شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
بماذا يحلم المبدعون حين ينامون؟… رحلة من نوع آخر في لاوعيهم

بماذا يحلم المبدعون حين ينامون؟… رحلة من نوع آخر في لاوعيهم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الأربعاء 10 يوليو 202411:08 ص

لا يلتقي الإنسان عالم لاوعيه إلا خلال ساعات نومه المختلسة من عالم الواقع. فإلى أين تأخذنا الأحلام؟ يوضح العلم أن الحلم وظيفته الأساسية هي الحفاظ على النوم، ويشير كتاب "الأحلام مفتاح الشخصية"، إلى أن "هناك ثلاث مناطق رئيسة في الدماغ يتم تنشيطها عند الحلم: الأجزاء التي تتعلق برواية القصص، وتلبية الاحتياجات، وتخفيف التوتر النفسي". فإن كان الحالم في الأصل قاصّاً في الوعي، فكيف يخلق عالم لاوعيه؟ ماذا يدور في عقول الكتّاب ليلاً إذاً؟ وهل يختلف عالم لاوعي المبدع عن عالم الشخص العادي؟ هل تتغير الأحلام؟ هل يعتني بها لخلق مادته التي تعتمد في الأصل على الجانب القصصي؟ وهل يتعلم التحكم بها؟ كيف يدوّنها وكيف يتذكرها؟ والأهم كيف يتعامل مع هذه الأحلام ويراها؟ سبر أغوار هذا العالم قد يساعدنا في إيجاد لغز فهم عالم الأحلام عموماً لدى المبدع، فكيف يكون هذا العالم لديه خاصةً أن أعمالاً عدة كُتبت وكان مصدرها الأحلام؟

استخدام الأحلام في الكتابة

في تاريخ الأدب العربي، تم استخدام تقنية الأحلام في كثير من الأعمال المكتوبة، لعل أشهرها ما كتبه الروائي نجيب محفوظ، الذي اعتمد في كتابته على استرجاع الأحلام كما هي في "أحلام فترة النقاهة"، والتي رقّمها بأرقام عدة، وقام بتسجيلها كما دوّنها، من دون أن يخلق لها سياقاً أو قصةً. أما الكاتب المصري خيري شلبي، فقد اختار من أحلامه قصةً في حد ذاتها من خلال رواية "منامات عم أحمد السماك"، والتي يمكن أن نعدّ الأحلام فيها مزيجاً مما رآه الكاتب في أحلامه وما خطته يداه لحظة الكتابة، من خلال عم أحمد السماك، والتي يحكي فيها أحلامه التي تصل بعضها إلى الكرامات، وهنا لم يكن الحلم مجرد حكاية، بل كان نظرةً ما إلى المستقبل، فيها أيضاً قدر من المعجزة إن شئنا الدقة.

ماذا يدور في عقول الكتّاب ليلاً؟ وهل يختلف عالم لاوعي المبدعين عن عالم الأشخاص العاديين؟ هل تتغير الأحلام؟ هل يعتني بها المبدعُ لخلقِ مادّته التي تعتمد في الأصل على الجانب القصصي؟ وهل يتعلم التحكم بها؟ كيف يدوّنها وكيف يتذكرها؟

وفي بعض الكتابات لم تكن الأحلام هي أساس الرواية، كما في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، والتي يحكي فيها داخل قصته الأساسية عن قصة حب بين جون مارك وشانتال، وكيف كان حلم الأول عن حبيبته: "في الحلم تكون دائماً هي شانتال رغم وجهها المختلف. وأول ما يستيقظ يبحث عنها بجانبه وينظر إليه، فيودّ استعادة وجهها الذي يعرفه وينطق اسمها وكأنه وحده هويتها". والحلم هنا كما نرى كشف لشخصية الحبيبة وتبيان علاقتها مع الحبيب، إنه دخول إلى أعمق ما في النفس البشرية، وكشفها عن طريق الحلم، والذي لولاه وحده لما كنا سنعرف ما الذي يدور داخل البطل بهذا العمق.

ومع هذا التنوع في استخدام تقنيات الحلم داخل الكتابة، هناك نوع آخر من التنوع يخص رؤية الكتّاب أنفسهم لأحلامهم، وهو ما يتحكم في كتابتهم ونظرتهم، وربما حتى في طريقة استرجاع أحلامهم هذه.

الحلم كاستشراف

برغم أننا جميعاً نرى الأحلام، ولكن في الواقع، للحلم تمثلات عدة، سواء عبر الثقافات المختلفة، أو عبر العلوم والأديان، فالحلم في الدين الإسلامي مثلاً قُدِّم كاستشراف، إذ تمتلئ سورة يوسف بالعديد من الأحلام التي تحققت أمام أعين أصحابها كما فُسّرت، وكأن الحلم ربما أشبه بمعجزة قابلة للتحقق. يتفق عالم النفس كارل يونغ مع فكرة قدرة الحلم على استشراف المستقبل، ولكنه يعدّه بمثابة حدس، وهنا يقدّم لعالم الوعي قدرةً استثنائيةً على فهم الواقع قبل أن يولد.


ترى إسراء مقيدم، وهي كاتبة ومترجمة ومهتمة بالتصوف، في حديثها لرصيف22 أن الحلم في النص الديني هو "نص داخل نص، إذ إن كل آية لها جوهر ومعنى داخلي منطوٍ على معنى داخلي، فهي طبقات من المعاني وكل إنسان يفهم ما يدركه وعيه". أما تعامل النص القرآني نفسه مع الحلم، فترى إسراء أنه استطاع التعامل مع كل درجات الحلم، سواء عبر "الدرجة الظاهرية والتي هي الحكاية الجميلة، ثم في القلب منها موجودة الرؤيا وتكهن المستقبل، وفي الباطن المعجزة".

في حين ترى إسراء أن الأحلام متنوعة، فهناك بحسب تفسيرها "الأحلام التي هي إعادة برمجة لأحداث يومنا، وهناك أحلام هي أصداء لأزمات في طفولتنا، وأحلام مجرد تفريغ للذهن، وأحلام تجعلنا على اتصال متصل باللاوعي الجمعي"، وهي كلها أحلام مهمة في نظرها، وفي الوقت ذاته هي رسائل من الله كما تراها، تساعدها هي ذاتها على هذا التواصل، الذي هو أساس التوازن الذي تسعى إليه في كتابتها.

وعموماً لا تنفك الأحلام أن تصبح جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية في عمومها، وهو ما يجعل علاقتها بالتصوف أيضاً وطيدةً، وإن كان التصوف على الرغم من كل انطباعاته عن عالم الأحلام ولكنه لا ينشغل بها لفهم الأفراد أنفسهم، وتفسّر إسراء ذلك بأن الأحلام بحسب التصوف "منها ما يفيد الروح ومنها ما يضرّها، لذا فانشغالنا بها سيلهينا عن معرفة أنفسنا، وتالياً يجب فهمه في سياقه الأكبر، كمرآة تعكس ما في أنفسنا، وتالياً فهذا أول الطريق لفهم المرء لنفسه، وتالياً معرفة ربه". وبحسب إسراء، فإن أحلامها التي غالباً ما تكون لها علاقة بذاتها، كانت إحدى أهم ركائز رحلتها في معرفة ذاتها، والله أيضاً، وهو الأمر الذي جعلها تولي أهميةً كبيرةً لهذه الأحلام، عبر فهمها، وتدوينها، وتحسين مهارة التدخل فيها أحياناً.

الحلم كتفسير

يتفق يونغ المسمّى بشيخ علماء النفس مع ابن عربي, فيلسوف المتصوفين، في كثير من أفكاره كما سبق وأوضحنا، ولكنها أفكار لم يكن يتفق معه فيها أبداً أستاذه فرويد، الذي عدّ الحلم تعبيراً عن مرض ما، إذ لجأ إلى تفسير الأحلام لإيجاد المرض الرابض في نفوس مرضاه، لأن الحلم كما يراه تعبير عن مكنونات النفس الإنسانية الحقيقية.

