رسائل نبي الإسلام... هل اخترعها المسلمون لتمجيد نبيّهم؟

رسائل نبي الإسلام... هل اخترعها المسلمون لتمجيد نبيّهم؟

ثقافة نحن والتاريخ

السبت 30 أغسطس 20259 دقائق للقراءة

خلال محاضرة ألقيتها في سلطنة عمان حول تحليل الوثائق التاريخية من منظور علم الدبلوماتيك (علم الوثائق)، سألني أحد الحاضرين عن وثيقة يُعتقد أن النبي محمد أرسلها إلى حكّام عمان لدعوتهم إلى الإسلام. تحدث هذا الحاضر عن الوثيقة وكأنها حقيقة تاريخية لا شك فيها، مؤكّداً أنه شاهد نسخة منها بنفسه. إلا أن ما لم يكن يعلمه هو أن هذه الوثيقة موضع شك كبير بين الباحثين، بل ويرجّح البعض أنها مزورة.

رسائل إلى الملوك... هل كانت حقيقية؟

تنتشر في وسائل الإعلام والمنصات المعرفية صور وثائق يُقال إن النبي محمد أرسلها إلى ملوك وزعماء عصره يدعوهم فيها إلى الإسلام. ويعتقد البعض أن هذه الوثائق محفوظة من العصر النبوي، لكنها تخضع لتحليل نقدي صارم في علم الوثائق، الذي يُعنى بدراسة أصالة الوثائق التاريخية.

تناول الباحث جمال الخولي هذه الرسائل بدراسة وثائقية دقيقة في كتابه "مداخلات في علم الدبلوماتيك العربي". وفي ما يلي جولة تحليلية في أبرز هذه الوثائق المشكوك في صحتها.

"إن أقررتما بالإسلام وليتكما"... رسالة إلى حكّام عمان أم وثيقة مشبوهة؟

تنسب إحدى الوثائق المزعومة إلى النبي محمد رسالة إلى حُكّام عمان، جاء فيها: "من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابنَي الجلندى... أسلما تسلما، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما فإن ملككما زائل، وخيلي تحلّ بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما".

وتُجمع المصادر التاريخية على أن الصحابي عمرو بن العاص هو من حمل الرسالة، إلا أن زمن إرسالها يظل محل خلاف. غير أن هذه الوثيقة تفتقر إلى مصدر معلوم، ولا يُعرف متى وأين وُجدت.

تنتشر في وسائل الإعلام صور وثائق يُقال إن النبي محمد أرسلها إلى ملوك وزعماء عصره. ما قصتها؟ هل هي حقيقية؟

ويرى الدكتور جمال الخولي أستاذ الوثائق بجامعة الإسكندرية أن هذه الوثيقة مزورة، وذكر أسباباً لحكمه بتزويرها. فمن هذه الأسباب "عدم اتساق الخط ومناسبته للوقت الذي صدرت فيه الرسالة؛ فهي مكتوبة بخط كوفي سميك مربع، وهو خط يشيع استخدامه في كتابة النقوش على المواد الصلبة". ومن الناحية التاريخية، لا تتسق هذه الوثيقة بما تتضمنه من روح التهديد والوعيد في ختام الرسالة مع السياق التاريخي الذي يفيدنا بترحيب أهل عمان بدعوة الإسلام حتى قبل أن تصل إليهم الدعوة إليه، وهو ما جعل النبي محمد يدعو لهم بالخير. ومن الناحية اللغوية، تتضمن الرسالة بعض الأخطاء النحوية وركاكة في الأسلوب، وهو ما يتنافى مع الثابت من أن النبي اتخذ له كتّاباً من أمهر الكتبة، وفقاً لجمال الخولي.

رسالة إلى البحرين… جزية، لا إسلام؟

تحمل وثيقة أخرى رسالة منسوبة إلى النبي محمد موجهة إلى المنذر بن ساوى، حاكم البحرين. وجاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. إلى المنذر بن ساوى سلام، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح، فإنما ينصح لنفسه ومن يطع رسلي ويتبع أمرهم فقط أطاعني... وأن رسلي قد أثنوا عليم خيراً. لله إني قد شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل معهم وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن قام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية ". وتنتهي الرسالة بختم مستدير مكتوب داخله: "محمد رسول الله".

