منهم الحمار والضب والظبية والذئب... قصص حديث الحيوان والشجر مع النبي محمد

الأحد 20 فبراير 202211:07 ص

بعد انتصار المسلمين في غزوة خيبر، حصل النبي، ضمن سهمه من الغنائم، على حمار أسود، "فكلّم النبي الحمار فكلّمه الحمار، فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حماراً كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبقَ من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وكنت أتوقع أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أعثر به عمداً، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال النبي: سميتك يعفور يا يعفور!".

هذا الحديث يذكره ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، بإسناد إلى الصحابي "أبي منظور". وللحديث تتمة تقول إن النبي كان يستخدمه كمرسال "فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله"، وإن "يعفور" هذا حزن على وفاة النبي ورمى نفسه في بئر.

صيغة أخرى مشابهة لهذا الحديث ترد في كتاب "الكافي" للكليني، وهو من كتب الحديث المعتبرة عند الشيعة، وفيه أيضاً أن جد الحمار "كان مع نوح في السفينة فقام إليه نوح فمسح على كفله ثم قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم، فالحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار".

لاقى هذا الحديث استنكاراً وتشهيراً كبيرين، إذ قال عنه ابن كثير، في موضع روايته: "أنكره غير واحد من الحفّاظ الكبار"، وقال عنه ابن حبّان: "حديث لا أصل له، وإسناده ليس بشيء"، ولعن ابن الجوزي واضعه "لأنه لم يقصد إلا القدح في الإسلام والاستهزاء به". وكان هناك، رغم ذلك، محدثون وفقهاء آخرون أشادوا به واعتبروه من معجزات النبوة.

أحاديث أخرى مشابهة

هذا الحديث ليس فريداً من حيث النوع. روى أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط" قصة عن "أعرابي من بني سُلَيْم" واجه النبي واتهمه علناً بالكذب، وكان في كُمّه ضبّ، فقال للنبي: "إن آمن بك هذا الضبّ آمنت بك"، فقال النبي: "يا ضبّ!"، فتكلم الضب وشهد بنبوّته.

حديث آخر ورد في كتاب "دلائل النبوة" لأبي نعيم الأصبهاني، جاء فيه أن النبي كان في الصحراء فإذا منادياً يناديه: يا رسول الله! فالتفت فلم يرَ أحداً، ثم التفت فإذا ظبية (غزالة) موثّقة فسألها عن حاجتها فطلبت منه أن يحلّ وثاقها لتذهب إلى "الجبل" وترضع صغيرها ففعل فنطقت بالشهادتين.

الحديثان السابقان لقيا أيضاً الكثير من النقد وحُكم عليهما بأنهما موضوعان. ولكن "الغضب منهما" لا ينطبق على "حديث الذئب"، وهو حديث ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة وفيه أن النبي روى لقوم من الناس قصة بقرة كلمت صاحبها وقصة ذئب كلّم راعياً، وعندما تعجب الناس في الحالتين أجابهما كل مرة: "أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر". ويرد الحديث نفسه بصيغ متباينة قليلاً وتنتهي إلى أكثر من صحابي، منهم بجانب أبي هريرة ابن عمر وأبي سعيد الخدري.

تتضارب أحاديث معجزات النبي محمد مع مجمل المعروف عن سيرته، فهو عندما دعا أهله وعشيرته الأقربين للإسلام لم يشفع دعوته ببرهان إعجازي، وعانى في إثبات نبوته ولاقى الأذى في سبيل رسالته، ولم تكن لديه هكذا وسيلة سهلة

وفي إحدى صيغه التي يوردها ابن حجر في "شرح صحيح البخاري" يظهر أن اسم الراعي أهبان بن أوس وأنه تعجب من أن ذئباً يتكلم وأن الذئب أخبره: "هذا رسول الله بين هذه النخلات يدعو إلى الله"، فأتى إلى النبي فأخبره وأسلم.

ويستشهد المدافعون عن صحة هذا الحديث بما في القرآن من قصص حيوانات تكلمت.

هذا التداعي بين الأخبار المتفاوتة في درجة صحتها وقوة إسنادها أدى إلى تداخلها، وربما يكون هو الطريق الذي نفذت من خلاله جملة عجيبة من المأثورات الأسطورية على ألسنة الحيوانات، وعرفت طريقها إلى التفشي والشيوع بوصفها من معجزات النبي. وعلى المواقع الإسلامية كثيراً ما نجد سؤالاً عن إحدى هذه القصص يقول السائل عنها إنه سمعها بدايةً من خطيب في مسجد رددها على أنها قصة حقيقية.

كلام الشجر وشهادته بالرسالة

في السياق نفسه، هناك مأثورات عن نطق الشجر وشهادته بنبوة محمّد. يرد في "صحيح مسلم" حديث طويل جاء فيه أن النبي كان مع جماعة من صحبه في وادٍ وأراد أن "يقضي حاجته" ولم يكن هناك ما يستتر به فطلب من شجرتين أن تلتئما عليه ففعلتا، وعندما انتهى الرسول من قضاء حاجته "افترقتا (الشجرتين) وقامت كل واحدة منهما على ساق".

المشكلة في هذا الحديث أن المعجزة لا ترد في السياق المعجز، كما صوّره القرآن، فهي لا تبرهن على رسالة النبي ولا تقدّم تحدياً للمكذبين بها، لكنها معجزة عرفنا بها فقط نتيجة مصادفة لحاق راوي الحديث جابر بن عبد الله بالنبي في الخلاء.

وفي حديث آخر، رواه البيهقي في "دلائل النبوة"، عن عمر بن الخطاب، طلب النبي من الله دليلاً على نبوّته: "كان رسول الله على الحجون كئيباً لما أذاه المشركون فقال: اللهم أرني اليوم آية لا أبالي مَن كذبني بعدها. قال: فأُمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه، قال: ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، قال: فقال: ما أبالي من كذبني بعدها من قومي".

يفرد ابن كثير في موسوعته التاريخية "البداية والنهاية"، عناوين مثل: "باب تكثيره عليه السلام الأطعمة"، "باب انقياد الشجر لرسول الله"، "باب تسبيح الحصى في كفه"، "حديث سجود الغنم له"، إلى ما هنالك

لكن هناك طائفة أخرى من أحاديث الشجرة تظهر فيها "المعجزة" كبرهان على النبوة للآخرين، ومنها حديث ابن عباس الذي صححه "الحاكم" وقال عنه "ابن حبان": "حديث حسن غريب صحيح"، وفيه: "جاء أعرابي إلى رسول الله فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟، فدعاه رسول الله، فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي، ثم قال: ارجع، فعاد، فأسلم الأعرابي".

ويدخل في نفس الباب "حديث السلمة"، أي الشجرة، الذي أخرجه "الدارمي" في سننه وصححه "الألباني": عن ابن عمر، قال: "كنّا مع رسول الله في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه، قال له رسول الله: أين تريد؟، قال: إلى أهلي، قال: هل لك في خير؟، قال: وما هو؟، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فقال: ومَن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السلمة، فدعاها رسول الله وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت، فكنت معك".

كذلك، هناك حديث "حنين الجذع" الذي رواه البخاري وأهل الصحيح بروايات مختلفة، وقصته أن النبي كان يصلّي في مسجد مسقوف على جذوع نخل، فكان إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع منبر حنّ الجذع إلى النبي و"سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار"، و"ارتج المنبر لخواره"، و"تصدع وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت"...

سر المعجزة

تتضارب هذه الأحاديث مع مجمل المعروف عن سيرة النبي، فهو عندما دعا أهله وعشيرته الأقربين للإسلام لم يشفع دعوته ببرهان إعجازي، وعانى في إثبات نبوته ولاقى الأذى في سبيل رسالته، ولم تكن لديه هكذا وسيلة سهلة.

تدل الأخبار السابقة على ولع بعض الرواة برواية العجيب والمعجز في تأريخهم لسيرة النبي، وهو ولع قد لا تكفي لتفسيره فرضية المنافسة والمباهاة أمام أتباع الديانات الأخرى ومناطحة معجزات أنبيائهم، رغم أنها الفرضية الأسرع وروداً للخاطر.

فرضية أخرى تُطرح في هذا المجال أيضاً هي رغبة العرب في المباهاة بذاتهم القومية وامتداح أنفسهم ومفاخرة الأمم، الأمر الذي يصّرح به "القاضي عياض" (476 –544هـ) في كتابه: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، إذ يقول: "معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين: أحدهما كثرتها، وأنه لم يؤت نبي معجزة إلا وعند نبينا مثلها أو ما هو أبلغ منها"، و"الوجه الثاني وضوح معجزاته، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم". ويضيف: "غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء حتى احتاج للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب، وذكاء ألبابها، ووفور عقولها، وأنهم أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيرهم من القبط وبني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذا السبيل، بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم!".

رواة ومحدثون كثيرون أسبغوا على سيرة النبي رداء كثيفاً من الإعجاز فوق البشري، حتى باتت تُحشد وتصنّف في مؤلفاتهم على أبواب وفصول تطول، فيفرد ابن كثير مثلاً، في موسوعته التاريخية "البداية والنهاية"، عناوين مثل: "باب تكثيره عليه السلام الأطعمة"، "باب انقياد الشجر لرسول الله"، "باب تسبيح الحصى في كفه"، "حديث سجود الغنم له"، إلى ما هنالك.

علاقة الأنبياء القدماء بالمعجرات أكثر من أن تحصى وقصصها معروفة للجميع، ولكن يبقى فارق أساسي بينها وبين ما نُسب إلى الرسول: معجزات الأنبياء السابقين على محمد يؤيد بها الله نبوتهم، ويتحدى بها مكذبيهم، ولكن ما رُوي عن الرسول لا يعدو كونه خوارق إعجازية تتكاثر بلا شرط ولا منطق، فلا هي تبرهن على نبوّته ولا تتحدى مكذّبي رسالته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard