حتى إذا انساقت الحكومة اللبنانية وحزب الله إلى "صدامٍ"، يعكس مدى إصرار كل طرف على اعتناق رؤاه الخاصة في ما يتعلق بملف حصر السلاح في يد الدولة اللبنانية، تظلّ القضية حبيسة رهانات إقليمية ودولية، تسعى إلى إعادة صياغة وفرض واقع جيوسياسي جديد على لبنان. فإما التجاوب مع ورقة المبعوث الأمريكي توماس باراك المدعومة إسرائيلياً، عبر تفكيك حزب الله ونزع سلاحه، أو تموضع البلاد خلف مصير قاتم، يعيد شبح الاقتتال الداخلي، ويحرم الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع اللبنانيين من إعادة الإعمار، ويستدعي حرباً أهليةً جديدةً خمدت نيران سابقتها في تشرين الأول/ أكتوبر 1990.
ربما حملت تصريحات باراك والسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، خلال زيارتهما الأخيرة لبيروت، جانباً من هذا المضمون؛ فالوسيطان الأمريكيان عمدا إلى إبراز مزايا سحب سلاح حزب الله مع تهديد مبطّن بأن البديل هي "الحرب الأهلية"، وذلك بإشارة الأول إلى تفادي الحرب الأهلية في لبنان، والتأكيد على ضرورة أن تقدّم إسرائيل في موازاة ذلك خطةً للانسحاب من البلاد، موضحاً أنّ "نزع سلاح الحزب لن يكون بالضرورة ذا طابع عسكري". أما غراهام، فبعد مباحثات مع الرئيس جوزيف عون في قصر الرئاسة، صرّح بأنّ "أيّ نقاش حول انسحاب إسرائيل سيكون بلا جدوى ما لم يُنزع سلاح حزب الله".
تكرّر المضمون في اليوم التالي، الثلاثاء 27 آب/ أغسطس الجاري، حيث قال باراك إنّ السلطات اللبنانية ستقدّم، في 31 آب/ أغسطس الجاري، خطةً لإقناع حزب الله بالتخلّي عن سلاحه، فيما ستحدّد إسرائيل إطاراً لانسحابها من لبنان في المقابل، مستدركاً: "لا يتحدث الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية عن حرب. إنهما يتحدثان عن كيفية إقناع حزب الله بالتخلّي عن الأسلحة".
لم يخفّف من ضغط المبعوثَين الأمريكيَين في مسألة سحب السلاح سوى انفلات باراك، وتطاوله على الصحافيين عقب لقاء الرئيس عون في قصر بعبدا، ما أثار ردود فعل غاضبةً وواسعةً في لبنان أدت إلى اضطراره إلى إلغاء جولته في الخيام وصور على وقع الاحتجاجات ضدّه. وقد عزت تحليلات لهجة الموفد الأمريكي العنيفة إلى أنّ عروج باراك وغراهام من تل أبيب إلى بيروت، كفل شحنهما بمشاعر سلبية حيال طرفَي الملف الحساس في لبنان؛ الحكومة وحزب الله.
يقول على مراد لرصيف22 إن حزب الله، بعقيدته العسكرية ونظرته السياسية للأمور، فشل تماماً في منع إسرائيل من تدمير لبنان؛ بل إنه بخياراته العسكرية والإستراتيجية لا بد أن يتحمَّل مسؤولية التدمير الذي يتعرض له لبنان حيث بات سلاح الحزب عبئاً على البلاد، وعلى قدرتها في مواجهة الخطر الإسرائيلي
سبب إضافي محتمل لهذا الشحن ربما يتمثّل في استباق زيارتهما بتصعيد من قِبل أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ضد الولايات المتحدة، وعدّه الورقة الأمريكية "حركةً لتخريب لبنان، ودعوةً إلى الفتنة"، ولا سيّما أنّ واشنطن تفرض إلى الآن عقوبات على لبنان وتحرمه من الغاز، وتعمل ليل نهار من أجل منع الإعمار وإعادة الإعمار، على حدّ قوله. أما بخصوص إسرائيل، فأشار قاسم إلى "نواياها التوسعية بإشراف أمريكي آثم"، ورأى أنّ الحكومة "إذا استمرت بهذه الصيغة، فليست أمينةً على سيادة لبنان". لكن ما لفت الانتباه أكثر في حديث قاسم، داخل لبنان وخارجه، هو تحذيره من أنه لن تكون هناك "حياة" في لبنان إذا حاولت الحكومة مواجهة الحزب، أو إجباره على تسليم السلاح.