ويعتبر الخولي أن هذه الوثيقة هي صورة مزعومة من رسالة أرسلها النبي محمد في العام الثامن من الهجرة (630م)، إلى حاكم البحرين في ذلك الوقت، المنذر بن ساوي بن عبد قيس. وكانت البحرين وقتها خاضعة للدولة الفارسية، وكان المنذر والي كسرى عليها. وتذكر المصادر التاريخية أن المنذر رحَّب بهذه الرسالة ورد عليها رداً إيجابياً مفاده أنه سيتشاور مع شعبه وسيترك لهم حرية اختيار الدين، وهو، بحسب المصادر، ما أعجب النبي محمد الذي أوصى المنذر بمن دخل الإسلام خيراً، ومن لم يقبل دعوة الإسلام فسيدفع ديناراً في السنة. وتقول المصادر أن المنذر قد أسلم واستمر أميراً على البحرين حتى مات.

ويرى جمال الخولي أن هذه الوثيقة مشكوك في أن تكون الأصل الذي أرسله النبي إلى حاكم البحرين. فخطّ الوثيقة يشبه الخط الذي كان مستخدماً قبل الإسلام، وتتضمن مع ذلك حروفاً شكلها متطور مثل العين في "بعد" واللام في "لا"، وهذه الحروف لم تتطور إلى هذا الشكل إلا في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وفقاً للدكتور جمال الخولي.

ويواصل أستاذ الوثائق نقده مشيراً إلى أن الوثيقة تتضمن حروفاً رُسمت بأشكال غريبة عن تلك الأشكال الشائعة في العهد النبوي، ومثال ذلك حرف الجيم في كلمة جزية. ولفت كذلك إلى أن المدّ بالألف الوسطية في كلمات مثل "ساوي" و "أطاعني" لم يكن مُعتاداً في ذلك الزمان أيضاً، فبدأت هذه الألف كألف صغيرة أعلى الحرف في رسم المصحف، ثم تطورت لتصبح جزءاً من الكلمة بعد قدوم القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.

"أدعوك إلى الله الذي حملت مريم البتول من روحه"... رسالة إلى النجاشي؟

من بين الرسائل المشهورة كذلك رسالة النبي إلى النجاشي، ملك الحبشة. تنقل الوثيقة المزعومة هذه الكلمات: "من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة. السلام على من اتّبع الهدى. أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والمولاة على طاعته وأن تتبعني وتوقن بالذي جائني فإني رسول الله وأني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبل نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى". وكالرسالة السابقة، تنتهي الرسالة بختم مستدير مكتوب داخله: "محمد رسول الله".

ورد نص هذه الرسالة في الكثير من المصادر التاريخية. وهناك خلاف بين المؤرخين حول تاريخ إرسال هذه الوثيقة، ولكن ثمة اتفاق على أنه حملها الصحابي عمر بن أمية الضمري في نهاية العام السادس أو أوائل العام السابع الهجري إلى النجاشي ملك الحبشة. ويشيع في المصادر كذلك أن النجاشي كانت بينه وبين النبي محمد علاقات طيبة ومراسلات ودية. وتذكر المصادر كذلك أن النجاشي أحسن ضيافة من لجأ إليه من المسلمين الذين هربوا من اضطهاد قريش وأوصاهم النبي بالوفود على ملك الحبشة.

رسالة النبي إلى النجاشي من أشهر الوثائق، لكن حالتها الجيدة واستخدام الألف المتوسطة يثيران الشكوك حول قِدمها. يُرجَّح أن النسخة المتداولة ليست الأصل النبوي بل منسوخة في زمن لاحق

ومع ذلك فإن هذه الوثيقة أيضاً لا تبتعد عن شكوك التزوير كذلك. وساق الدكتور جمال الخولي، أستاذ الوثائق بجامعة الإسكندرية، عدداً من الأسباب التي تخلق هذه الشكوك. فتتمتع الوثيقة بحالة جيدة، فلا تمزُّقَ ولا تآكل يعتريها، وهو ما يثير الظن بأنها حديثة الزمن. ورغم أن الخط يشبه خط العصر النبوي، إلا أن الألف المتوسطة، كما في كلمة "النجاشي" لم يكن شائعاً آنذاك. ورغم سلامة لغة الوثيقة، فإن ذلك ليس دليلاً على صحتها، فربما راعى منتحلها ذلك.

ما وراء الرسائل… توثيق أم تمجيد؟

مع استقرار دعوة الإسلام وبداية انطلاق الدولة الإسلامية، كان من الضروري أن تتصل هذه الدولة بملوك وزعماء العالم لإقامة العلاقات معهم ونشر الدعوة. وهذا ما فعله نبي الإسلام، فأرسل الوفود التي تحمل رسائله إلى الملوك. وكان من ضرورات التواصل في ذلك الزمان إرسال الرسائل المكتوبة بخط اليد؛ فأرسل النبي محمد الرسائل المكتوبة إلى ملوك الدول ليخبرهم بأمر دعوته ودولته، ويحثهم على الدخول في دين الإسلام. اختلف المؤرخون في عدد هذه الرسائل واختلفوا كذلك في توقيت إرسالها، ولكنه ربما يكون الأقرب إلى الصواب أن هذه الرسائل بدأ إرسالها في شهر ذي الحجة في السنة السادسة للهجرة، وهو ما يوافق شهر نيسان/أبريل سنة 628م.

وقد نظر الباحثون الغربيون إلى هذه الوثائق نظرةَ شك وارتياب، واعتبروها رسائل مفتعلة من قِبل المسلمين لتمجيد نبيّهم ولوَسمَ الإسلام بصفة العالمية. وذكر هؤلاء الدارسون أسباباً لرفضهم صحة هذه الرسائل؛ منها أنهم قالوا إن نبي الإسلام لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يطمئن أن يضع ختمه على رسائل لا يعرف طبيعة محتواها. واعتبروا كذلك أن هذه الرسائل كانت مجهولة لفترة من الزمن، ثم ظهرت فجأة، وبالتالي لا يعرف الدارسون للوثائق مراحل تطورها، وبالتالي فإنها من الممكن أن تكون تعرضت للتزوير. وأشاروا كذلك إلى خلو هذه الوثائق من التاريخ واسم الكاتب. وبالتالي يمكن أن تكون مجرد ورقات انتزعت من مخطوطات السيرة النبوية، خصوصاً وأن تزييف وثائق ونسبتها إلى النبي محمد أمر وقع من قبل في التاريخ الإسلامي؛ فتذكر المصادر التاريخية أن يهود خيبر قد زيفوا وثيقة تساعدهم في التمكن من إسقاط الجزية عنهم.

بين الشك والتثبّت... ما رأي علم الوثائق؟

يؤكد الدكتور جمال الخولي أن غياب اسم الكاتب لا يقدح في أصالة الوثيقة، لأن أغلب الوثائق العربية القديمة تفتقر لهذه التفاصيل. أما غياب التاريخ، فهو متوقع، لأن التاريخ الهجري لم يكن معتمداً زمن النبي، بل قد ابتُكر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ويضيف الخولي: "أما الوثائق الخاصة فإن معرفة اسم كاتبها قد يحدث بالمصادفة، أو بالمقارنة الدبلوماتية (التحليل الوثائقي) بين خطوط وأسماء وتوقيعات الشهود وخط نص الوثيقة باطناً وظاهراً". ويوضح أيضاً أن هذه الوثائق لا يستلزم طبيعة محتواها إثبات تاريخ كتابتها، فهي ليست عقودَ بيع تتضمن حقوقاً والتزامات.

من المؤكد أنَّ النبي محمد أرسل رسائل بالفعل، لكن لا يمكن الجزم بأن الوثائق المتداولة اليوم تعود لتلك الحقبة، ما لم تُثبت صحّتها بالتحليل الدقيق. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard
Popup Image