يُنشر هذا النص ضمن ملف "لنتخيّل"، وهو ملف مفتوح يضمّ نصوصاً، مدوّنات، قصصاً، مقابلات، وتقارير صحافية، يتيح مساحة للخيال ولضرورته، سواء في تخيّل ماضٍ بديل، أو واقعٍ مختلف، أو مستقبلٍ نودّ أن نعيش فيه، أو ذاك الذي قد يُفرض علينا.
نستيقظ كل صباح لنكذب؛ نكذب على المرآة التي ترينا هرماً لا نعترف به، ونكذب على زوجاتنا في أنّ طبخهنّ شهيّ، ونكذب على رؤسائنا بأننا مشغولون للغاية، ونكذب على أنفسنا بأننا سنبدأ الحياة الجديدة المنظمة غداً. لم يخطر ببالنا أنّ هذه الكذبات الصغيرة هي ما يجعل الحضارة البشرية متماسكةً، إلى أن اختفت فجأةً.
في ليلة السابع من نيسان/ أبريل عام 2040، وبينما كان زعماء العالم يتفاوضون على معاهدات سلام وهمية، ودعاة البيئة يحذّرون من كوارث مناخية، وشركات التكنولوجيا تعدنا بمستقبل ورديّ، ظهر تحول بيولوجي غامض. هذا التحول، الذي أُطلق عليه "الطفرة الصادقة"، كان خللاً جينياً جعل الكذب مستحيلاً بيولوجياً لدى البشرية جمعاء.
بين ليلة وضحاها، أصبح البشر عاجزين عن نطق ما يتعارض مع معتقداتهم الداخلية. كان الأمر أشبه بانتشار فيروس الصدق المطلق، وربما هذا ما جعله أكثر فتكاً من أيّ وباء عرفته البشرية. لم يقتل الأجساد، بل دمّر الأنظمة والعلاقات والمؤسسات التي قامت على الكذب المنظّم لآلاف السنين.
يقول بعض العلماء إنّ هذه الطفرة كانت نتيجةً حتميةً لعصر ما بعد الحقيقة، ذلك العالم الذي أغرق نفسه في الأخبار الكاذبة والحقائق البديلة والتضليل الرقمي، حتى بلغت سمّيته درجةً جعلت الطبيعة نفسها تتمرد. أما العلماء المتشككون، فيرون فيها طفرةً عشوائيةً، أو ربما تلاعباً جينياً خرج عن السيطرة. لكن النتيجة كانت واحدةً: انهيار حضاري لم نشهد له مثيلاً.
وسط هذا الانهيار الشامل، شهد العالم السياسي صدمةً لم يسبق لها مثيل أيضاً. "أكره هذا الشعب الغبيّ!"؛ هكذا بدأ زعيم عربي خطابه المتلفز للأمة بعد يومين من الطفرة، وكأنّه يرتكب انتحاراً سياسياً علنياً. اللحظات التالية كانت مزيجاً من دراما عبثية وكوميديا تراجيدية: تلعثم، عرق، ارتجاف، ثم محاولة يائسة لتصحيح ما فلت من لسانه: "أقصد، لا أقصد، أنا بالفعل، أنتم، يا إلهي!".
في العام 2040 ظهر تحول بيولوجي غامض. أُطلق عليه "الطفرة الصادقة"، كان خللاً جينياً جعل الكذب مستحيلاً بيولوجياً لدى البشرية جمعاء. فأصبحوا عاجزين عن نطق ما يتعارض مع معتقداتهم الداخلية
وبما أنّ أول من يغرق هم الفئران، انسحب الوزراء والمستشارون من القاعة كالمذعورين، تاركين رئيسهم يتخبط كسمكة مقطوعة الرأس على المنصة. نسيت الكاميرا أن تنقطع، والشعب الذي لطالما اتُّهم بالغفلة شاهد ملحمة سقوط الهيبة المزيفة في بث مباشر.
على الجانب الآخر من العالم، لم يكن الوضع أفضل. اعترف الرئيس الروسي أمام كاميرات التلفزيون الرسمية: "غزونا أوكرانيا لا لحماية أيّ أقليات، بل لأنني أريد استعادة أمجاد الإمبراطورية السوفياتية قبل موتي، وأخشى أن يتذكّرني التاريخ كرجل سمح بتفكك روسيا".
أما الزلزال الحقيقي، فكان في تل أبيب، حيث انهار رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مؤتمر صحافي عالمي، بعد أن عجز عن نطق عبارة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". بدلاً من ذلك، خرجت من فمه كلمات لم يستطع إيقافها: "ما نقوم به احتلال ممنهج، ونظام فصل عنصري، ومحو للهوية الفلسطينية. قصصنا عن الأمن كانت دائماً ستاراً للتوسع الاستيطاني وسرقة الأراضي".
لم يتوقف هناك، بل استمرّ في نوبة الصدق غير المتوقعة: "لم نردّ السلام يوماً، رفضنا كل مبادرات التسوية سرّاً بينما كنّا ندّعي العكس علناً. لقد خدعنا العالم عقوداً طويلةً".
هذه الموجة من الاعترافات السياسية امتدّت عبر القارات. في اجتماع طارئ لمجلس الأمن، حدث ما لم يكن متوقعاً قطّ. المندوب الأمريكي، الذي كان يهمّ باستخدام الفيتو ضد قرار لوقف العدوان على غزة، وقف مذهولاً ثم أعلن: "لا أستطيع التصويت ضد هذا القرار. نحن نعلم أنّ إسرائيل ترتكب جرائم حرب، وبرغم ذلك نمدّها بالسلاح. سبب دعمنا المطلق هو نفوذ اللوبي الصهيوني في واشنطن وتبرعاته للحملات الانتخابية".
صمت قاتل ساد القاعة، ثم انفجرت بالتصفيق الحادّ من مندوبي الدول العربية والإفريقية. للمرة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة، صدرت قرارات بالإجماع ضد إسرائيل، وبدأ تنفيذها على الفور.
في غضون 72 ساعةً، استقالت 43 حكومةً حول العالم. هرب رؤساء دول بملابس نومهم وحقائب مليئة بالمجوهرات والعملات النقدية، بينما اعترف وزراء المالية بمليارات الدولارات المختلسة، ووزراء الدفاع بصفقات الأسلحة المشبوهة، ووزراء الإعلام بعقود من التضليل المنهجي.
المشهد الأكثر إثارةً كان في اجتماع مجلس الجامعة العربية، حيث وقف الأمين العام ليقول: "هذه المنظمة عديمة الجدوى. لم تحلّ مشكلةً واحدةً منذ تأسيسها".
المشهد الأكثر إثارةً كان في اجتماع مجلس الجامعة العربية، حيث وقف الأمين العام ليقول: "هذه المنظمة عديمة الجدوى. لم تحلّ مشكلةً واحدةً منذ تأسيسها. نصدر بيانات فارغةً ونلتقط صوراً تذكاريةً، ثم نعود لنتآمر على بعضنا. صمتنا عن مجازر فلسطين كان بتوصية أمريكية. ووثائق التضامن مع القضية الفلسطينية نحصل على رواتبنا مقابل توقيعها ثم دفنها في الأدراج".
بهذا الشكل، تبيّن أنّ الكذب لم يكن مجرد انحراف أخلاقي، بل كان العمود الفقري للنظام السياسي العالمي. الدبلوماسية نفسها انهارت، لأنّ جوهرها كما اعترف سفير بريطاني في لحظة صدق قاتلة، هو "الكذب من أجل الوطن". رأينا نظاماً عالمياً مبنياً على قرون من الأكاذيب والمصالح الخفيّة ينهار في أسبوع واحد، كقصر رملي ضربته موجة هائلة.
لكن الانهيار لم يقتصر على المجال السياسي فحسب، بل امتدّ ليشمل النسيج الاجتماعي بأكمله. "تزوّجتك لأنّ عائلتك ثرية"؛ جملة قالتها زوجة لزوجها في الصباح التالي للطفرة، لتجد نفسها في المساء تجمع حقائبها للعودة إلى منزل ذويها.
"أكره رسوماتك، وأتظاهر بالإعجاب بها"؛ اعتراف أب لابنه الصغير، ليغرق الطفل في بحر من الدموع لا ينتهي.
"دعوتكِ إلى حفل زفافي فقط لأنّ والدتي أصرّت"؛ قالتها عروس لصديقتها التي كانت تساعدها في اختيار فستان الزفاف.
في الشهر الأول للطفرة، ارتفعت نسبة الطلاق بنسبة 74%. انهارت 61% من الصداقات. تفككت عائلات بأكملها. تضاعفت معدلات الانتحار. أصبحت المجاملات الاجتماعية، تلك الزيوت التي تسهّل احتكاك البشر ببعضهم بعضاً، مستحيلةً. فجأةً، اكتشفنا أنّ الروابط الإنسانية ليست مبنيةً على الحب والاحترام كما نزعم، بل على شبكة معقدة من الأكاذيب اللطيفة والصمت الإستراتيجي.
تغيرت طبيعة التفاعلات اليومية بشكل جذري. في المقاهي، أصبح النادل يخبر الزبون: "قهوتنا رديئة ومعادٌ تسخينها، وأنا أبصق أحياناً في فناجين الزبائن الوقحين". في المتاجر، الباعة يعترفون: "هذا المنتج سينهار بعد أسبوعين، لكن مديري أخبرني بأن أصفه بالمتين". في الجامعات، الأساتذة يقرّون: "نصف المراجع في أبحاثي لم أقرأها، وأعطي درجات أعلى للطالبات الجميلات".
اختفت المجاملات التقليدية تماماً. استحال السؤال البريء "كيف تبدو هذه الملابس عليّ؟"، فخاً قاتلاً. توقف الناس عن سؤال "كيف حالك؟"، لأنّ الإجابات أصبحت مفصّلةً ومؤلمة. استُبدلت العبارات الاجتماعية المعتادة بصمت ثقيل أو تجنّب النظر في عيون الآخرين.
وسط هذا الخراب الاجتماعي، برزت ظاهرة غريبة: علاقات جديدة نشأت على أنقاض القديمة. علاقات أقلّ عدداً لكنها أعمق وأصدق. أزواج اعترفوا بخيانات وخيبات، ثم قرروا المضي قدماً بشروط جديدة. أصدقاء تبادلوا الانتقادات المريرة، ثم اكتشفوا أنهم يحترمون بعضهم أكثر بعد ذلك. عائلات مزّقتها اعترافات موجعة، ثم أعادت بناء روابطها على أسس أكثر متانةً.
وبعد سبع سنوات من الطفرة، وجد العالم نفسه أمام مفترق طرق حاسم؛ انقسم البشر إلى معسكرَين: المتكيّفون مع الصدق المطلق، والساعون إلى استعادة القدرة على الكذب.
دول كاملة أعادت تنظيم أنظمتها السياسية حول الشفافية القسرية. ظهرت أنظمة انتخابية جديدة تسمح للمرشح بالكلام لمدة دقيقتين فقط، ثم يُجبر على الإجابة عن أسئلة مباشرة: "هل ستفي بوعودك؟"، "ما هي مصالحك الشخصية من هذا المنصب؟"، و"ما هي أكبر نقاط ضعفك؟". فاز في الانتخابات من اعترفوا بجهلهم وحدود قدراتهم، وخسر المدّعون والمبالغون.
تغيّر وجه الاقتصاد العالمي بشكل جذري كذلك. انهارت صناعات قائمة على الوعود الكاذبة: مستحضرات "مكافحة الشيخوخة"، برامج "الثراء السريع"، "علاجات التخسيس المعجزة"، و"الاستثمارات المضمونة". في المقابل، ازدهرت صناعات الجودة الحقيقية، والخدمات ذات القيمة الفعلية.
لكن المعسكر الآخر كان يعمل بجدٍّ لإيجاد مخرج من سجن الصدق المطلق. شكلت الحكومات المتبقية "اللجنة العالمية لاستعادة التواصل الإستراتيجي" (اسم ملطّف للكذب). أنفقت مليارات الدولارات على أبحاث في علم الأعصاب وتعديل الجينات، أملاً في إيجاد "علاج" للطفرة الصادقة.
طورت هذه اللجنة تقنيةً مثيرةً للجدل: "إعادة برمجة المعتقدات الداخلية"، حيث يمكن للشخص أن يقنع نفسه تماماً بأنّ كذبةً ما هي حقيقة، وتالياً يستطيع نطقها.
سياسي يريد القول إنّ الاقتصاد بخير؟ عليه أولاً أن يخضع لجلسات تنويم وتلقين حتى يؤمن بذلك فعلاً.
المعسكر الآخر كان يعمل بجدٍّ لإيجاد مخرج من سجن الصدق المطلق. شكلت الحكومات المتبقية "اللجنة العالمية لاستعادة التواصل الإستراتيجي" (اسم ملطّف للكذب). أنفقت مليارات الدولارات على أبحاث في علم الأعصاب وتعديل الجينات، أملاً في إيجاد "علاج" للطفرة الصادقة
نشأت حركة مقاومة شعبية تسمّى "أبناء الحقيقة"، تعارض هذه المحاولات وتعدّها "انتكاسةً حضاريةً". شعارها: "سبع سنوات من الألم، لكن ألف سنة من التقدّم". يرون في الطفرة الصادقة هديةً إلهيةً أنقذت البشرية من نفسها.
في المقابل، ظهرت حركة "الحرية الكلامية"، التي ترى في الكذب حقاً أساسياً من حقوق الإنسان. حجتها: "الخيال والفن والأمل نفسه… تتطلب القدرة على تخيّل ما ليس حقيقياً بعد".
حتى الأديان تأثرت بهذا التحول الجذري. اختفى المتاجرون بالإيمان، وبقي المؤمنون الحقيقيون. أصبحت المساجد والكنائس والمعابد أقل عدداً وأكثر إخلاصاً. اعترف رجال الدين بشكوكهم وحيرتهم، ووجدوا أنّ المؤمنين يحترمونهم أكثر لصدقهم.
في نهاية المطاف، ربما كانت الطفرة الصادقة هي أكبر اختبار واجهته البشرية: هل نحن مستعدّون حقاً للعيش في واقع عارٍ من الأوهام المريحة؟ هل يمكن بناء عالم على أساس الحقيقة وحدها، مهما كانت مؤلمةً؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.