"الراعي لا يترك خرافه عند الأزمات"... رسائل الجنوبيين للبابا قبيل زيارته لبنان

حياة نحن والخطاب الديني

السبت 29 نوفمبر 20257 دقائق للقراءة

"زعلانة منو كتير"، جملة وحيدة قلتها حين رأيت جدول زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان. أنا ابنة الجنوب المسلمة، التي تشعر أنه لا مكان لصوتها حين يتعلّق الأمر برأس الكنيسة الكاثوليكية.

كنت أتمنى أن تصدح دعوات الرجاء والسلام من أرض الجنوب الذي يعيش على وقع اعتداءات إسرائيلية يومية، لكن الطريق إلى هناك لم تعبّده الدولة التي تخشى استهداف آلياتها، فحضّرت للبابا واقعاً افتراضياً يخفي هشاشة هذا البلد خلف كاميرات عالمية تلتقط صوراً منمّقة لـ"زفت جديد ولمبة".

من بعبدا إلى بيروت مروراً بعنايا، حريصا، جل الديب وبكركي، سوف تحظى مناطق اللون الواحد ببركات البابا قبل عيدي الميلاد ورأس السنة، في وقت ستلمس بركاته رؤوس مسيحيي الأطراف من بعيد، وسيحظى أبناء الطوائف الأخرى، بدعوات عامة تأتينا على شاكلة "حفظ الله هذا البلد وأهله".

ولكن هل هذا فعلاً ما يحتاجه الجنوبيون من البابا؟ هل يكفيهم حضورهم في باله، وهم الغائبون عن بال المسؤولين في لبنان؟ وهل يرضون بتقسيم البركة في بلد لا يقسّم فيه بالتساوي إلا الألم؟

ليلة الرجوع إلى الرب في الجنوب

قداس كبير ولقاء روحي مسيحي على أرض الجنوب، هذا ما يطلبه جاك كرم، ابن جزين من البابا في ظل القصف الذي يطال أرضه، ويقول لرصيف22: "بركي بينعمل القداس وبكون البابا موجود معنا، ومنصلي كلنا سوا. بركي بينعمل مثل ليلة الرجوع إلى الرب في مصر. بركي بينعمل ليلة الرجوع إلى الرب هون عنا بالجنوب. بركي ربنا بيشفق علينا وبشفاعته بحلّ عنا هالمشاكل والأزمات اللي نحنا مارقين فيها، خصوصاً كمسيحيي الجنوب أو الأطراف".

كنت أتمنى أن تصدح دعوات الرجاء والسلام من أرض الجنوب الذي يعيش على وقع اعتداءات إسرائيلية يومية، لكن الطريق إلى هناك لم تعبّده الدولة التي تخشى استهداف آلياتها، فحضّرت للبابا واقعاً افتراضياً يخفي هشاشة هذا البلد خلف كاميرات عالمية تلتقط صوراً منمّقة لـ"زفت جديد ولمبة"

جاك يشعر أن زيارة البابا أتت متأخرة، إذ إن "الراعي لا يترك خرافه عند الأزمات"، وهو يطلب من رأس الكنيسة الكاثوليكية الالتفات إلى مسيحيي الجنوب، الأرض التي مرّ عليها السيد المسيح، أو مسيحيي الأطراف كما يطلق عليهم في لبنان.

ويضيف: "ربما نشعر حينها أنه صار في عنّا حماية، صار عنّا حدا عم بطلع فينا، لأنو المسيحية هون حاسين حالن متروكين".

ويختم بالقول: "ناطرينو بكثير اشياء، ناطرينو يعطينا شوية اندفاعة".

دعوة لزيارة القرى الحدودية

دعوات البابا لزيارة الجنوب تتكرر على لسان أهله الذين يتوقون لأمل يعيد قضيتهم إلى شريط الذاكرة، هذا ما أكدت عليه ملاك شريم، ابنة بلدة حولا في قضاء مرجعيون، التي تقول لرصيف22: "إن زيارة البابا في هذه الأوقات العصيبة، وفي ظل استمرار القصف والتهديد والاحتلال، تمثل فرصة نادرة لإيصال صوتنا إلى العالم".

وتضيف: "إنها بصيص أمل بأن قضايانا لن تبقى منسية، وأن معاناة الجنوبيين ستُروى كما هي، بلا تجميل ولا تجاهل".

ملاك التي احتل الإسرائيليون أرضها وجعلوا فيها مقراً لتسيير عملياتهم، اعتبرت أن هذه الزيارة هي "امتحان أخلاقي للمجتمع الدولي"، متسائلة عمّا إذا كان البابا سيقف إلى جانب الحق والإنسان أم سيكتفي بالتصريحات الدبلوماسية الرنانة.

وتمنت أن يسلط البابا لاون الرابع عشر الضوء بوضوح على "التكاتف الإسلامي المسيحي الذي يُشكّل جوهر لبنان تماماً، كما قال البابا يوحنا بولس الثاني، وسيبقى كذلك"، وبزيارة أرض الجنوبيين الذين "صُلبوا مرتين، مرة على مذبح الصهيونية، ومرة على مذبح التحريض والحقد الطائفي"، على حدّ قولها.

كذلك وجهت ملاك رسالة للبابا دعته فيها إلى زيارة جبل عامل والقرى الحدودية التي سُحقت وتعرّضت للدمار: "رغم الدمار سيستقبلك بحفاوة أهالي كفركلا، الخيام، الوزاني، حولا، عديسة، مركبا وغيرها. على ردم منازلهم. وستشتمّ رائحة الأرض التي ارتوت بدماء شهدائنا وشبابنا، دفاعاً عن أرضنا وعرضنا وشرفنا. زيارتك لهذه المناطق ستكون صوتاً لنا، ستنقل حقيقة واقعنا وحرماننا من حقنا في إعادة الإعمار والعودة إلى أرض القداسة التي سلكها سيدنا المسيح، المقاوم الأول، من قانا الجليل إلى القدس".

"رغم الدمار سيستقبلك بحفاوة أهالي كفركلا، الخيام، الوزاني، حولا، عديسة، مركبا وغيرها. على ردم منازلهم. وستشتمّ رائحة الأرض التي ارتوت بدماء شهدائنا وشبابنا، دفاعاً عن أرضنا وعرضنا وشرفنا.

هذه المعاناة تعيشها فاطمة يونس، ابنة بلدة بليدا التي خسرت أحد أفراد عائلتها في العدوان الإسرائيلي على لبنان.

فاطمة التي تعيش الخطر يومياً، ما زالت ترى في زيارة البابا بارقة أمل رغم كل ما مرت به: "منّام ومنفيق ونحن ناطرين دورنا بالموت"، وفق ما تقول لرصيف22.

وتضيف: "كإبنة الخط الحدودي، ناطرة من البابا يحمل صوتنا. ناطرته يشوف الحقيقة من أرضنا، ويشوف وجع الأهالي، ويطالب بوقف الإعتداءات".

وإذ تطالب فاطمة البابا بموقف صريح تجاه ما يحدث "ومش بس كلمات عامة"، على حدّ قولها، تؤكد أنها تنتظر منه أن يكون "صوت سلام حقيقي، مش رمز ديني فقط، شخص قادر يوصل وجعنا للمجتمع الدولي".

وتختم حديثها بالقول: "نحنا شعب بدو يعيش بكرامة وأمان، مش أكتر. وإذا جايي على لبنان ليرفع صوت الحق، فصوتنا بيقله: "هيدي أرضنا، هيدا ترابنا، هيدي بيوتنا".

زيارة إنسانية ومطالب ثابتة

الأهمية التي يوليها أهالي الجنوب، بمختلف طوائفهم، لزيارة البابا القائمة تحت صيحات الموت في قراهم، تنبع من رغبتهم بتحقيق الأمن والسلام، هدف الكنيسة الأسمى، ولكن ذلك لا يتحقق بزيارة بروتوكولية محصورة بمحطات رسمية، بل بزيارة لبنانية، إنسانية تمسّ كل تراب الوطن من أقصاه لأقصاه، بحسب ابن مدينة صور طلعت حرب الذي يقول لرصيف22: "الجنوب أرض الحياة التي تصرّ أن تبقى رغم كل شي، وهو بحاجة لحقيقة أن نسمي الأسماء بمسمياتها. الاعتداء اعتداء، والضحية ضحية".

ويتوجه للبابا بالقول: "سلامك الحقيقي يبدأ من المكان الذي لا يزال حتى الآن تحت التهديد. تعا شوف البيوت اللي فضيت من أهلها، والناس اللي بعدا معلّقة بين هدنة على الورق وقصف بالحقيقة. وجودك بالجنوب مش خطوة رمزية، هوي خطوة بتلمس الوجع مباشرة".

هذا ويعتبر طلعت أن زيارة البابا هي "فرصة لإعادة تعريف معنى العيش سوياً على أرض واحدة، رغم كل الخلافات والحدود والخوف الذي يتجدد كل يوم".

"سلامك الحقيقي يبدأ من المكان الذي لا يزال حتى الآن تحت التهديد. تعا شوف البيوت اللي فضيت من أهلها، والناس اللي بعدا معلّقة بين هدنة على الورق وقصف بالحقيقة"

ويشير إلى أنها "دعوة مفتوحة لثقافة الاعتراف بالآخر، وللعودة إلى المعنى الحقيقي للسلام. سلام يبدأ من احترام كرامة الناس، من أقصى الشمال لأقصى الجنوب".

ويختم بالقول إن زيارة البابا تشكل صرخة للعالم بأن لبنان لا يٌقاس بأزماته، بل بقيمته الإنسانية الكبيرة، التي تتمثل بإيجاد مساحات للتلاقي وسط العواصف.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

لا سلطان على الإنسان إلّا عقله

أُنزِلت الأديان رحمةً للعالمين، لكن هل كنّا نعلم أنّها ستُستعمل لمآرب متطرّفة لا تُشبه غايتها السامية؟ هل كنّا نعلم أنّها ستُستخدم ضدّنا، وعلينا، لتصبح خنجراً في الخاصرة، ليس بإمكاننا انتشاله كي لا يتفاقم نزفنا؟

بالإيمان الصوري، والتدين وجاهيّاً، والذكورية الصفيقة، والقداسة الموزعة "غبّ الطلب"؛ استعملت السلطات الدين، وسلّحته ضدّنا في العالم العربي، لتفريقنا، والسيطرة علينا وقمعنا.

"هذا ممنوعٌ وهذا مسموحٌ وذاك مرغوب، هذا حرامٌ وهذا حلال". لكن في رصيف22، شعارنا الوحيد هو "لا للعيش وفق تفسيرات الآخرين". 

Website by WhiteBeard
Popup Image