صناعة الآخر... الهوية كسلاح سياسي

صناعة الآخر... الهوية كسلاح سياسي

سياسة نحن والتطرف نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 29 أغسطس 202519 دقيقة للقراءة

لماذا يبدو من السهل علينا أن نقتل الآخر؟ ولماذا يصبح موته حدثاً عابراً لا يحرِّك في البعض إلّا الرغبة بقتل المزيد من الآخرين؟ ألسنا جميعاً بشراً نتقاسم الهواء نفسه ونحمل المخاوف ذاتها؟ كيف يمكن لجارٍ عاش معنا لسنوات أن يتحوَّل فجأة إلى عدوٍّ يجب التخلص منه، ولرفيقٍ في الوطن أن يصير غريباً يهدّد وجودنا؟ كيف يُمكن لحاجتنا للتعريف بالذات أن تتحوَّل في لحظاتٍ إلى لعنةٍ جماعية؟ كيف يمكن أن يتراجع الوعي بالمصالح المُشتركة، ويتقدَّم الخوف ليُعيد رسم الحدود، ويتحوَّل الوطن إلى ثقبٍ أسود يبتلعُ الجميع؟

تُجسَّد مأساة السويداء في تموز/ يوليو 2025 مثالاً واضحاً على كيفية صناعة الآخر وتحويل الشراكة الوطنية إلى عنفٍ جماعي مُنظَّم. لم تكن الانقسامات بين الطائفتين الدرزية والسُنية في سوريا انقسامات هوياتية، بل كانت في الأساس توترات سياسية-اجتماعية حول إعادة بناء الدولة بعد سقوط نظام الأسد، تحوّلت تدريجياً إلى هويّات مُتصارعة تحت تأثير العِناد السياسي والتدخلات الخارجية. 

استغلت النخب المحلية وبعض القوى الإقليمية هذه التوترات لبناء خطاب سياسي صوَّر "كلّ" الدروز كأعداء للوطن ودعاة للانفصال، بينما صُوِّر "كلّ" السُنّة كجماعة إقصائية ترفض العيش المُشترك. هذا التلاعب السياسي الإعلامي الذي بدأ بمقطع صوتي غير معروف المصدر، أدَّى بدوره إلى مذبحة في أحياء جرمانا وصيدنايا ذات الغالبية الدرزية في ريف دمشق. بعدها بأسابيع تم تحويل حادثة اعتداء مسلحين من البدو على شاحنة خضار على طريق دمشق-السويداء، إلى حملة عسكرية قامت بها قوات تابعة للسُلطة الانتقالية في دمشق بالتعاون مع بعض العشائر السنية، لينتهي المشهد بمجزرة أودت بحياة المئات من المدنيين من أبناء الطائفة الدرزية، وهجَّرت الآلاف من البدو، وجرّت تدخل إسرائيلي عقّد المشهد أكثر ودفعه باتجاه المزيد من الانقسام والتَمترُس.

وجود "الآخر" ظاهرة طبيعية لا تنفصل عن البنية الاجتماعية، إذ لا يمكن للهوية أن تتشكل في فراغ، بل تقوم بالضرورة على علاقة بالغير. فلماذا يبدو من السهل علينا أن نقصي الآخر ونلغيه تماماً أو حتى نقتله؟

بالمحصلة، كل هذه السلسلة من الأحداث لم تكن بريئة، بل كانت عملية مُحكمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي. بحيث يصبح العنف ضدَّ "الآخر" مُبرَراً، ويوضِّح مدى سهولة تحويل أبناء الوطن الواحد إلى أعداء وجوديين خلال أيامٍ معدودة، عندما تتضافر الظروف السياسية مع آلة الدعاية الطائفية والشحن المذهبي.

هل "الآخر" ظاهرة طبيعية؟

يُعَدّ وجود "الآخر" ظاهرة طبيعية لا تنفصل عن البنية الاجتماعية، إذ لا يمكن للهوية أن تتشكل في فراغ، بل تقوم بالضرورة على علاقة بالغير. وكما بيّن الفيلسوف الأمريكي جورج هربرت ميد في نظريته عن الذات والآخر، فإنَّ "إدراك الفرد لذاته لا يتحقق إلّا من خلال التفاعل مع الآخرين، حيث يُعيد الفرد إنتاج صورته عبر أعينهم في عملية مُستمرة من التقدير والانعكاس" ("العقل والذات والمجتمع"، 1934). 

على المستوى الجمعي، يرى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم أنَّ المجتمعات تُرسِّخ تضامنها عبر وضع حدود تفصلها عن جماعات أخرى، وهو ما يمنح أفرادها شعوراً بالانتماء ويجعل الهوية الجمعية أكثر تماسكاً ("تقسيم العمل الاجتماعي"، 1893). غير أن هذا الارتباط لا يقتصر على التمايز الرمزي، بل يتجاوز ذلك ليؤدي وظيفة اجتماعية أساسية، إذ أنَّ الاعتراف بالآخر يُمكّن الأفراد من بناء معايير للسلوك ويمنح الجماعة إطاراً مرجعياً لتحديد القيم المشتركة.

في هذا المقال البحثي سنرى كيف أنَّ تحويل الهوية الطبيعية في سوريا إلى سلاح سياسي لم يحدث بين ليلةٍ وضحاها، بل كان عملية مُعقَّدة من البناء الاجتماعي للواقع، تتضمن إعادة تعريف من "نحن" ومن "هم"، وما هي الحدود بين المجموعات، وما هي التهديدات التي تواجه "هويتنا".

صورة الشرق ومشروع الهيمنة الاستعمارية

في كتابه "الاستشراق" (1978)، بيّن إدوارد سعيد كيف أنّ صورة "الشرق" في الخطاب الغربي لم تكن مُجرَّد وصفٍ موضوعي لواقع جغرافي وثقافي، بل كانت بناءً خطابيّاً يخدم مشروع الهيمنة الاستعماريّة. "الشرق" كما صوَّره المستشرقون، وفقاً لسعيد، لم يكن موجوداً بالفعل، بل كان اختراعاً ثقافيّاً يُلبّي حاجة الغرب إلى تعريف نفسه في مُقابل "آخر" مُتخلِّف، استبدادي، غير عقلاني، جنسي، وخطير. 

استند إدوارد سعيد في أطروحته إلى مجموعة واسعة من النصوص الأدبية والفكرية والفنية والسياسية التي أنتجها الغرب عن الشرق منذ القرن الثامن عشر، ليبيّن أنها لم تكن وصفاً موضوعيّاً، بل بناءً خطابياً يخدم الهيمنة الاستعمارية. فقد اعتمد على كتابات الرحالة والأدباء مثل فلوبير وشاتوبريان التي صوّرت الشرق فضاءً غرائبياً مليئاً بالشهوة والعنف، وعلى دراسات المُستشرقين الأكاديميين مثل إرنست رينان التي وصفت العقل "الشرقي" باللاعقلانية والجمود، وعلى تقارير إداريين استعماريين مثل اللورد كرومر، الذي اعتبر الشرقي متقاعساً وعاجزاً عن الحكم الذاتي، فضلاً عن لوحات المُستشرقين التي جسّدت الشرق كعالم نساء وحرملك وسحر.

لم تمرّ فكرة سعيد حول الاستشراق دون جدل. فقد رأى فيها بعض المُستشرقين والمفكرين الغربيين، كبرنارد لويس وروبرت إرفن، تعميماً مُفرطاً وتشويهاً، مُتَّهمين سعيد بإسقاطات سياسيّة على ما اعتبروه نتاجاً علميّاً. حتَّى داخل بعض الأوساط العربيّة، وُجّه له نقدٌ لعدم تقديمه بديلاً معرفيّاً واضحاً، أو لتغييبه نقد الذات. مع ذلك، وبالرغم من وجاهة بعض هذه الانتقادات وواقعيتها، تبقى قوَّة أطروحة سعيد في وصفها لعمليّة بنيويّة ظلّت فاعلة لعقود، وهي أنَّ الاستعمار عبر مؤسّساته الإعلاميّة والأمنية والسياسية، اختار الجانب المُظلم لصورة الشرق على حساب الجانب المُضيء أو بالأحرى على حساب فكرة أنًّ كل أمّة لها جانبين، لكنًّه اختار صورةً على مقاسه، صدّرها للعالم بوصفها حقيقة، مسوّقاً لنفسه باعتباره النموذج، وللآخر باعتباره استثناءً يحتاج إلى الترويض.