وبشكل علمي بحت، وبحسب كتاب "علم الأحلام منافعها ومحتواها ونظرياتها"، فإن العلماء أكدوا وجود "ارتباط وثيق بين عمليات الحلم وعمليات معقدة في ذهن النائم. لكن أهم ربط جاء من علماء أثبتوا التوازي بين غزارة الأحلام في محتواها، وتطور ملكات المعرفة في الإنسان من الطفولة حتى الشيخوخة، وتالياً فإن العلم يعيد قدرة الحلم نفسها إلى قدرة الذهن ذاته والتي تختلف من شخص إلى آخر، فإذاً كيف يمكن أن يكون الحلم بين علم النفس وعلم الدماغ؟ هل يمكننا عدّه مرضاً أم إبداعاً؟


توضح هالة صلاح، وهي كاتبة وسيناريست، لرصيف22 أنها ترى الأحلام "كمرآة للّاوعي، فهي تعبير عن المخاوف التي لا ندركها والرغبات التي ندرك بعضها ونتجاهل البعض الآخر وندفن العسير على التحقيق منها في أعماق سحيقة حتى نتمكن من المضيّ في الحياة".

تشير هالة إلى أنها لا يشغلها أن تكتشف ذاتها عبر الحلم، ولكن أحلامها "طالما كانت نبعاً أستلهم منه خيالاً يعمل كحليّ للحكايات التي أحب أن أحكيها، ومن خيال الأحلام هذا أستمدّ بعض السحر لأطعم به حياتي التي أحاول أن تكون واقعيةً ومسؤولةً".

أما عن استرجاع هذه الأحلام من أجل لحظة الكتابة، فتوضح هالة أننا "نصحو من الأحلام متذكرين مشاهد ما من هنا وهناك، ولأن عقول البشر تطورت بناءً على ‘القصة/الكذبة’، وتلك هي الوسيلة التي استطاعت بها البشرية أن تخلق الروابط والأفكار، فعلى الفور وبمجرد الاستيقاظ تعمل عقولنا بالشكل الذي اعتادت عليه، فتصنع الروابط بين تلك المشاهد المتشظية لتصنع منها ‘القصة/الحلم’، ومن هنا يمكننا القول إن الكاتب يصنع قصته، والتي تكون مزيجاً من اللاوعي في النوم، والوعي لخلق قصته المكتوبة، وذلك لأن الحلم مادة ثرية عموماً في الكتابة كما توضح إذ إنه "في الكتابة قد تُستخدم الأحلام كأداة للكشف عن مخاوف ورغبات وفانتازيا الشخصيات، أداة على بساطتها قوية وبليغة وتمنح الكاتب باب هروب من المباشرة المقيتة والخطابية المنفّرة، وذلك نموذج واحد فقط لاستخدام الأحلام إذ إن النماذج والاستخدامات لانهائية".

الحلم كتأمل

وبعيداً عن الدين وعلم النفس، فقد رأى العلماء الروحيون أن عالم اللاوعي هو عالم آخر، الاهتمام به يساعد في تقوية ملكات عالم الوعي، فبحسب كتاب "الأحلام لجليّة الدليل لتصبح واعياً في أحلامك"، فإن الكاتب يرى أن "النوم ليس مجرد 'إهدارٍ للوقت' كما يرى البعض، إنما هو فترة تدريب محتملة على النموّ النفسي الروحي، ومختبر الاستكشاف الداخلي الذي يجعلنا أكثر وضوحاً ووعياً، وعلى بيّنةٍ من حياتنا في حالة الاستيقاظ"، وتالياً فإن هناك اعتباراً إذاً لمستوى آخر من اليقظة داخل الحلم يساعد الحالم على الارتباط بذاته بشكل أفضل، ومن هنا يزداد وعيه، ويصبح عالم اللاوعي هو العالم المساعد بشكل أكبر على النمو، لا مجرد حلم.