يكشف البند السابع في ورقة باراك، عن نوايا واشنطن وتل أبيب غير المعلنة حيال مستقبل لبنان، إذ ينصّ على "تحديد مهلة لا تتجاوز شهرين لتقديم الحكومة اللبنانية خطةً تنفيذيةً واضحةً، والشروع في جمع سلاح حزب الله، مع تحذير صريح بأنّ البديل هو قيام إسرائيل بعمليات عسكرية لتدمير السلاح".
في المقابل، طالبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إسرائيل بـ"ترشيد غاراتها على لبنان 'مؤقتاً'، تعزيزاً لقرار الحكومة اللبنانية"، الرامي إلى الشروع في خطوات نزع سلاح حزب الله، وفق ما أفاد موقع "أكسيوس" الأمريكي.
ترتيبات سرّية لإقامة منطقة عازلة في الجنوب
وبينما تواصل إسرائيل احتلال خمس مناطق في جنوب لبنان تصفها بأنها "إستراتيجية"، يزداد إحكام الخناق الأمريكي-الإسرائيلي حول رقبتي الحكومة اللبنانية وحزب الله معاً، وهو ما يقف خلف حدَّة التصريحات المتبادلة بين مجلس الوزراء اللبناني من جهة، وقيادة حزب الله من جهة أخرى، وعزّزه انتباه الرئيس جوزيف عون إلى ما جرى تسريبه عن ترتيبات سرّية أمريكية-إسرائيلية، تتعلّق بنيَّة تل أبيب إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان، وهو ما لم تتضمّنه ورقة باراك، ولم تعلم به حكومة لبنان على المستوى الرسمي، حسب تصريح عون.
ولا يغيب عن واشنطن وتل أبيب مدى حساسية دخول لبنان مجدداً في دوامة نزع سلاح حزب الله، ولا سيّما أنّ هذه المرة ليست الأولى، فقد جرت محاولات لحسم هذا الملف أكثر من مرة بعد عام 2000، خاصةً بعد "ثورة الأرز" عام 2005، وحرب تموز/ يوليو عام 2006، واتفاق الدوحة عام 2008. إلا أنّ هذه المحاولات باءت جميعها بالفشل.
إذا كان حزب الله استطاع بالفعل تركيب معادلة ردع، استمرت من عام 2006 حتى 2023، لكن هذه المعادلة وبمعزل عن تكلفتها الداخلية على لبنان، كانت جزءاً من منظومة إقليمية؛ وبينما استطاعت فعلياً خلق توازن؛ لكن الثمن كان مكلفاً جداً على الداخل اللبناني. اللبنانيون، حسب الباحث القانوني الدكتور علي مراد الذي يضيف: "دفعوا الثمن مرة من خلال الكلفة العالية لتثبيت حزب الله وسلاحه، وأخرى حين استمر هذا الدور حتى مرحلة عامي 2011 و2012، عندما بدأت تدخلات الحزب في سوريا وفي مناطق أخرى من الإقليم، ما أكد أن ذلك يعد جزءاً من مشروع إقليمي يهدف إلى الدفاع عن إيران".
ويوضح مراد لرصيف22: "حزب الله بعقيدته العسكرية ونظرته السياسية للأمور، فشل تماماً في منع إسرائيل من تدمير لبنان؛ بل إنه بخياراته العسكرية والإستراتيجية لا بد أن يتحمَّل مسؤولية التدمير الذي يتعرض له لبنان؛ ولا سيّما أن الواقع الذي يفرض نفسه على البلاد اليوم، فضلاً عن الخسارة التي تعرَّض لها الحزب بشكل ساحق في الجنوب، يؤكد أنه لم يعد قادراً بالمعني الإستراتيجي على حماية لبنان، وبالتالي بات سلاح الحزب عبئاً على البلاد، وعلى قدرتها في مواجهة الخطر الإسرائيلي".