الاستشراق الأمريكي وأدواته الحديثة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتشكيل الأمم المتحدة وما تبعهما من انتشارٍ للفكر التحرري حول العالم، تجلّت فترة انحسار الاستعمار وانتهاء الإمبراطوريات بمفهومها القديم. غير أنَّ هذا الانحسار للنفوذين السلطوي والعسكري تمَّ استبدالهما بنفوذين ثقافي واقتصادي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. بهذا، يُمكننا إطلاق تسمية "الاستشراق الأمريكي" على هذه الفترة إن جاز التعبير. وكما استخدم الاستعمار القديم الخطاب المعرفي لصناعة الشرق، فإنَّ الثقافة الشعبية (هوليوود تحديداً) واصلت الدور نفسه في تكريس صورة الآخر، لكن بوسائل حديثة أكثر مُتعةً وجماهيرية.

لتوضيح هذه الجُزئية بشكلٍ أفضل، يبدو المرور بالبحث الذي عمل عليه الباحث الأمريكي من أصول لبنانية جاك جورج شاهين ممرّاً إلزامياً. جاك الحائز على بكالوريوس في الفنون من معهد كارنيغي للتكنولوجيا ودرجة الدكتوراه من جامعة ميزوري، طرح عام 2006 فيلمه الوثائقي "العرب الأشرار: كيف تشوّه هوليوود شعباً"، من إخراج سوت جهالي وإنتاج ميديا إديوكيشن فاونديشن. يُعَدّ هذا الفيلم امتداداً للكتاب الذي يحمل نفس العنوان، والذي يُحلّل كيف تُفسد هوليوود أو تتلاعب بصورة العرب. يقوم الوثائقي بتحليل 1000 فيلم تحتوي على شخصيات عربية أو مُسلمة، أُنتِجت بين عامَي 1896 و2000، حيث كانت الغالبية العظمى منها (936 فيلماً) تصوّر هؤلاء الشرقيين بصورة سلبيّة. ويُجادل الفيلم بأنَّ تشويه صورة العرب في السينما الأمريكية موجود منذ الأيام الأولى للسينما الصامتة، ولا يزال حاضراً في أكبر إنتاجات هوليوود حتَّى يومِنا الحاضر.

تحويل الهوية الطبيعية في سوريا إلى سلاح سياسي لم يحدث بين ليلةٍ وضحاها، بل كان عملية مُعقَّدة من البناء الاجتماعي للواقع، تتضمن إعادة تعريف من "نحن" ومن "هم".

في المرَّة الأولى التي شاهدت فيها فيلم جاك جورج شاهين، كُنت قد انتهيت توّاً من مشاهدة سلسلة الأفلام الشهيرة "سيد الخواتم" (The Lord of the Rings) بأجزائها الثلاثة. ويمكنني القول بأنَّ هذه التُحفة الهوليوودية، مثالٌ حيٌّ على استمرار البُنية الاستشراقية في المِخيال الغربي. ففي هذه الملحمة السينمائية المُمتعة، ينهض ساورون وجيوش الأورك والهارادريم (ذوو الملامح والملابس "الشرقية") القادمين من موردور والجهات الشرقية البعيدة، بينما يُصوَّر الغرب باعتباره معقلَ الخير والنظام والعقل، مُتمثّلاً في المدينة "البيضاء" (Minas Tirith) وبطولة شعوب "غوندور" و"روهان". هذه الثُنائيَّة الجغرافية–الأخلاقية تُعيد إنتاج صورة مألوفة: الشرق فضاء مُظلِم وتهديديّ مدعوم بالسّحر وقوى الشر، مُقابل الغرب المُتحضّر الذي يُمثّل عالم الرجال ويحمي الحُريَّة. الخُلاصة هُنا، أنَّ مثل هذه الأعمال الفانتازية ليست بريئة من حمولة رمزيَّة، بل تُسهم في ترسيخ تصوّرات ثقافية تُحاكي الانقسام الاستشراقي بين شرقٍ متوحِّش وغربٍ نبيل.

