في غزة لا يوجد ما هو حلو، ولا ما ينعش القلب. لا متعة في الطعام، ولا فسحة في الشراب. فمنذ عامين من حرب الإبادة على القطاع، يأكل أهله العدس وحده، بلا خبز، ولا يشبع أحد في حرب التجويع والمقتلة المفتوحة.
مع الوقت، وبسبب الحصار الإسرائيلي القاسي، غابت البضائع عن أسواق غزة، ولم يتوافر منها سوى القليل بأسعار جنونية، إذ وصلت المواد الغذائية إلى مائة ضعف ثمنها، بل وتجاوزتها أحياناً. ومع توقف سوق العمل منذ بدء الحرب، وخسارة معظم المواطنين مصادر دخلهم، صار الحصول على تلك البضائع ضرباً من المستحيل.
مدينة دون سُكّر
انهارت غزة كما لو أنها مربعات "بازل" تالفة. ولم يعد لرب العائلة قدرة على تحدي هذا الانهيار، فوقع الجميع في فخ التجويع والغلاء. تساقطت رموز الحياة في غزة مثل أوراق خريف مشؤوم.
انعدمت الشوكولاتة والسكاكر من الأسواق، وإن وُجدت فهي تباع بأسعار فلكية، فوصل ثمن قطعة الشوكولاتة الواحدة إلى 15 دولاراً، بعدما كانت تباع بنصف دولار قبل الحرب. أمّا كيلو السكر، فارتفع إلى 150 دولاراً بعدما كان يباع قبل الحرب بخمسين سنتاً.
أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية تقريراً حذّرت فيه من نوع معين من المثلجات يباع على العربات، مؤكدة أنها مكوّنة من ماء وملوّنات ومادة الـ "Sucralose"، ما يعرّض مناعة الأطفال وصحتهم لأخطار جسيمة
بسبب جشع التجار ورسوم التنسيق الباهظة التي يفرضها الاحتلال، حُرم معظم السكان من أبسط الحاجات الحلوة. صار كأس الشاي بالنعناع أو الميرمية حلماً بعيد المنال. قبل أيام، اشتريتُ أوقية سكر، وحين أعددتُ بها كوبين من الشاي، لاحظت أن لونه معكّر، ثم تحوّل إلى البنفسجي مع الوقت. كان السكر مغشوشاً بمادة مجهولة.
في ظل تفكك أمني وغياب أي رقابة حكومية بعد أن دمّر الاحتلال مؤسسات غزة الرسمية، انتشرت حالات الغش والخداع، بعدما أمنَ المنفلتون سوء العقاب.
ماذا يشتري الأطفال؟
في هذه الظروف القاسية، يلجأ معظم الأطفال إلى شراء العصائر المجمّدة، المحلّاة بالقليل من السكر الصناعي، علّها تمنحهم لحظة متعة.
يتجوّل الباعة المنهكون في شوارع غزة، ينادون: "حلو وطيب… شراب العصير الساقع"، بينما في الخلفية تمر جنازة شهيد أو ينفجر قصف قريب.
يتهافت الصغار على كيس الشراب المجمّد بثُلث دولار، علّهم ينسون الجوع. هو أقصى ما يستطيع رب العائلة دفعه لإسكات تذمّر أبنائه من غياب الطعام والحلويات. لكن بعد التجربة، لاحظ السكان طعماً مراً غريباً في مذاق الشراب، ما أثار جدلاً حول مصدره وصلاحيته.
أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية مؤخراً تقريراً حذّرت فيه من تلك المثلجات، مؤكدة أنها مكوّنة من ماء وملوّنات مضافة إليها مادة الـ "Sucralose" (سكر اللوز الصناعي)، التي "لا علاقة لها باللوز، ولا تحمل أي قيمة غذائية، ويُمنع بيعها دون بطاقة بيان واضحة"، ما يشكّل مخالفة صحية جسيمة.
يتجوّل الباعة المنهكون في شوارع غزة، ينادون: "حلو وطيب… شراب العصير الساقع"، بينما في الخلفية تمر جنازة شهيد أو ينفجر قصف قريب
كل طفل يتناول تلك الجرعة من الشراب لا يعلم أنها تفتك بمناعته، وتدمّر البكتيريا النافعة في معدته. على المدى البعيد، سيغدو هشّاً، مهدداً بالأمراض، وربما النزلات المعوية القاتلة.
هكذا يمضي الموت في أجساد الغزيين ببطء، كأفعى تعرف طريقها. انتصار لإسرائيل بلا رصاصة، وقتل فلسطينيين في صمت، دون إدانة أو ضجيج.
الأنا حبكة الصراع
مع انهيار غزة، تراجعت قيم التكافل الاجتماعي، وصارت "الأنا" حبكة الصراع. بائع العصير المحلّى بالمواد الصناعية يذهب نحو أطفال الحي ليقتلهم ببطء، ينادي كقدَر محتوم، فيركض الطفل بجسده الهزيل، ويمد يده بالمال الزهيد ليفرح قليلاً.
لكن البائع لا يسأل نفسه: هل أقبل أن يسقط طفلي في هذا الفخ؟
هكذا تمضي غزة إلى هاوية يرعاها الاحتلال، عبر سقوط أخلاقي وتمزّق النسيج الاجتماعي. وفي ظل غياب الرقيب وتراكم الضغوط، صار الغش والخداع سلوكاً يومياً، وصارت الحيلة والأنانية ملاذاً للبقاء.
كي تعود غزة رحيمة بأطفالها، يجب أن تتوقف الحرب، ويعود الأطفال يجرون في شوارعها وبأيديهم السكاكر والألعاب. لا مفرّ من الحكمة والقوة لوقف هذه المقتلة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.