اتهامات بالتخوين ووعيد بسوء الخاتمة وشتائم وكلمات جارحة؛ ما سبق هو فحوى عشرات الرسائل التي تلقّاها حقوقيون وفنانون وناشطون سوريون خلال الأيام الماضية، وأشخاص عاديون عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.
ثم ظهرت مؤخراً ما أُطلق عليها "قوائم العار"، التي لم تضمّ سوريين فحسب، بل كلّ من أبدى موقفاً من الهجوم على مدنيين في الساحل السوري، مخالفاً للسلطة المؤقتة الحالية في سوريا.
لم ينجُ من هذه الهجمات أحد؛ حقوقيون عاشوا عمراً في المنفى مدافعين عن قضايا السوريين في الخارج، وفنانون حُرموا من عملهم لسنوات، وشخصيات عاشت في المعتقلات جلّ عمرها، ليأتي شاب في العشرينات ويسأل بسذاجة: "وين كنت خلال الـ14 سنة الماضية؟!" (حسناً عزيزي عندما كنت في العدم، كان هو يذوق الويلات في السجون، لأنه رفض قتل أهلك وقصفهم بالطائرات).
على الطرف المقابل، دافع مئات السوريين عن هذه الشخصيات، كردّ فعل طبيعي على هجوم، على الأقل لا يتوافق مع أحد المبادئ التي انطلقت لأجلها الثورة السورية؛ حرية التعبير والرأي.
تبدو الحالة ممنهجةً، ولا يمكن وضعها في خانة "الأخطاء الفردية"، أو تصنيفها كردّ فعل عاطفي على رأي مخالف في لحظة حادّة خلال نقاش بين شخصين فقد أحدهما أعصابه. هناك حالة إقصاء متعمّد لكل مخالف لصورة يرسمها البعض في مخيّلتهم حول شكل سوريا المقبلة، والتي تتمحور بدورها حول السلطة الحالية فقط، وفي نطاق ضيق يرتبط تحديداً بأسلمة الدولة وشيوخ السلطان وعلمائه، وضمن تجاهل لما ذكره الشرع نفسه مرات عدة حول تنوّع سوريا، برغم أنّ تحركاته على الأرض لا تشير إلى اقتناعه بهذا الأمر.
"تبدو الحالة ممنهجةً، ولا يمكن وضعها في خانة "الأخطاء الفردية"، أو تصنيفها كردّ فعل عاطفي على رأي مخالف في لحظة حادّة خلال نقاش بين شخصين فقد أحدهما أعصابه. هناك حالة إقصاء متعمّد لكل مخالف لصورة يرسمها البعض في مخيّلتهم حول شكل سوريا المقبلة"
تبدو هذه التفاصيل عاديةً للغاية ضمن فترة متوقّعة من الفوضى بعد عقود من القمع وغياب أيّ حياة سياسية في البلاد. لكن تحركات السلطة المؤقتة وأحمد الشرع نفسه، لا تساعد على تخفيف حدّة هذه الهجمات المتتالية.
عملياً، يمكن القول إنّ لهذه الهجمات، أو القوائم، ثلاثة تأثيرات مباشرة؛ الأولى تكمن خطورتها في محاولة تكميم الأفواه، بالطريقة نفسها التي اتّبعها الأسد وأبوه طوال 54 عاماً، ما يعني أنّ سوريا لا يمكن لها أن تكون تشاركيةً وتعدديةً ضمن عقد اجتماعي واضح يكفل الحقوق والحريات للجميع بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية والقومية والطائفية، أو أفكارهم حول الحياة والمجتمع، أو معتقداتهم السياسية.
"ما المطلوب من الشرع إذاً؟ التشاركية الحقيقية لا ادّعاؤها"
الثانية تؤثر في الشرع نفسه، برغم ما يبدو إلى العلن من حالة "التفاف شعبي" حوله، بعد أن "اكتسب شرعيته باعتباره سبباً رئيسياً لسقوط الأسد" (وهذا أمر محل خلاف كبير ويمكن مناقشته في مقال آخر).
هذا التأثير في الشرع، يرتبط بخلفية الرجل نفسه، الذي وإن تفاعلت معه شخصيات سورية اقتصادية وسياسية ودينية كانت على خلاف كبير معه لسنوات، بسبب انتمائه السابق إلى تنظيم "القاعدة"، والأفكار التكفيرية التي يحملها وتحدث عنها في لقاءات إعلامية، إلا أنّ الكثيرين أيضاً لا يثقون بالتغيير الذي يبديه من خلال طروحاته، والمسألة لا تحتاج إلا إلى قليل من الوقت ليعود إلى طريقه السابق، خاصةً مع تحركاته السياسية داخلياً، وحصر الوزارات السيادية في المقرّبين منه (حسن الشيباني للخارجية، مرهف أبو قصرة للدفاع، وأنس أبو خطاب للداخلية بعد أن تولّى الاستخبارات العامة).
وعليه، فإنّ عدم تحرّكه لإنهاء هذه الهجمات، التي تترافق أيضاً مع تحركات على الأرض ترتبط بأمور دعوية (سيارات تمشي في أحياء المسلمين والمسيحيين في دمشق ومحافظات أخرى تدعو إلى الهداية والإسلام، عبر سلفيين، وهجوم على مفتي سوريا الجديدة أسامة الرفاعي باعتباره أشعرياً كما يُتّهم، والهجوم على مسجد في حماة تُمارَس فيه طقوس صوفية). عدم تحرّك الشرع، أو المقربين منه، لضبط هذه التفاصيل، يعني موافقةً ضمنيةً لسبب أو لآخر عليها، أو عجزاً عن منعها، وكلا الأمرين لا يقلّان خطورةً عن بعضهما.