هُنا، ليس من الدقّة اعتبار أن صورة "الشرقي" المشوَّهة في السينما الهوليوودية استثناء خاصّ بالعرب والمسلمين، بل شكّلت جزءاً من بُنية خطابية أوسع سعَت إلى إنتاج صورة نمطيَّة لأي خصم جيوسياسي أو ثقافي يُهدِّد المركز الغربي. المثال الأوضح على ذلك يظهر في الصورة النمطية للروس. فقد تحوّلت السينما الأمريكية إلى أداة موازية للأيديولوجيا السياسية، تُقدّم المواطن الروسي ككائن مُتخلف، إمّا قاتل مأجور، أو ضابط عسكري متعطش للدماء، أو بيروقراطي متحجّر. هذه الصور لم تنتهِ بانهيار الاتحاد السوفياتي، بل أعيد تدويرها في تسعينيات القرن العشرين ومطلع الألفية عبر ثيمات جديدة أبرزها "المافيا الروسية" و "الهاكر الروسي" و "العاهرات الروسيات".

بهذا المعنى، يتبيّن أنّ الحالة "الآخريّة" الشرقية ليست حالة معزولة، بل جزء من ديناميكية أوسع تتكرر كلما احتاجت المخيّلة الغربية إلى "آخر" يُحدّد هويتها بالضدّ منه، وهوليوود، باعتبارها أداة سردية وثقافية كبرى، عملت على إعادة تشكيل الوعي الجمعي الغربي لجعله يشعر بأقل قدر ممكن من التعاطف مع قضايا "الآخر" والممارسات اللاإنسانية التي قد يتعرَّض لها.

أنظمة ما بعد الاستعمار وإعادة إنتاج الآخر 

بعد أُفول الاستعمار التقليدي، هيمنت على الشرق نظرة كراهيّة واستعداء للغرب المُستعمِر، مصدرُها جراح تاريخية أثخنت الجسد المشرقي، وقضية فلسطينيّة مُشتعلة تركت فيه الكثير من السرديات الداعمة لهذا العداء. المُفارقة هُنا، أنَّ السُلطات الحاكمة في "شرق ما بعد الاستعمار" تبنّت الآليّة نفسها التي تبناها الاستعمار في التعامل مع مجتمعاتها، وبدلاً من مُقاومة منطق الاستشراق وتفكيكه، تعلّمت منه وأعادت توظيفه داخليّاً لصناعة "آخرين" محليين يمكن إقصاؤهم وشيطنتهم. هناك دائماً "آخر" مُتخلّف، غير عقلاني، خطير، يهدد الاستقرار و "الهويّة"، في سعيٍ حثيث إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بحيث يُصبح المجتمع نفسه شريكاً في عمليَّة الإقصاء.

سوريا… تحويل الكرد من مواطنين إلى "مُتسلِّلين"

في يوم الخامس من تشرين الأول/أكتوبر عام 1962 وقف المزارع السوري من أصول كردية محمد علو أمام موظف الإحصاء السوري في قرية عامودا بمحافظة الحسكة، حاملاً أوراقه الثبوتية التي تؤكِّد ولادته في سوريا عام 1920. لكنَّ الموظف، وفقاً لتعليمات صارمة من دمشق، سجله كـ"أجنبي مُتسلِّل" من تركيا لأنَّه لا يتحدث العربية بطلاقة. في تلك اللحظة، لم يكن محمد يدرك أنَّه يشهد ولادة آليَّة جديدة لصناعة "الآخر"، آليَّة ستحوِّل مئات آلاف السوريين الكرد، من مواطنين إلى عديمي جنسية بجرَّة قلم.

يشكل الكرد نحو 8.5 إلى 10 في المائة من سكان سوريا. هذه المجموعة العرقية لها تاريخ طويل في المنطقة يمتد لقرون، خاصّةً في الحسكة والقامشلي وعفرين. لكن مع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي للسلطة في الستينيات، بدأت عمليّة منهجيّة لإعادة تعريف هويّة هذه المنطقة وسكّانها عبر مراحل متعددة:

اللحظة المحورية كانت في عام 1962، عندما أجرت الحكومة السورية إحصاءً "استثنائياً" فقط في محافظة الحسكة. هذا الإحصاء، الذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر عام 1996 بعنوان "سوريا: الكرد المُخرَسون"، بأنَّه "مُزيف"، كان في الواقع آليَّة مدروسة لإعادة تصنيف المواطنين السوريين الكرد. 

