في أوقاتنا هذه؟ المزيد من الحب، أو بعضاً منه؟ المزيد من السعادة، أو بعضاً منها؟ المزيد أو البعض من المتعة؟ إنجازات فرديّة؟ نشر كتابٍ، أو التخرّج من الجامعة، أو الزواج، أو أيّ ما يخطر في بال أيٍّ منّا؟

كلّ هذه الأمنيات التي نعيدها عند كلّ مناسبة، في تكرار ببغائي، تكاد لا تعني شيئاً. لا شيء يأتي بالأمنيات، بل بالعمل الجاد، والجهد الدؤوب، ووصل الليل بالنهار. على كلّ حال هذا أيضاً كلام مكرّر.

ما الذي قد يتمناه مثلي في بداية عام جديد؟ شرقٌ أوسطيّ يعيش في دولة أوروبيّة باردة لا تعرفها الشمس، لا هو عرف كيف يتخلّى عن بلاده التي أتى منها، ولا هو عرف كيف يعيش في بلاده الجديدة؟ ما الذي قد يتمناه شخص يفكّر طوال الوقت في المعتقلين/ ات، وفي التغيّرات المناخيّة، وفي حقوق الإنسان الأساسيّة، وفي الفلسفة، سوى أن يحافظ على هامشه الصغير في هذه الحياة؟

ما الذي قد يتمناه مثلي في بداية عام جديد؟ شرقٌ أوسطيّ يعيش في دولة أوروبيّة باردة لا تعرفها الشمس، لا هو عرف كيف يتخلّى عن بلاده التي أتى منها، ولا هو عرف كيف يعيش في بلاده الجديدة؟

هذه والله ليست كآبةً، ولا استجداءً للعطف، ولا بحثاً عن اهتمام، ولا استجلاباً لانبهار وإعجاب، بل هي توصيف لما أحسّ به في بداية هذا العام، الذي يبدأ كما انتهى الذي قبله، ونحن نعيش هذا الوباء الذي ما كنّا نستطيع الخلاص منه، وأكاد أجزم أن كثيرين من أهل بلادنا الذين يعيشون في بلدان أوروبيّة يقاسمونني هذا الشعور.

ما الذي يُمكن أن نتمناه؟ أن تختفي العنصريّة التي تواجهنا (أو قد تواجهنا) في شوارع أوروبا؟ أو أن نستطيع أن نحيا حياةً عاديّةً تشبه الحياة، من دون أن نحاول إثبات أنفسنا إلى كلّ الناس، كلّ يوم؟ ومن دون أن نثبت لسلطات البلاد الأوروبيّة الديمقراطيّة أنّنا لاجئون جيّدون، نحكي لغتهم، وندفع الضرائب، ولا نختلق مشكلاتٍ عامةً، ونخضع لقوانينهم، ومن دون أن نثبت أنفسنا لحرّاس الله من أهل بلادنا الذين لجؤوا مع لجوئنا، ومن دون أن نثبت أنفسنا أمام أهلنا وعائلاتنا، متجاوزين مشكلاتهم النفسيّة (ومشكلاتنا النفسيّة)؟

أفكّر: ما هي أمنياتي في العام القادم؟ لا أمنيات على الصعيد الشخصي. لا شيء. أريد بالطبع أن أحقّق أشياءً معيّنة، لكنّني أعرف أنّها أشياء تأتي بالعمل الدؤوب، لا بالأمنيات.

أتمنى أن تُزال الحدود بين كلّ الدول (أعرف أنّها أمنيّة غير منطقيّة في هذا الزمن، لذلك بالضبط تُسمّى أمنيّة)، وأن يعيش الناس أينما أرادوا، وكيفما أرادوا، في مجتمعات حرّة ومفتوحة ومتقبلة لكلّ أنماط العيش، مجتمعات تحترم حقوق الأفراد، ولا تسلبهم إياها.

مرةً أخرى أفكّر: هل من أمنيات على الصعيد العام؟ نعم. في هذه عندي الكثير: أن يخرج جميع المعتقلين/ ات السياسيين/ ات والمختفين/ يات قسرياً في سوريا، وفي العالم من سجونهم، وأن تختفي هذه السجون والمعتقلات إلى الأبد.

أتمنى أن يختفي بشار الأسد، لأنّ على ما يبدو أمر رحيله مستحيل، فلننتظر الاختفاء إذاً! ومع اختفائه، أتمنى أن تختفي الديكتاتوريّة من العالم، ومعهما اليمينيون المتطرفون، وأنصارهم في الدول الأوروبيّة حيث أعيش، وفي بقية دول العالم.

ما الذي قد أتمناه أيضاً؟ أن يتمّ الاهتمام أكثر بالتغييرات المناخيّة، وأن يشعر الناس بالمشكلات البيئيّة التي تهددنا، فالتغيير يجب أن يكون الآن وفوراً، قبل أن نفقد بيوتاً وأهلاً وأحبّةً بسبب هذه التغييرات، وأن يتم تخفيف استهلاك اللحوم (على الرغم من حبي لها) في العالم، ما يؤدي إلى تخفيف صناعة اللحوم المُضرّة بالبيئة بشكلٍ هائل، وأن يتم التخفيف من استهلاك المواد الغذائيّة التي تقطع طرقات سفر طويلة لتصل إلى موائدنا الأوروبيّة، وأن نعتمد على الغذاء محليّ الصنع.

أيضاً أتمنى أن يتم تخفيف استهلاك الثياب في العالم، فربّما تخفّف الشركات الرأسماليّة الاحتكاريّة استعباد العاملين في معاملها في دول بنغلادش والهند والصين وغيرها. بشكلٍ عام أتمنى أن يخفّ الاستهلاك البشري، وأن يصير استهلاكاً واعياً بيئياً.

أيّ أمنيات أخرى؟ نعم. أتمنى أن تُزال الحدود بين كلّ الدول (أعرف أنّها أمنيّة غير منطقيّة في هذا الزمن، لذلك بالضبط تُسمّى أمنيّة)، وأن يعيش الناس أينما أرادوا، وكيفما أرادوا، في مجتمعات حرّة ومفتوحة ومتقبلة لكلّ أنماط العيش، مجتمعات تحترم حقوق الأفراد، ولا تسلبهم إياها.

أتمنى أن يختفي بشار الأسد، لأنّ على ما يبدو أمر رحيله مستحيل، فلننتظر الاختفاء إذاً! ومع اختفائه، أتمنى أن تختفي الديكتاتوريّة من العالم، ومعهما اليمينيون المتطرفون، وأنصارهم في الدول الأوروبيّة حيث أعيش، وفي بقية دول العالم

مجتمعات مبنيّة على قيم الحريّة والعدالة والكرامة تحفظها صحافة حرّة، وتعليم جيّد مبنيّ على أسس علميّة متوفرة لكلّ الناس. مجتمعات تحب الفرح والغناء والموسيقى والشعر. مجتمعات لا تعاني من الفقر والعوز. مجتمعات لا تلجأ. أريد أن يختفي اللجوء.

أأعيش يوماً حتى أصل إلى زمن أرى فيه هذه الأمنيات حقيقةً ماثلةً أمام عينيّ؟ أشكّ في ذلك، لكن لا بأس ببعض الأمنيات نفتتح بها عاماً جديداً، عسى أن تكون أيامها أيام خير، على الرغم من صعوبة تخيّل ذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard