لم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري، حين دخل فريق العمل التلفزيوني بيتنا في مدنين.
أتذكّر أضواء معدات التصوير إذ استقرت فوق الأرائك المكسوّة بقماش اشترته أمي من سوق البالة، ونحن في مدينة تتزين فيها البيوت بالأقمشة الجميلة التي تأتي تهريباً من ليبيا. كما أتذكر الأسلاك التي امتدّت مثل جذور شجرة غريبة إلى قلب الصالون.
جلستُ أمام الكاميرا أشرح، بجدّ طفلة تأخذ دور العمدة على محمل الجد، كيف نحلم بطرق بلا حفر، وبمكتبة عموميّة تفتح أبوابها بعد الظهر، وبمشروع التشجير الذي أعمل عليه مع الأطفال بصفتي "عمدة المدينة" أو "رئيسة المجلس البلدي للأطفال".
تحدّثتُ أربعين دقيقة كاملة، بينما ظلّ أبي واقفًا عند العتبة، خارج الكادر، فقط لأنه رجل أمن، و"رجل الأمن لا يظهر" حتى لو كان أباً أحنّ من بَرَد آب/ أغسطس.
رجل الأمن يجب ألا يقرأ
حظي بقية الأطفال من مختلف محافظات الجمهورية بشرف مشاركة آبائهم وأمهاتهم في حلقات برنامج "إبداعات الطفولة"، إلا أنا وطفل آخر، يعمل والده في سلك الشرطة أيضاً.
لم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري حين دخل فريق العمل التلفزيوني بيتنا في مدنين، جلست أمام الكاميرا أشرح بجد طفلة كيف نحلم بطرق بلا حفر ومكتبة عمومية، بينما ظلّ أبي واقفاً خارج الكادر، لأنه رجل أمن، و"رجل الأمن لا يظهر"
ما زلت أغصّ في حزن شديد كلما شاهدت ذلك الفيديو الآن، وحين أتذكره تجرّني ذكراه نحو سلسلة من الأحداث المؤلمة جدًا بالنسبة لطفلة.
أعياد الأضحى التي لم يكن والدي حاضراً فيها بسبب العمل، وكيف كنا ننتظر أحد الجيران حتى يأتي ويذبح الأضحية.
مشهد والدي وهو يدفن الكتب في جوف الأريكة: رجل الأمن يجب ألا يقرأ. كان والدي يحذرني من اصطحاب زميلتي المحجبة إلى البيت، لأن ذلك قد يسبب لنا المتاعب.
يبدو المشهد اليوم كاستعارة مبكرة عمّا حدث للبلاد بعد ذلك بسنوات: ثمة مَن يُقرر من يقف في الضوء، ومن يبقى في العتمة. وقتها لم أفهم كلّ شيء، لكن القاعدة كانت واضحة جداً: الظهور منحة، لا حقّاً، وسحبها لا يحتاج إلى مبرّر يُقال بصوت مسموع.
عباد في تركينة
بعد العام 2008 بدأت أرى التشققات في جدار الدولة: بطالة تنتشر كعفن صامت، أسعار تناطح سقف السماء، وناس يُسحقون بالضرائب ثم يُطلب منهم التصفيق للتنمية.
كنت وأترابي نستمع إلى أغنية "عباد في تركينة" خلسة في أجهزة إم بي 3 وإم بي 4. عندما كنت أنتقد سوء الإدارة المحلية في المجلس الجهوي، باعتباري – وإن كنت طفلة – شخصاً منتخباً من قبل الأطفال، كان البعض يحرضون الإدارة ضد أبي، متهمين إياه ببث أفكاره عن طريقي، وبالتالي لا يمكن أن يكون شرطياً جيداً.
كان والدي يشجعني على القراءة ويحرضني على التفكير، ولكنه في الوقت نفسه كان يبث في نفسي مشاعر الخوف والرعب وعدم الاستقرار بسبب عمله الذي يمثل مصدر الرزق الوحيد لنا ولجزء من العائلة الكبرى لوالدي.
عندما دوّى رصاص اغتيال شكري بلعيد ثم محمد البراهمي، شعرت بأن شيئاً ما تمزق في صدر الثورة، كأنها خسرت جهازها المناعي في لحظة مفصلية من تاريخ تونس.
كبرت وأنا أعاني من ألم المعدة العصبية، نوبات متكررة ومزعجة تجعل حياتي تتوقف.
كنتُ أراقب هذا كلّه بعين صحافية لم تكن تعرف بعد أنّها صحافية، وأشمّ رائحة النهاية في عرق الجنوب قبل أن يصل الخبر إلى نشرات الثامنة مساء.
رواد الحزب الحاكم صاروا يتناقصون شيئاً فشيئاً، وأسواق مدينتي الجنوبية لا تعرف غير السلع المهرّبة من ليبيا.
زملائي في المعهد الثانوي يتركون الدراسة للعمل في التهريب.
ظهرت المدونات ومن بعدها فيسبوك، فصرنا نطّلع على سردية مغايرة لما تردده أغنية صفية صادق: "بالأمن والأمان يحيا هنا الإنسان".
ثم... ثورة الياسمين
حين انفجرت ثورة الياسمين في العام 2011، غمرتني نشوة لم أعرف لها مثيلاً، نشوة أن ترى كابوساً كبيراً يرفرف من الشرفة مثل ملاءة وُضِعت للشمس.
لم يكن بوسعي إلا أن أكون في صفّ من يهدم جداراً استبدّ لثلاثة عقود، وإن ظلّ لقبي «ابنة الشرطي» يعرّفني في مقاهي "الحامة" وطرقات الجامعة أكثر من اسمي.
اكتشفت سريعاً أنّ الثورة لا توزّع البراءة بالتساوي، وأنّ بعض رفاق الميدان يحاكمونك سلفاً استناداً إلى مهنة والدك.
أحدهم، وقد كان يعلّق الصور الفوتوغرافية لتروتسكي فوق سريره، استدان مني ثمن سجائره، وحين قلتُ له إنني أنتظر حوالة آخر الشهر، أجاب ساخراً: «أيتها البورجوازية المتعفنة». ضحكتُ بلا مرارة وقلت: «اعمل نادلاً بعد المحاضرات، وأثبت لي أن كفاح العمل التزام لا شعار». لم يكن في الجملة ازدراء؛ كان دفاعاً عن حقي في ألا أُختزل في وظيفة أبي، وعن الثورة نفسها كي لا تتحول إلى ساحة فرز أخلاقي يستعيد منطق النظام الذي أسقطناه للتو. لم أكن أفهم كيف أحاكَم بهذا الشكل القاسي من قبل شخص أنتمي وإياه إلى نفس الطبقة الاجتماعية.
مرّ عامان على اختبار النوايا، رأيت الثوار أنفسهم يهرولون إلى لجان التعويض قبل أن تجف دماء الشهداء، ورأيت اليساريين يجلسون على مائدة الإسلاميين ثم يُرمون بالكفر يوم صار للصوت الديني أجنحة تأخذه إلى صناديق الاقتراع.
وجدت نفسي العام 2019 على متن طائرة إلى جيبوتي، حيث شعرت لأول مرة أن أحداً لا يطارد لقبي، وأن بوسعي أن أكون بنت الشرطي وبنت الثورة
وعندما دوّى رصاص اغتيال شكري بلعيد ثم محمد البراهمي، شعرت بأن شيئاً ما تمزّق في صدر الثورة، كأنّها خسرت جهازها المناعي أو حمضها النووي في لحظة مفصلية من تاريخ تونس. لحظة حلمت بأن يراجع الجميع فيها أنفسهم، وأن يترك رئيس الحزب منصبه الذي يشغله منذ ثلاثين عاماً لشاب عشريني. كانت الخيبة تتمكن مني يوماً بعد يوم، والاتهامات تحاصرني من كل مكان.
ومع ذلك لم أتخلَّ عن إيماني بأن بقاء الاستبداد جريمة، وأنّ الثورة، مهما اختُطفت، ليست ذنباً يجب أن نتوب عنه.
كنت فقط بحاجة إلى فضاء لا أضطر فيه للدفاع عن اسم العائلة كل صباح.. إلى مكان يستقبلني بصفتي زينب فحسب.
هكذا وجدت نفسي العام 2019 على متن طائرة متجهة إلى جيبوتي. وجهة بدت غير مفهومة ولا مبررة للكثيرين، بل وبدت حتى انتحارية عند البعض.
جيبوتي، ذلك البلد الصغير المجاور لإثيوبيا والصومال، الموسوم بصورة نمطية إطارها الفقر والمجاعة والصراع مع دول الجوار.
كما لو أنّني قررت أن أولد من جديد في طرف العالم، لكنني هناك شعرت للمرة الأولى أن أحداً لا يطارد لقبي ولا يسألني: إن كنت "مع النظام" أو "ضده". بحر خليج عدن يبتلع التصنيفات بنسيمه الحارّ، والمدينة الصغيرة تسمح للغريب أن يذوب في الحشود دون أن تلح في السؤال عن ماضيه. الميناء جعلها مدينة تألف الغرباء فيألفونها.
في جيبوتي، أمسكتُ الكاميرا مجدداً، ولكن بشروطي أنا. صرت أصوّر أقدام المهاجرين الإثيوبيين، وهي تعبر الملح الحارق، أستنطق وجوه البحّارة اليمنيين التي غزتها التجاعيد قبل الأربعين، وأطارد ضحكة امرأة جيبوتية تحيك السلال من سعف النخيل تحت شمس الظهر الحارقة.
كل لقطة كانت استعادة لحقٍ صادرته مني ذات يوم كاميرا "رسمية" خافت من ظهور أبي.
هنا، وبعيداً عن حسابات التعويض وشبهات الولاء، عثرتُ على ما يشبه المصالحة مع النفس: أستطيع أن أكون بنت الشرطي وبنت الثورة، بلا حاجة لأعتذر عن الأولى ولا لأبصق على الثانية.
هذا هو تاريخي.. وهذه هي هويتي. أمارس فعل استعادتها بقدر المستطاع عبر الكتابة، والتصوير، وكذلك العلاج النفسي.
أعرف أنّ كثيرين ممن عبروا السياج الحديدي في مطار تونس قرطاج لديهم قصص أفدح وخرائط أشدّ تعقيداً. لكنّ تجربتي، بمعناها الصغير، تقول شيئاً عن صراع أوسع: إننا كلما حاولنا تنظيف المشهد من "الأسماء غير الملائمة" سرّعنا عودة الشبح الذي نريد نفيه.
الاستبداد يعيش في التفاصيل، في فكرة أن بعض الأصوات "أقلّ أهلية" لأن تُمنح لها منابر لتروي قصصها، وأن بعض الوجوه يجب أن تبقى وراء الكاميرا حيث يقف أبي منذ العام 2007.
وهذا ما عايشته عندما درست الصحافة في الكلية، ثم عند ممارستي للمهنة، شهدت على نشر معلومات مغلوطة وخطاب الكراهية والتكفير العلني في وسائل الإعلام العمومية والخاصة. وحتى البرامج الحوارية كان أغلبها يفتقد إلى التوازن والموضوعية من حيث الضيوف.
كان من الصعب أن نعثر على مادة إعلامية تحلل ملف التنمية مثلاً بشكل عقلاني دون عبارات مثل: الأزلام، المخلوع، البائد… كل هذا شوّه فكرة الثورة في ذهني وسلبها تعريفها الأقرب إلى قلبي: تغيير نحو الأفضل.
الثورة التي لا تتسع لهذا الخليط ستكتشف، متأخرة كالعادة، أن الحرية لا تُرَقّع بثأر رمزي ولا تُبنى على تعويضات مالية، بل على اعتراف متساو بحق الجميع في الحكاية.
حين أسجّل اليوم مقابلة مع مهاجرة إثيوبية تمر عبر جيبوتي، أو شاب يمني مهاجر يبيع البطاطا المقلية على عربة في "سوق الذباب"، أتذكر وقوفي أمام مرآة الخزانة في غرفة أمي وأقلّد أوبرا وينفري، التي كنت مغرمة بها في طفولتي على شاشة إم بي سي 4، أو شيرين أبو عاقلة، التي كان والدي يحبها جداً، وكان يناديني لأستمع إليها على شاشة الجزيرة. كلها ظهرت.
اليوم، لم يعد يؤلمني أن أكون خارج الشاشة الرسمية ولا الشاشة الأكثر مشاهدة، ما دام بوسعي أن أفتح نافذة بديلة، لأن الكاميرا التي ترفض أن يظهر من خلالها أب، لأن السلطة لا توافق على ذلك، ستجد نفسها خارج التاريخ. بينما الحكاية المكتومة ستجد يوماً ما فضاء تكشف فيه عن نفسها، حتى لو هاجرت إلى جيبوتي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.