مصلحة لبنان تتقدم على بقاء سلاح حزب الله
الخطر الإسرائيلي يراه مراد مثل كل اللبنانيين حقيقي وجدِّي، لكن السؤال بات وفق تقديره: كيف نحمي لبنان من الهيمنة والجنون الإسرائيلي، وليس كيف يبقى سلاح حزب الله، إذ لم يعد سلاح الحزب لاعباً إقليمياً، بالإضافة إلى عجزه حتى عن حماية نفسه قبل حماية الجنوب. ويردف مراد: "زد على ذلك أن إسرائيل اتخذت في حربها قراراً بعدم احتلال مساحات واسعة برياً، كما كان عليه الحال في السابق، وبالتالي لم يعد هناك حاجة للحزب، خاصة بعد موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار الأخير".
وفي ما يخصّ دور الولايات المتحدة في لعب دور الوسيط المنحاز لإسرائيل، يرى مراد أن انحياز واشنطن ليس وليد اليوم، لكن النقاش حالياً لا ينبغي أن يدار حول ما تحاول الولايات المتحدة فرضه، بل حول مصلحة لبنان في الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، ووقف الاغتيالات والاعتداءات، وإعادة إعمار الجنوب، والتعافي الاقتصادي. إزاء تحقيق كل هذه المصالح لم ولن يساهم حزب الله؛ لذلك بات على لبنان البحث عن مظلة سياسية دولية، تسمح بتقديم ضمانات كافية أمام إسرائيل، ولا سيّما في ظل نجاعة تفعيل ورقة الضمانات في ملفات إقليمية ودولية مثل: حماس مع قطاع غزة، وأوكرانيا مع روسيا، وكذلك الاتفاق في يوغوسلافيا، بحسب مراد.
لكن دوافع واشنطن وتل أبيب تتقاطع في هذا الخصوص مع سرديات إقليمية منافسة، وفيما يصرّ الطرف الأول -أي الولايات المتحدة وإسرائيل- على تفكيك "محور الممانعة"، لا يتنازل الطرف الثاني -أي إيران وأذرعها- عن محاولات إعادة بناء قدرات المحور ذاته. "بلا شك، نجح الطرف الأول في استهداف قادة الصف الأول في حزب الله، عقب عمليات استخباراتية نوعية، وهو ما أدّى إلى إضعاف الحزب، واهتزاز صورته الذهنية والعملياتية، لكن ذلك لا يعني إجهاض محاولات تعافي المحور، أو مصادرة حقه في مقاومة إسرائيل كقوة احتلال تحت أي مسمى أو تسوية"، حسب الباحث والخبير في الشؤون الشرق أوسطية، د. حاتم الجوهري.
الصراع على نزع سلاح حزب الله يظلّ عالقاً بين كفّتين: الأولى دولية، تسعى إلى خلق شرق أوسط جديد، والأخرى تحاول ترسيخ فكرة المقاومة، ووسط هاتين الكفّتين تكمن الأزمة الحقيقية في عدم تطوير الذات العربية رؤيةً بديلةً لفكرة المقاومة، حسبما يرى الجوهري
عدم تطوير الذات العربية رؤية بديلة لفكرة "المقاومة"
يقول الجوهري لرصيف22: "تضغط الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً من أجل تغيير الطبقة السياسية في لبنان، ومن ثم إعادة دمج حزب الله في بنية الدولة الخاضعة بالأساس للاتفاقات مع واشنطن ومن ورائها تل أبيب. لكن ذلك لا يتوافق مع رؤية الحزب لمستقبل المقاومة، ويغاير تماماً قناعات إيران، الداعمة الأولى للحزب، والتي بدأت بالفعل بتوجيه رسائل سياسية من خلال الحوثيين في اليمن، عبر إطلاق أول صاروخ متعدّد الرؤوس على إسرائيل. كما أعلنت مؤخراً عن مجموعة جديدة من الصواريخ، التي لم تُستخدم في حرب الـ12 يوماً أمام إسرائيل، فضلاً عن إجراء مناورات بحرية إيرانية، تأهباً لمواجهة عسكرية محتملة مع إسرائيل".
"الصراع على نزع سلاح حزب الله يظلّ عالقاً بين كفّتين: الأولى دولية، تسعى إلى خلق شرق أوسط جديد، والأخرى تحاول ترسيخ فكرة المقاومة، ووسط هاتين الكفّتين تكمن الأزمة الحقيقية في عدم تطوير الذات العربية رؤيةً بديلةً لفكرة المقاومة، خاصةً أنّ آخر رؤية كانت عام 2002، وهي مبادرة السلام السعودية، ما جعل الحكومات العربية حالياً حبيسة معسكرَين: إما معسكر اتفاقات أبراهام، الذي يتبنّى وجهة النظر الأمريكية-الإسرائيلية (الغرب بوجه عام)، أو معسكر ما كان يسمَّى بدول القومية العربية (العراق، سوريا، ومصر)، وهذه الدول لم تطوِّر سرديةً بديلةً أيضاً، وتصرّ على العمل بآليات إدارة التناقضات والمستجدات المؤقتة"، يضيف الجوهري.