أما النقطة الثالثة، فتحمل التأثير في المجتمع السوري الذي لا يحتاج إلى مزيد من التفسخ بعد سنوات الثورة ثم الحرب والانقسام السياسي والإنساني، والأزمة الاقتصادية التي مسحت الطبقة الوسطى تماماً، ما جعل هناك تبايناً طبقياً واضحاً بين السوريين، ناهيك عن الأفكار الأيديولوجية التي انتشرت في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أو التي سيطرت عليها المعارضة، أو "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
تمرّ سوريا اليوم بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية عدة، غير التحركات الإسرائيلية في الجنوب، وهذه الأزمات كلها أزمات تهدد وجود سوريا كلّها ككيان نشأ في بدايات القرن العشرين، بالشكل الذي نعرفه والذي كان نتيجةً لاتفاق "سايس- بيكو"، وهذه الأزمات تستدعي الوحدة لا الفرقة، ما يعني ضرورة قبول الآخر لبناء عقد اجتماعي لكل السوريين بناءً على المواطنة والحقوق والواجبات، لا الخلفيات الطائفية والعرقية.
"تمرّ سوريا اليوم بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية عدة، غير التحركات الإسرائيلية في الجنوب، وهذه الأزمات كلها أزمات تهدد وجود سوريا كلّها ككيان نشأ في بدايات القرن العشرين، بالشكل الذي نعرفه والذي كان نتيجةً لاتفاق "سايس- بيكو"، وهذه الأزمات تستدعي الوحدة لا الفرقة"
وإن كانت للشرع، شعبية اكتسبها من "التحرير"، ووجوده في القصر، و"إزالته كابوس الأسد" بعد 54 عاماً، فإن هذا لا يعني أنّ شريحةً واسعةً من السوريين مقتنعة بوجوب وجوده أو مؤيدة له. هناك من يسكت لضرورات المرحلة، وآخرون لأنّ صدمة الأمل بعد التحرير قد زالت، وشريحة ثالثة لا تزال مؤمنةً بوجوب المشاركة لبناء سوريا. جحافل الذباب الإلكتروني وتهديداتها لمئات السوريين لن تجدي نفعاً. الشرع وحكومته في فترة تجربة دولية، ولن تُزال العقوبات إن استمرّ الوضع على ما هو عليه، ولن تنجو سوريا ولا الشرع نفسه إن استمرّ الأمر على المنوال نفسه. لا أتنبأ بـ"ثورة عارمة"، ولا بمظاهرات مضادة، لكنني أحذّر كما غيري من نتائج التفرّد في القرار والتنفير من الحكم الجديد، لأنّ النتيجة المنطقية لهذه التحركات في النهاية لن تكون على هوى الشرع، ولا دائرته المقرّبة ولا مؤيديه.
ما المطلوب من الشرع إذاً؟ التشاركية الحقيقية لا ادّعاؤها، والنظر إلى سوريا بعين الحقيقة المجرّدة لا بعين المقرّبين المحيطين به ممن يشاركونه أفكاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية فقط، وتنفيذ الوعود في ما يخص العدالة الانتقالية التي دونها لن يرتاح أحد وسيبقى الثأر "مسمار جحا" الذي سيستخدمه الجميع لإثارة الفتنة والمعارك، ولنا في ما حصل في مناطق الساحل السوري خير مثال على ذلك.
الشفافية الحقيقية هي المطلوبة، لا الخطب الرنّانة والكلام العاطفي. قبل أيام، استقبل الشرع، أطفالاً في "قصر الشعب"، حيث قال لهم إن هذا قصركم وسيصبح لكم. كلام جميل وعميق، لكن هل الشرع نفسه مقتنع به؟ شخصياً لا أعتقد ذلك. من يقوم بالهجمات الإلكترونية ويوزّع الاتهامات والتهديدات، ليس كذلك أيضاً، وكذلك شريحة واسعة من السوريين المتخوفين.
سوريا على مفترق طرق؛ إما أن تكون بشعارات ثورتها الأولى الحالمة، حرية وعدالة وكرامة ومساواة ومشاركة لجميع السوريين على اختلاف خلفياتهم بمن في ذلك الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين وغيرهم من الأطياف السورية المتنوعة، وهذا أمر ممكن جداً في ظل طاقة إيجابية كبيرة لدى الكثير من السوريين الراغبين في مدّ يدهم للبناء، وإما أن تكون سوريا مفككةً بمستقبل حالك السواد، تمتد تأثيراته على الإقليم كله لا الشرق الأوسط فحسب، بل الاتحاد الأوروبي أيضاً، وستدخل في دوامات وأزمات لا تنتهي.
نحن أمام فرصة ذهبية للقيامة، وأرجو ألا تكون نهايتنا على الصليب، وألا تتحقق نبوءة أمل دنقل في قصيدته "كلمات سبارتاكوس الأخيرة":
"لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت… قيصر جديد"!
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
أمين شعباني -
منذ 24 دقيقةهذا تذكيرٌ، فلا ننسى: في فلسطين، جثثٌ تحلق بلا أجنحة، وأرواحٌ دون وداعٍ ترتقي، بلا أمٍ يتعلم...
Rebecca Douglas -
منذ 3 ساعاتنحن أنصار الإمام المهدي عبد الله هاشم أبا الصادق(ع) ناس سلميين ندعو للسلام والمحبة وليس لنا علاقة...
Baneen Baneen -
منذ 4 ساعاتنقول لكم نحن لا نؤذيكم بشيء وان كنا مزعجين لهذه الدرجة، قوموا باعطائنا ارض لنعيش فيهاا وعيشوا...
مستخدم مجهول -
منذ يومينلا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 4 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ أسبوعهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