أدّى هذا الإحصاء إلى تجريد عشرات الآلاف من الكرد من حقوق المواطنة، حيث قُسّموا إلى فئة "الأجانب" وعددهم بين 120 و150 ألفاً سُجّلوا في دفاتر خاصَّة وحصلوا على بطاقات حمراء تثبت هويتهم دون أن تمنحهم حقوقاً أساسية كالتملك أو العمل أو السفر، وفئة "المكتومين" وهم أبناء عديمي الجنسية أو من لم يُسجَّلوا أصلاً، أي الذين لم يُقيَّدوا في أي سجل رسمي ولم يُعترف بوجودهم قانونيّاً، وقد قُدّر عددهم بين 75 و100 ألف في الثمانينيات والتسعينيات ليتجاوز 200 ألف قبل عام 2011 مع تراكم الأجيال. هؤلاء حُرموا من أبسط الوثائق المدنية، فعاشوا حالة محو كامل من المجال القانوني والإداري. (الأعداد الواردة بحسب تقرير هيومن رايتس ووتش بتاريخ 9 شباط/ فبراير 2009 بعنوان "قمع الحقوق السياسية والثقافية للكرد في سوريا" وتصل الى 517 ألفاً في تقرير "سوريون من أجل العدالة والحقيقة"، الصادر عام 2019).

"الآخر" المُستبعَد في سوريا ليس ثابتاً، بل يتغيَّر حسب الظروف السياسية ولحظات الخطر التي تواجهها السُلطات المُهيمنة. تكشف هذه المرونة في تحديد "الآخر" أنَّ الهدف ليس "حماية هوية حقيقية من تهديد حقيقي، بل صناعة تهديد وهمي لتبرير سياسات حقيقية". الهوية هُنا تصبح أداةً في يد السُلطة

المرحلة الثانية تمثَّلت في مشروع "الحزام العربي" الذي بدأ التخطيط له أواخر الستينيات، ونُفِّذ بشكل فعلي عام 1973، حيثُ تم توطين نحو 10000 عائلة عربية (ما يقارب 50 ألف نسمة) في 41 قرية على طول الحدود التركية، مما خلق "حاجزاً بشرياً" بين الكرد السوريين والأتراك، وخلق مشهداً بصرياً يومياً يؤكد بأنَّ المنطقة "عربية" وأنَّ الوجود الكُردي "طارئ". هذه العملية خلقت "آخر" عربي مُحاط بأغلبية كرديّة في منطقة الحسكة، و"آخر" كُردي محاط بأغلبية عربية في سوريا ككُل.

أما المرحلة الثالثة، فوضَّحتها الدراسة الأكاديمية التي أجرتها نورا الشرقاوي عام 2017 حول "الهوية وتلاعبها السياسي في سوريا"، وكشفت كيف قام حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة حافظ الأسد بصناعة "الآخر الكردي" من خلال منع استخدام اللغة الكُردية في الحياة اليومية، وإزالة الأسماء الكردية للقرى والمعالم الجغرافية من الخرائط الرسمية. الهدف كان محو أي دليل على الوجود الكردي التاريخي في المنطقة.

بحلول التسعينيات، نجحت هذه الآليّات في إعادة تشكيل الوعي الجمعي السوري بشكلٍ جذري. استطلاعات الرأي غير الرسمية والشهادات الشخصية تُشير إلى أنَّ جزءاً كبيراً من المجتمع السوري أصبح يرى الكرد كـ"مشكلة ديموغرافية" تحتاج لحلّ، وليس كمواطنين "لهم حقوق بحاجة للحصول عليها". المطالب الكُردية بالحقوق الثقافية واللغوية باتت تُعتبر تهديداً "للهوية العربية للدولة"، وسياسات التعريب والتوطين العربي باتت "ضرورات أمنية" لحماية سوريا من "التفكك العرقي". الأهم من ذلك، أنَّ المجتمع السوري لم يعد يرى هذه السياسات كظلمٍ يجب مقاومته، بل كإجراءات طبيعية ومبررة.  

"آخر" حسب الطلب

لا تكتمل الصورة في المثال السوري دون الإشارة إلى أنَّ "الآخر" المُستبعَد ليس ثابتاً، بل يتغيَّر حسب الظروف السياسية ولحظات الخطر التي تواجهها السُلطات المُهيمنة. تكشف هذه المرونة في تحديد "الآخر" أنَّ الهدف ليس "حماية هوية حقيقية من تهديد حقيقي، بل صناعة تهديد وهمي لتبرير سياسات حقيقية". الهوية هُنا تصبح أداةً في يد السُلطة، تُشكّل ويُعاد تشكيلها حسب الحاجة السياسية.

الكُرد في سوريا لم يكونوا وحدهم في هذا الموقع. فقد تعرّض العرب السُنة منذ أواخر السبعينيات لحملة قمع مُنظَّمة، صُوّروا خلالها كعدو داخلي يتآمر مع الخارج، وانتهت هذه المواجهة بمجزرة حماة عام 1982 التي حوّلت جزءاً كبيراً من الطائفة السنيّة إلى "آخر أمني". في الوقت نفسه، وُضع الدروز في جبل العرب تحت رقابةٍ أمنية مشدَّدة، واعتمد في التعامل معهم منهجية قائمة على منح امتيازات لبعض المجموعات على حساب أخرى، وإبقاء الجميع في حالة من التنافس الخاضع لسيطرته. فيما جرى التعامل مع بعض العشائر العربية في المنطقة الشرقية باعتبارها عناصر خارجة عن الضبط الوطني، مرتبطة بالتهريب أو بولاءات عابرة للحدود لامتدادها الطبيعي في العراق والخليج العربي. أمّا المسيحيون فتم تحويلهم إلى سلعة للمُتاجرة بهم مع الخارج، فكانوا "الآخر المُدلل" أمام حفنة من الآخرين المُضطهدين. حتَّى الطائفة العلوية نفسها، ورغم صعودها إلى السلطة عبر عائلة الأسد، وتحولها تلقائياً إلى " الآخر المدعوم"، لم تسلم هي الأخرى من إنتاج "آخر داخلي"، إذ استُخدمت انقساماتها ثقافية كأداة ضبط للولاءات، فتمَّ نبذ البيوتات العلوية التي انتجت فكراً دينيّاً ووطنيّاً مثل محمد سليمان الأحمد ويوسف حمدان ومحمد الطويل وعبد الرحمن الخيّر وعبد العزيز الخيّر وغيرهم. وتمَّ تصويرهم كجسد غريب لا ينتمي إلى مُخرجات التوجيه الثقافي الخاص بالنظام.

كل هؤلاء كانوا جُزءاً من عملية واسعة هدُفَت إلى إعادة تشكيل المجتمع السوري عبر إنتاج "آخرين" مُتعددين، كلٌّ حسب مقتضيات المرحلة السياسية والأمنية، ما سمح للنظام بتبرير هيمنته لأكثر من خمسين عاماً، عبر تعميم الخوف من الجميع ضد الجميع. والأخطر من هذا كُله هو أنَّ هذه التصورات تغلغلت في عقول الجميع عبر الأجيال المُتعاقبة، حتى باتت تُشكل هويتهم الفعلية على الأرض.

هكذا تحوّلت الدولة في "الشرق الأوسط" إلى أكبر مُنتِج للهوية ومُحدِّدها الأساسي. إنتاج، لم يتم عبر بناء مشروع جامع يتَّسع للتنوع، بل عبر آلية مزدوجة: تأكيد هوية مُهيمنة من جهة، ونفي هويات أخرى من جهة ثانية. الهوية هنا لا تُعرّف بما تضمه، بل بما تستبعده وتنفيه. 

بعبارة أخرى، يمكن فهم هذه الآليّة من خلال نظرية بنديكت أندرسون حول "المجتمعات المُتَخيَّلة". حيثُ يرى أندرسون أن الأمم هي "مجتمعات مُتَخيَّلة" لأنّها "تُصوّر كمجتمعات محدودة ومتماسكة" رغم أنَّ مُعظم مكوِّناتها لن يلتقوا أبداً. لذلك نرى أنَّ كل سُلطة مُهيمنة تروِّج لهوية مُتخيَّلة للبلد، تدَّعي بأنّها أصيلة وثابتة: هويّة عربيّة، هويّة إسلامية، هويّة فرعونيّة، هوية أمويّة، هوية فينيقية، أو هويّة حُسينيّة. لكن الأهم من هذه الهوية المُعلنة هو ما تنفيه وتستبعده: من هو المواطن "الحقيقي" ومن هو الدخيل؟ من يحق له المشاركة في الحياة العامة ومن يجب إقصاؤه؟ من يُمثّل "الأصالة" ومن يمثل "التغريب"؟ هذا التخيُّل يتطلب آليّات مؤسسية تشمل النظام التعليمي، والإعلام الرسمي، والمؤسسات الأمنية والدينيّة والطقوس الوطنية، والقوانين التي تحدد من ينتمي للمجتمع ومن لا ينتمي إليه.

هكذا أصبح "ابن الإثنية الأُخرى" تهديداً للهويّة الوطنيّة، و" ابن الطائفة الأُخرى" خطراً على الوحدة الوطنيّة، و"العلماني" عدواً للهوية الدينية، و"المُتديّن" تهديداً للحداثة، و"النسوي" تحدِّياً للقيم الأصيلة، و"الليبرالي" عميلاً للخارج. القائمة طويلة ومتجددة، وكلُّ "آخر" يحمل الصفات نفسها التي ألصقها المُستشرقون.

عندما تصبح الهويّة مشروعاً إقصائيّاً، فإنَّها تفقد قدرتها على التجدد والنمو. تصبح هويّة دفاعيّة، مُحاصَرة، تخشى التفاعل مع الآخر لأنَّها تعرف أنَّ هذا التفاعل سيكشف هشاشتها وتناقضاتها الداخليّة

الخلاصة والخاتمة

في كتابه "لا مستوطن ولا مواطن" الصادر عام 2020، يذهب المُفكر والأكاديمي الأوغندي محمود ممداني إلى أنّ الدولة الخارجة من رحم الاستعمار، أعادت إنتاج المجتمع من خلال تقسيمه إلى فئات تُدمَج باعتبارها "المواطن الشرعي"، وأخرى تُنفى إلى موقع "الآخر" الذي يُعامَل باعتباره خطراً داخليّاً دائماً. بهذا المعنى، فإنّ "الأغلبية" و"الأقلية" ليستا مُعطيَّين طبيعيَّين مرتبطَين بالعدد أو الديموغرافيا، بل هما بناءان سياسيان تشكّلا عبر آليّات الدولة وخطابها.

ما يقترحه ممداني في هذا السياق هو تجاوز هذه الثنائية جذريّاً. فكما أنّ "المستوطِن والمستعمَر" صُنعا معاً ضمن منطق استعماري واحد، فإنّ "الأغلبية والأقلية" في دول ما بعد الاستعمار هما نتاج لآليّة سياسية لا يمكن أن تكون أساساً لمشروعٍ وطنيٍّ جامع. من هُنا، يمكننا أن نستنتج بأنّ المُشكلة لا تكمُن في من يحكم (أغلبية أم أقلية)، بل في إمكانية خلق تصوّر جديد للمواطنة يتجاوز هذه الثُنائيّة ويُعيد إدماج جميع الفئات باعتبارهم شركاء متساوين في المجال العام. 

لو عُدنا إلى الجدليّة الهيغليّة لنطرح سؤالاً جوهريّاً: هل يمكن تصوّر هويّة حقيقيّة دون "آخر"؟ الجواب، بحسب هيغل هو: "لا". لكن السؤال الأهم هو: ما نوع العلاقة التي نريد إقامتها مع هذا "الآخر"؟ هل نريده شريكاً في جدليّة الاعتراف المُتبادل، أم عدوَّاً يجب الخلاص منه؟

يبدو أنَّ الكثير من الأنظمة في منطقتنا حتّى بعد الثورات التي قامت بها الشعوب وما نتج عنها من سقوط لبعض الأنظمة "القديمة"، قد اختارت الطريق الثاني، وهو طريق مسدود. فعندما تصبح الهويّة مشروعاً إقصائيّاً، فإنَّها تفقد قدرتها على التجدد والنمو. تصبح هويّة دفاعيّة، مُحاصَرة، تخشى التفاعل مع الآخر لأنَّها تعرف أنَّ هذا التفاعل سيكشف هشاشتها وتناقضاتها الداخليّة.

في منطقتنا، نحتاج إلى إعادة تصوّر جذريّة لمفهوم الهويّة. هويّة تتسع للتنوع بدلاً من أن تخشاه، تحتضن الصراع الفكري، وتعترف بـ"الآخر". هذا لا يعني إلغاء الخصوصيات الثقافيّة أو التاريخيّة، بل يعني بناء هويّة ديناميكيّة قادرة على التفاعل والتطور.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منذ البداية، لم نخاطب جمهوراً... بل شاركنا الناس صوتهم.

رصيف22 لم يكن يوماً مشروع مؤسسة، بل مشروع علاقة.

اليوم، ونحن نواجه تحديات أكبر، نطلب منكم ما لم نتوقف عن الإيمان به: الشراكة.

Website by WhiteBeard
Popup Image