موقف إسرائيل من نزع سلاح الحزب
برغم التنسيق القائم بين واشنطن وتل أبيب حول حتمية نزع سلاح حزب الله، والحديث المتكرّر عن ضغط إسرائيل في هذا الاتجاه، لا يستبعد أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة قناة السويس، الدكتور سامح عباس، انعدام رغبة إسرائيل في تمرير الخطوة في سياق تطلّعها إلى مزيد من الفوضى في المشهد اللبناني، وتعظيم خطاب التحريض ضد الفكرة ذاتها.
في حديثه إلى رصيف22، يشرح عباس وجهة نظره، قائلاً: "لا ترغب حكومة اليمين الإسرائيلي في استقرار 'دول الجوار'، خاصةً في ظل عقيدتها الأمنية، التي تعتمد على تعزيز النزاعات الداخلية، وإشعال الصراعات السياسية والطائفية بما يضمن ضعف الدول وتفكيك بيئتها الجغرافية. ولعلّ سابقتَي النهج الإسرائيلي مع الأكراد في العراق، والدروز في سوريا، لا تبتعد كثيراً عن إستراتيجيتها في لبنان".
ويبدي عباس اندهاشه إزاء إعلان إسرائيل دعمها بناء لبنان مستقر بجيش قوي، وقد كانت ولا تزال أكثر الضالعين في إرباك البيئة اللبنانية، مردفاً: "منذ قيام الكيان الإسرائيلي وهو يعتمد سياسة إضعاف الجيوش العربية، فلم يترك فرصةً إلا وانقضّ على الجيش العراقي وكذلك السوري. لا يخفى على المراقبين والعامة أيضاً شكوى إسرائيل من تعاظم قوة الجيش المصري، ودعوات تل أبيب المتواترة وتحريضها ضد أيّ قوة عسكرية محيطة".
ويتساءل عباس: "ما ضمانة انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني إذا تجاوب حزب الله مع ورقة توماس باراك؟ وهل تسمح الورقة ذاتها وداعموها بتسليح الجيش اللبناني وتعزيز قوته بما يردع إسرائيل، ويحول دون تمدد زحفها الجغرافي وخروقات جيشها على خطوط التماس مع دول الجوار؟"، فيما يستنكر التفاف قوى إقليمية ودولية حول الورقة الأمريكية، مطالباً التيارات الفاعلة داخل لبنان وخارجه بوضع صيغة جديدة لخلق بيئة متوازنة، تدفع لبنان نحو الاستقرار الحقيقي، وتتفادى مشروعات خارجية تهدّد الإقليم برمّته.
"تأهّب إسرائيلي للتبكير في توجيه ضربة ساحقة للحزب"
ربما تجد وجهة نظر عباس، ما يدعمها إسرائيلياً بالنظر إلى رؤية العقيد الإسرائيلي المتقاعد جاك نيريا، الذي يشير في مقاله المنشور عبر موقع "المركز المقدسي للشؤون الخارجية والأمنية"، إلى إستراتيجية إسرائيل التي لا تقبل القسمة على اثنين، مؤكداً أنّ رفض حزب الله التخلّي عن سلاحه، وعجز حكومة لبنان عن السيطرة عليه، يفرضان على إسرائيل تبكير توجيه ضربة ساحقة للحزب، وإجباره في نهاية المطاف على الاستسلام أو التفاوض.
وبلهجة القاضي والجلَّاد، يرى المحلل العسكري الإسرائيلي، أنّ حزب الله لن يتنازل عن سلاحه، خاصةً في ظلّ تحسُّبه من احتمالات مواجهة التهديد القادم من سوريا، كما حدث في الفترة ما بين 2011 و2013. وفي استقراء يحمل صيغة التمنّي، حذّر نيريا، أيضاً، من توتّرات لبنانية مشابهة لما بعد الاحتفالات في طرابلس التي أشادت بنظام أحمد الشرع، فضلاً عن تحليلات -لم ينسبها الكاتب الإسرائيلي إلى مصدر- تفيد بأنّ طرابلس، ذات الغالبية السنّية، قد تنضم إلى سوريا يوماً ما، على غرار وضعها قبل عام 1920، حين قرر الانتداب الفرنسي ضمّها إلى لبنان.