في تاريخ الأدب العربي، تم استخدام تقنية الأحلام في كثير من الأعمال المكتوبة، لعل أشهرها ما كتبه الروائي نجيب محفوظ، الذي اعتمد في كتابته على استرجاع الأحلام كما هي في "أحلام فترة النقاهة"، والتي رقّمها بأرقام عدة، وقام بتسجيلها كما دوّنها

من جانبها، تشير أميمة صبحي (كاتبة ومحررة) لرصيف22, إلى أنه "في أحايين كثيرة نجد حلاً لمشكلة ما في أحلامنا، كما أني قد أجد حبكةً دراميةً في الحلم، فأصحو سريعاً لتدوينها لاستخدامها في الكتابة في ما بعد"، وعليه فالأحلام هنا، حلّ وإبداع في آن، إذ تشير إلى أن "ما يوفره الحلم للكاتب هو الخيال والانطلاق في عوالم موازية قد تساعده على تمديد رؤيته وفهم ما وراء الأشياء".

ولكن هذا لا يعني لصبحي أن تتحكم في أحلامها، وتوضح: "أعرف أن هناك تدريبات للتحكم في الأحلام، ولكني لم كثيراً بمعرفة كيفية التحكم في الحلم لأنني أحب استقبال الحلم بشكل عفوي غير مرتب له".

الحلم كنص مكتوب

يوضح لنا محمد عبد الرازق (روائي وطبيب أسنان) أن الأحلام لديه لها معنى مهم في لحظة الكتابة، وهو ما يجعله يتعامل معها باهتمام وحرص. يقول: "أنا أحلم بغزارة، لا أتذكر مرةً نمت فيها ولم أحلم ولو حلماً شديد القصر، غالباً ما تكون أحلامي مليئةً بالحركة ربما لأن أحلامي تتعلق بهواجسي أكثر، ثم تتحول إلى كوابيس، وكثيراً ما يتكرر معي أن تتداخل أحلامي، وفي الغالب تبدأ من نقطة مألوفة، ثم تسير في خط درامي مجنون، تتشكل فيه الصور والأصوات مع بعضها".

يرى عبد الرازق، من جانبه، أن الأحلام ليست مجرد زخرف جمالي، وإنما هي ضرورة فنية ملحة، وهو الأمر الذي جعله يوضح التالي: "أحاول أن أكتب أحلامي من وقت إلى آخر، في فترة ما كنت مداوماً على تدوينها باعتباره تمريناً قصيراً للكتابة، ثم استعنت بكثير منها في كتابة قصص أو في إثراء مشاهد من رواياتي، وأحياناً أستولي على أحلام أصدقائي وأكتبها".


أما عن التفرقة بين أحلام المبدع وغيره، فيشير عبد الرازق إلى أنه لا يرى هذا الفرق: "ربما لا يوجد فرق بين أحلام المبدع وغيره، ولكن يختلف الكاتب عن غيره في قدرته على التذكر وتطويع ما رآه وتطويره داخل مشروعه الكتابي. أحياناً أستمع إلى أحلام إخوتي وأصدقائي فأندهش من ثراء العالم الذي كانوا يطوفون فيه وهم نيام، وهو ما يؤكده كارل يونغ على حد وصفه بأنه بعد دقائق من الاستيقاظ يختلط عالم الحلم بالحقيقة وتضيع تفاصيل كثيرة".

وبرغم ما في عالم الأحلام من تنوع، ما يجعل فهمه عصياً نظراً إلى انفتاحه على الكثير من الاحتمالات، ولكنه دائماً ما يجعلها عمليةً ممتعةً، من ذلك التنوع تأتي الفرادة، ومن هذه الفرادة تُغزل الحكايات.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard