شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
بين الخوف والأمل... هل من مستقبل لمجتمع الميم-عين في سوريا؟

بين الخوف والأمل... هل من مستقبل لمجتمع الميم-عين في سوريا؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والميم-عين

الخميس 27 فبراير 202511:30 ص

"العابرات الجندريات لسن وحدهنّ المستهدفات، بل جميع أفراد مجتمع الميم-عين، وإن اختلفت الحجج والتبريرات"، هذا ما يقوله مجد (اسم مستعار)، لرصيف22.

مجد، شاب مثلي في العقد الثاني من عمره، ينتمي إلى الأقليات في سوريا، كان يؤدي خدمته الإلزامية عندما سقط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، فترك كل شيء وهرب.

بات هذا الشاب "سجين" بيته، إذ يمضي أيامه في غرفته مذعوراً ومنطوياً على نفسه: "هذه الظروف غير مريحة ومخيفة. اختفى عدد من أصدقائي عندما ذهبوا لعقد تسوية، وتم اعتقال آخرين من منازلهم، ومنهم من اعتُقلوا في مناطق عامة بعد تفتيش هواتفهم والعثور على محادثات أو صور لمجتمع الميم-عين".

تعرّض عدد من أفراد مجتمع الميم-عين للخطف والتعذيب، وقد شهدت الأسابيع الأخيرة انتشار صور ومقاطع فيديو لتعذيب أفراد من مجتمع الميم-عين في سوريا، بينهم عابرات في أثناء اعتقالهنّ من قبل مسلحين، والتشهير بهنّ وإذلالهنّ بشكل متعمد، وتصويرهنّ بشكل مهين، دون أن تُعرف هوية المسلحين.

خوف وعتب

في حديثها إلى رصيف22، تقول ماكس، وهي شابة مثلية تعيش في هولندا: "إنّ أفراد مجتمع الميم-عين في سوريا معرّضون للخطر، وليس لديهم مستقبل، ويضطرون إلى العيش في خطر وتحت ضغط نفسي كبير، وقد يتعرّضون للقتل".

وتضيف: "هناك أمور جيدة يوعَد بها الناس، وأمور سيئة تحدث، وتبرير الإدارة الجديدة في سوريا بأنها تصرفات فردية، أمر مزعج بعض الشيء"، مشيرةً إلى أنّ العديد من أصدقائها من مجتمع الميم-عين في سوريا يعيشون في رعب في الوقت الحالي: "أتمنى أن يكونوا آمنين".

"إنّ حالات القبض على العابرات جنسياً، والاستهزاء والسخرية والعنف الجسدي في الفيديوهات المتداولة، مرعبة وغير مفهومة وتشكل اعتداءً على المواطنين/ ات على أساس هوياتهم/ نّ الجنسية"

أما بالنسبة لسميرة، وهي عابرة تعيش في إحدى مدن الجزيرة السورية، فلم تخرج من بيتها منذ 5 سنوات بسبب خوفها من التجنيد الإجباري الذي تفرضه الإدارة الذاتية في شرق الفرات. تقول لرصيف22: "حقوقنا مهدورة والانتهاكات ذاتها تحدث في كل مكان من سوريا".

وتتحدث سميرة عن ازدواجية المعايير: "الخلفية الدينية للإدارة الجديدة في سوريا، تثير شهية بعض الإعلام للحديث عن حقوق أفراد مجتمع الميم-عين في سوريا اليوم، بينما يتم تجاهل الانتهاكات والاعتداءات التي تحدث في مناطق أخرى مثل شرق الفرات، حيث يتعرض أفراد مجتمع الميم-عين، خاصةً العابرات، للسجن والمضايقات والاعتداء النفسي والجسدي"، مؤكدةً أنها شخصياً تعيش في خوف طالما الحماية القانونية الحقيقية لأفراد مجتمع الميم-عين، غائبة.

أصوات عالية

في حديثه إلى رصيف22، يقول أيمن، وهو ناشط حقوقي وأستاذ قانون قضى سنوات وهو يدافع أمام المحاكم السورية عن حقوق وحريات الأفراد: "إنّ ذريعة المجتمع والعادات والحالة الانتقالية وعدم الاستقرار في سوريا والخلفيات العرقية أو الدينية للأفراد، كلها لا تشكل سبباً كافياً للصمت إزاء ما يحدث، كما لا تبرره".

ويشدد على ضرورة حماية الحريات وأمن الأفراد، ومنع أي شكل من أشكال الاعتقال أو الاحتجاز إلا بأمر قضائي: "إنّ أي معاملة غير ذلك تدخل في إطار التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة، وأي اعتقال دون أمر قضائي ووفق الشروط القانونية هو اعتقال تعسفي، وتجب محاسبة مرتكبيه".

ويضيف قائلاً: "إنّ حالات القبض على العابرات جنسياً، والاستهزاء والسخرية والعنف الجسدي في الفيديوهات المتداولة، مرعبة وغير مفهومة وتشكل اعتداءً على المواطنين/ ات على أساس هوياتهم/ نّ الجنسية".

وبحسب أيمن، فإنّ التجاهل وتجنّب ذكر الجرائم ليسا حلاً، ولن يمنعا الهوموفوبيا أو خطاب الكراهية ولن يوقفا العنف، مشيراً إلى أنّ احترام خصوصية أهالي الضحايا يمكن تحقيقه من خلال إبقاء البيانات سرّيةً.

ويؤكد أيمن، على أهمية أستمرار العمل وحملات الحشد والمناصرة والتظاهرات لمساندة مجتمع الميم-عين، والوقوف ضد القمع والعنف الموجه ضده: "في هذه المرحلة المهمة من تاريخ سوريا، يجب أن نكون أقوياء، منصفين وملتزمين بالعدل والقانون، وأن نراعي المهنية والشفافية حتى لا نصبح في النهاية جميعنا معتقلين، وحتى لا نقتل الضحايا مرتين؛ الأولى بعدم الحماية والثانية بالسكوت والتبرير، ونكون بذلك كمن يتستر على الجاني ويشجعه".

ويضيف: "يجب الدفاع عن الضحية في جميع الأحوال، بغض النظر عن الطائفة أو الجنسية أو العرق الذي تنتمي إليه، فهي إنسان معرّض للخطر".

العدالة والاستقرار

بدوره، يقول ناشط حقوقي وسياسي سوري من محافظة إدلب، فضّل عدم الكشف عن اسمه: "يجب رصد الحالات وتوثيقها وفق آليات الأمم المتحدة، دون السعي إلى خلق تراند أو تصدّر المشهد، ودون النشر على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يلفت الانتباه".

ويضيف لرصيف22: "نحن ننشر التعليمات والتوعية من خلال المنشورات، والنشر يكون من خلال مجموعات خاصة لتقليل التأثير السلبي والحصول على أكبر قدر من الوصول المؤكد لأعضاء مجتمع الميم-عين".

بحسب تجربته الشخصية في العمل الميداني، يؤكد على وجوب مراعاة البيئة المحلية وخصوصية المنطقة والوضع العام.

وكان هذا الناشط، قد تعرّض للاعتقال عام 2016، من قبل مجموعات مسلحة، بسبب نشاطه الحقوقي، وعانى من إصابة في الجمجمة وأذى نفسي وجسدي وجنسي نتيجة تعذيبه في أثناء اعتقاله.

ويؤكد أنّ الأولوية اليوم، هي توفير الأمن والاستقرار وحماية الأفراد، مع التأكيد على أهمية توثيق كل الحالات وكل ما يحدث: "لم يكن هناك حمام دم كما توقّع الجميع، وقد تتضمن الفترة الانتقالية انتهاكات، لكنها تُعدّ قليلةً".

"في هذه المرحلة المهمة من تاريخ سوريا، يجب أن نكون أقوياء، منصفين وملتزمين بالعدل والقانون، وأن نراعي المهنية والشفافية حتى لا نصبح في النهاية جميعنا معتقلين، وحتى لا نقتل الضحايا مرتين؛ الأولى بعدم الحماية والثانية بالسكوت والتبرير، ونكون بذلك كمن يتستر على الجاني ويشجعه"

وعن احتياجات مجتمع الميم-عين، يقول: "نحن بحاجة إلى الحماية والدعم، خاصةً في كل ما يتعلق بالاحتياجات الأساسية مثل المأوى وإعادة تفعيل المساعدات الإنسانية الأساسية. هؤلاء الأفراد يحتاجون إلى تمكين مضاعف، كما أنّ هناك حاجةً إلى مساحات آمنة يمكن لأعضاء المجتمع الميم-عين التعبير فيها عن أنفسهم، ولو جزئياً، بحرية"، لافتاً إلى أنّ المجتمع السوري يحتاج الى إعادة بناء المجتمع وفق شكل قانوني وإرساء أسس الحماية الرقمية لمجتمع الميم-عين، بما في ذلك نشر الوعي حول المخاطر المحيطة بهم، من خلال الاتصالات الرقمية والمحادثات التي تجري على وسائل التواصل الاجتماعي.