وخلص المحلل الإسرائيلي في نهاية مقاله، إلى أنّ مدثل هذه التطورات قد تؤدي مؤقتاً إلى انهيار جهود نزع سلاح حزب الله، واقتصارها على مواجهة تهديد وجودي من شأنه زعزعة التوازن الطائفي الهشّ، وهو ما يدفع البلاد حتماً إلى اندلاع نيران حرب أهلية.
أربعة سيناريوهات متوقعة
إلى ذلك، استبق المحرر العسكري الإسرائيلي أمير بار شالوم، نتائج المفاوضات الجارية في هذا الخصوص، بإظهار استحالة نزع سلاح حزب الله، واستشهد على ذلك بزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الأخيرة إلى لبنان، وقال إنها "تؤكد متانة العلاقة بين حزب الله وإيران، وترسِّخ مدى اعتماد الحزب في قراراته على السياسات الإيرانية". وفي ما يمكن وصفه بتأصيل انعدام رغبة الحكومة اللبنانية في الزيارة وصاحبها، رأى الكاتب الإسرائيلي أنّ انقطاع التيار الكهربائي خلال مؤتمر صحافي عقده لاريجاني في بيروت، مؤشر على رفض تواجده في لبنان. وعزّز بار شالوم، وجهة نظره بصورة لاريجاني، التي نشرتها صحيفة "نداء الوطن"، المعروفة بعدائها للتيار الشيعي، حسب توصيف الكاتب الإسرائيلي، وكتبت عليها: "شخص غير مرغوب فيه".
الخطر الإسرائيلي على لبنان حقيقي وجدِّي، لكن السؤال بات: كيف نحمي لبنان من الهيمنة والجنون الإسرائيلي، وليس كيف يبقى سلاح حزب الله، إذ لم يعد سلاح الحزب لاعباً إقليمياً، بالإضافة إلى عجزه حتى عن حماية نفسه قبل حماية الجنوب، وفق مراد
وفي حين تتغافل واشنطن وتل أبيب عن طرح حلول بديلة، تمكّن من حلحلة أزمة نزع سلاح حزب الله، تفرض السيناريوهات الاستشرافية نفسها على الواقع اللبناني المأزوم، خاصةً أنّ مستقبل سلاح حزب الله، وتالياً المسار السياسي للبنان، يتوقفان على قدرة الأطراف المحلية والدولية المعنية على اغتنام الفرصة السانحة لإبرام تسوية مستدامة.
مع ذلك، تظلّ من بين السيناريوهات المتوقعة، بحسب المجلس الأطلسي، موافقة حزب الله على التخلّي تدريجياً عن ترسانته العسكرية مقابل ضمانات سياسية وأمنية للطائفة الشيعية في لبنان، ودمج بعض مقاتلي الحزب في الجيش اللبناني، وعودة البعض الآخر إلى الحياة المدنية بموجب برامج إعادة الدمج.
ولتحقيق هذا السيناريو، يمكن للجهات الفاعلة الدولية، خاصةً الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج الرئيسية، المساعدة في تسهيل عملية نزع السلاح من خلال توفير الوساطة والضمانات الأمنية والمساعدة الفنية للتحقق من نزع السلاح.
السيناريو الثاني المحتمل، يتمثّل في انخراط حزب الله في نزع سلاح جزئي وسرّي، ما يعني تخلّي الحزب عن وجوده العسكري العلني، مع احتفاظه سرّاً بترسانة سرّية أو شبكات نائمة كشكل من أشكال الردع. والسيناريو الثالث هو استمرار الجمود السياسي، وذلك إذا استمرت المفاوضات طويلاً، وغابت الجداول الزمنية لتطبيق قرار وقف إطلاق النار. أما سيناريو المواجهة والانهيار، الذي تؤدي فيه الجهود الرامية إلى نزع سلاح حزب الله بالقوة إلى إثارة المقاومة المسلحة، ما قد يؤدي إلى إشعال الصراع الداخلي، أو حتى دفع لبنان إلى حرب أهلية، فهو سيناريو أخير غير مستبعد.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.