في العام 2020، اضطر إلى الفرار إلى تركيا بعد صدور قرار بمحاكمته من قبل المحاكم الشرعية، وهناك أسس حركة حراس المساواة (GEM) التي تهتم بقضايا المثليين/ ات، وتعمل في سوريا والدول المجاورة.

بريق أمل؟

أصدرت GEM، بياناً أكدت فيه أنّ سقوط نظام الأسد هو بريق أمل للتغيير، ومن المرجح أن يساهم ذلك في الحدّ من العنف ضد الفئات المهمشة من خلال تقليص دائرة العنف التي تضرّهم في كثير من الأحيان.

وأكدت GEM، في بيانها، أنّ سوريا لا تزال بحاجة إلى الوعي على المستوى الاجتماعي، ولا تزال تعاني من أزمة إنسانية عميقة، والأولوية اليوم هي الدعم الإنساني العاجل للسوريين والتعافي. أما بالنسبة إلى مجتمع الميم-عين السوري، فيجب التركيز على إستراتيجيات المناصرة والتمكين وليس الظهور العلني، داعين إلى تسهيل الإجراءات لطالبي اللجوء الذين لا يزالون يواجهون مخاطر في سوريا.

وفقاً لبيان الحركة، "إن مجتمع الميم لا يزال يواجه خطراً متزايداً بسبب ضعف الوضع الأمني في هذه المرحلة الانتقالية، حيث لا تدعم السلطة الحالية أو السابقة حقوق مجتمع الميم-عين، بالإضافة إلى العنف والتطرف المجتمعيين اللذين تفاقما خلال سنوات الحرب، حيث أصبح جزء كبير من المجتمع مصدراً رئيسياً للعنف ضد الأفراد المثليين، وهذا العنف يشكل خطراً لا يقلّ خطورةً عن الاعتداء الممنهج".

يتعرض أفراد مجتمع الميم-عين لانتهاكات خطيرة، بما في ذلك الاستدراج عبر تطبيقات المواعدة، ومداهمات المنازل والخطف والاعتقال التعسفي والتعذيب والإذلال، بالإضافة إلى ممارسات خطيرة أخرى مثل التشهير، ما يعرّض هؤلاء الأفراد لمخاطر مستمرة ومتصاعدة

وفيما نشرت GEM، على موقعها، وجود انتهاكات لا يجوز السكوت عنها، قدّمت نصائح مؤقتةً لمعالجة المخاوف الأمنية للمجتمع الكويري في سوريا، مشيرةً إلى تقارير غير مؤكدة عن انتهاكات تستهدف أعضاء مجتمع الميم-عين، وإلى اعتبارات أخلاقية تتعلق بالمجتمع وباحترام خصوصية الضحايا وعائلاتهم والتأثير السلبي لنشر المعلومات دون التحقق منها، والتأكد من دقتها ومراعاة حساسيتها.

وتؤكد GEM، في بياناتها، على أنها تراقب بعناية ودقة وضع أعضاء مجتمع الميم-عين في سوريا، بالإضافة إلى التواصل والتعاون مع إدارة العديد من التطبيقات التي يستخدمها أعضاء هذا المجتمع، من أجل إضافة المزيد من إجراءات الأمن والحماية لحسابات المستخدمين في سوريا.

في بيانها الأخير، أدانت GEM، تصاعد العنف والتعذيب والكراهية ضد الأقليات الجنسية والجندرية في سوريا، وزيادة حالات الاعتداء والعنف والتحرش والتمييز والتعذيب الجسدي والجنسي والتهديد بالقتل ضد أفراد مجتمع الميم-عين، مصحوبة بخطاب الكراهية والتحريض على العنف ضدهم/ نّ بشكل علني ومتبجح، من قبل مجموعات مسلحة. ووفقاً لمنظمة "حراس المساواة"، يتعرض أفراد مجتمع الميم-عين لانتهاكات خطيرة، بما في ذلك الاستدراج عبر تطبيقات المواعدة، ومداهمات المنازل والخطف والاعتقال التعسفي والتعذيب والإذلال، بالإضافة إلى ممارسات خطيرة أخرى مثل التشهير، ما يعرّض هؤلاء الأفراد لمخاطر مستمرة ومتصاعدة.

تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الجرائم والممارسات تشكّل انتهاكاً لحقوق الإنسان، وتهديداً مباشراً لقيم المواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية التي كانت في صميم المبادئ التي انطلقت من أجلها ثورة الحرية والكرامة سنة 2011. وعليه، فإنّ السماح لمثل هذه الممارسات بالمرور دون عقاب يشجع على استمرارها ويزيد من معاناة ضحاياها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard
Popup Image