حبسة الكتابة... لا يلزمني أن يكون الإلهام كلباً مدرباً تحت مكتبي

السبت 4 ديسمبر 202112:23 م

المقيل العالي للمخيّلة


كتب أورسن سكوت كارد: "حبسة الكتابة هي عقلي اللاواعي يخبرني أن شيئاً كتبته للتو إما لا يصدق أو غير مفهوم بالنسبة لي، وأن عليّ العودة للوراء قليلاً والتفكير بما كتبت". بينما توجه هيلاري مانتيل نصيحتها التالية للكُتاب: "إذا واجهتك حبسة الكتابة عزيزي الكاتب: اخرج من مكتبك، اذهب في نزهة، خذ حماماً ساخناً، اذهب للنوم، ثم قم بخبز فطيرة، ارسم شيئاً، استمع إلى الموسيقى، تأمل، مارس الرياضة. مهما حصل لا تجلس فقط وتتذمر من عدم قدرتك على الكتابة، لا تقم باتصال هاتفي أبداً ولا تذهب إلى حفلة، إذا فعلت ذلك سوف تأخذ كلمات الآخرين مساحتها في دماغك مستبدلة الكلمات التي يجب أن تملأ بها الكلمات المفقودة في نصك".

يختلف تعريف حبسة الكتابة من كاتب إلى آخر، فهناك من يراها مرحلة ضرورية ليستريح العقل من الإنهاك، وآخرون يرونها مجرد كذبة، فبعض الكتاب يكتبون بلا توقف، وآخرون يلاحقون الكلمة بإنهاك ويتوقفون كثيراً.

الهرب من مخطوط إلى آخر

تشاركنا الروائية منصورة عز الدين مفهومها الخاص عن حبسة الكتابة قائلة: ‏علاقتي بالكتابة يومية، لا أتذكر يوماً لم أكتب فيه ولو فقرة واحدة أو مقالة صحفية. يمكن القول حتى إن الكتابة أسلوب حياة بالنسبة لي، وعلاقتي بالعالم من حولي تقوم على الكلمة المكتوبة، فهي وسيلتي لفهمه والتعامل معه. من هنا، فحبسة الكتابة بمعناها التقليدي غير مألوفة لي، إذ تنتمي إلى الماضي، إلى بدايات علاقتي بالكتابة. أتذكر مثلاً أنني كتبت روايتي الأولى (متاهة مريم) على مدار أكثر من أربع سنوات، انقضى ما لا يقل عن نصفها في فترات انقطاع متوالية عن الكتابة، لدرجة ظننت معها أنني لن أنتهي من كتابتها أبداً.

‏منذ سنوات، لم أعد أعاني من حبسة كتابة، على هذا النحو، إذ أنني أكتب باستمرار، ودائماً ما أكون في منتصف كتابة نص ما، لكن في المقابل ثمة أنواع غير واضحة من حبسة الكتابة قد تخصّ عملاً بعينه. ثمة مخطوطات شبه منتهية، وتحتاج فقط إلى التنقيح أو سد بعض الثغرات، وأجدني أهرب منها أحياناً بالبدء في مخطوط جديد، يحدث أن أنتهي منه ومن آخر يليه، في حين يظل المخطوط المهجور شبه المنتهي متروكاً، على أمل أن أعود له في القريب.

"إذا واجهتك حبسة الكتابة عزيزي الكاتب: اخرج من مكتبك، اذهب في نزهة، خذ حماماً ساخناً، اذهب للنوم، ثم قم بخبز فطيرة، ارسم شيئاً، استمع إلى الموسيقى، تأمل، مارس الرياضة. مهما حصل لا تجلس فقط وتتذمر من عدم قدرتك على الكتابة"

‏لدي مثلاً رواية من 2013، كنت قد نشرت فصلها الأولى في إحدى الدوريات وصدر في كتيب مطبوع بالعربية والإنجليزية، وحتى الآن ما زالت في طور الكتابة، وعندي رواية انتهيت من مخطوطها الثاني في منتصف 2017، وما زال هذا المخطوط ينتظر القليل من التنقيحات النهائية.

متلازمة حبسة الكتابة

أما الروائي إبراهيم فرغلي الذي يعتقد بتلازم حبسة الكتابة للكُتاب فيقول: أعتقد أن حبسة الكتابة ملازمة لأي كاتب ولأي مشروع كتابة، مهما بدا مشروع الكتاب واضحاً أو متدفقاً، لأن المشروع في بدايته يكون واضحا للكاتب بنسبة معينة، لكن مع بدء الكتابة تبدأ التفاصيل والأسئلة في الظهور. تظهر شخصيات لم يكن مخططا لها، أو فكرة تنبثق وتبدو ضرورية، ومن هذه الضرورة تبدأ الأفكار في التوارد وتتكاثر أحياناً لدرجة معطلة.

شخصياً مثلاً كنت أعمل في "معبد أنامل الحرير"، وهي رواية فانتازيا تدور في عدة مستويات: مستوى مخطوطة تتحدث عن نفسها، ومتنها يقرأ بواسطة أيدٍ تتناقلها، وفجأة ظهرت في خيالي يدا فتاة سمراء فقط. بعد تفكير فكرت أن تكون إثيوبية ولها دور محدد في النص. هنا تعطلت ستة شهور عن الكتابة حيث عدت لقراءة تاريخ أثيوبيا ومشاهدة مسلسلات إثيوبية، دراما وروايات والتقيت شخصيات من إثيوبيا إلى آخره.

رغم تشككي من ضرورة وجود الشخصية لكن كان لا بد من انهاء البحث وتقمص الشخصية وتوظيفها فنياً، وكان قراري الاحتفاظ فيها في المتن. أحياناً تأتي حبسة الكتابة لأن النهاية المخططة للنص تبدو غير مقنعة، أو تحتاج لإضافات في الحبكة، وهنا أنتظر طويلاً، وأحياناً أعمل في عمل آخر وأنشغل به حتى يناديني العمل الأول في التوقيت الذي أعتقد أن حل العقدة يكون قد تكوّن في لا وعيي. وبالتالي حقيقة لا أؤمن بحبسة الكتابة، بل هي عملية تفكير معقدة، والمهم أن يشغل المرء نفسه بعمل آخر حتى يصل لما يريد الوصول إليه.

وفي الحقيقة حبسة الكتابة عادة بالنسبة لي ما تكون سبباً في إنجاز مشروع غير مخطط له. وفي بعض الأحيان قد يتعطل مشروع تماماً بسبب حبسة الكتابة، لكنها تكون سبباً في إنجاز مشروعات أخرى تمتلك عوامل إنجازها بشكل جيد.

طريقة العقل لشحن طاقته

وللروائية نورا ناجي طريقتها الخاصة أيضاً في التعامل مع حبسة الكتابة: يحدث في بعض الأحيان أن أفقد الرغبة في كل شيء، في ميكانيكية الكتابة بحد ذاتها. أجلس وأفتح اللاب توب وأحضر ملف وورد جديد وأبدأ بالكتابة، أحياناً حتى الفكرة نفسها تصبح بعيدة، وتتحول الكلمات في عقلي إلى ضباب، تصبح سائلة بلا معالم واضحة، وحينها افهم أن هذه فترة توقف، حبسة كتابة كما يسمونها.

لا شيء يجدي في التغلب على حبسة الكتابة، أتركها لتأخذ وقتها ثم تذهب وحدها، أفكر أنها مثل النوم، يأخذ الجسم وقته الذي يحتاجه في النوم ليتعافى ويتجدد، مثل عقلي، يأخذ وقته في الابتعاد عن الكتابة لينتعش ويتجدد ويكوّن أفكاراً جديدة، ربما لغة جديدة وتراكيب جديدة.

تحدث لي حبسة الكتابة في كل مشروع أدبي، أعرف أنني سأمر بأيام أتوقف فيها عن الكتابة بل وتخفت علاقتي بالرواية نفسها، ولا أقلق، أتركها تمر، وأتفهمها وأتصالح معها، أروضها مثل عصفور يطير حولي ثم يتوقف قليلاً على كتفي ثم يعاود طيرانه.

حبسة الكتابة ليست خرافة، هي مجرد طريقة العقل لشحن طاقته، وهي ليست بأدوار البرد موسمية، بل أقرب لزائر يأتي بلا موعد، مثل المطر والحب وحتى الكوارث

هي ليست خرافة، مجرد طريقة العقل لشحن طاقته، أو أحب التفكير فيها بهذا الشكل المتفائل بدلاً من وصمها بأنها أمر بغيض نكرهه، وهي ليست بأدوار البرد موسمية، بل أقرب لزائر يأتي بلا موعد، مثل المطر والحب وحتى الكوارث، لا سبيل للتعامل مع كل هذه الأشياء إلا بالصبر والقراءة والتأمل ورصد كل شيء يمكن أن يعيد الكتابة إليّ، هي ستعود حتماً لكن لا مانع من التودد للمحبوبة، ومن محاولات استجلابها أو التظاهر بذلك، لتعود ظافرة رافعة رأسها.

الرعب من الورقة البيضاء

 متحدثا عن رعبه من الورقة البيضاء يقول همنجواي: "يحدث أحياناً أن أشرع في كتابة قصة ما ولا أتمكن من التقدم فيها. أقول لنفسي: لا تقلق. لقد كنت تكتب دوماً من قبل وستكتب الآن. كل ما عليك أن تفعله هو أن تكتب جملة حقيقية واحدة. جملة خبرية حقيقية بسيطة". لا أنسى تلك العبارة التي قالها في أحد أقرب الكتب إلى قلبي: "وليمة متنقلة".


ثم يتابع الصحفي والقاص هشام أصلان: "هذا النوع من حبسة الكتابة هو الأقرب بالنسبة لما يحدث معي. ذلك التوقف الذي لا يسببه عدم وجود أفكار للكتابة، ولكن لسبب آخر لا أعلمه أبداً، وهو حين يأتي يصيب الكتابة في كل أشكالها، بداية من قصة تكاد تكون مكتوبة في رأسي لكن حائلاً يقف أمام نقلها على الصفحة، أو مقال وإن كانت فكرته وشكل صياغته حاضران، أو حتى مشاركة على فيسبوك. أحيانا أشعر أن الموضوع لا يخرج عن الكسل البالغ ثم أخجل أن يكون هذا هو السبب. وحين ينصح همنجواي بجملة خبرية صادقة يفترض أن تنساب بعدها الكتابة، يبدو الأمر سهلاً، لكنه ليس كذلك.

لطالما ذهبت دفقات الحماس هباء لمجرد أنني لم أستغلها لحظة مجيئها. أتصور أن هذا هو الحل الوحيد للتغلب على هذه الحالة. وأسوأ ما يحدث أن يأتي الحماس ويضيع في وضع خطط مستقبلية. المرء عليه تصديق صعوبة تغيير عاداته فوراً. وإن قلت لنفسك مثلاً: "سأستيقظ مبكراً وآخذ إفطاراً جيداً وأبدأ العمل بصفاء الذهن الصباحي لعدد معين من الساعات بشكل منظم ويومي"، إن قلت لنفسك هذا عليك أن تشعر بالخطر، وضع الخطط في لحظات الحماس أضاع الكثير من الوقت، وهو مثل مخدر وقتي لألم الإحساس بعدم الإنجاز.

وأنا مؤمن بأن الإنجاز يستدعي عدم انتظار حالة الكتابة بل دفع المرء نفسه إليها، غير أنه في حالات انغلاق النفس وحبسة الكتابة، يصبح الوحي بفكرة أو مجيء المزاج الملائم منحة سماوية لا بد من اقتناصها فوراً، لا إهدارها في وضع خطة. لكن حالة القنص تلك تشبه، في تلك الحالة، محاولة تحريك جبل من مكانه بمجرد رؤية الصفحة البيضاء، لذا أحاول التغلب على ذلك بفتح صفحة أخرى أكون قد كتبت فيها شيئاً يحتاج بعض التعديل أو التطوير، وهي حيلة ناجحة بشكل لا بأس به، حيث أستمتع كثيراً بمراجعة شيء مكتوب واللعب بداخله.

أراد النبي محمد أن يتردى من فوق الجبال عندما انقطع عنه الوحي وفتر لفترة، بينما أجاب الطيب صالح عن سؤال التوقفات الطويلة بين أعماله أنه يريد أن يعيش الحياة. نحن نتنفس الكتابة، لو لم نكتب ثانية سنتنفس ما كتبنا أو ما كتبه غيرنا، أو تنقطع أنفاسنا

والواحد يأخذ وقتاً ليس قصيراً ليكتشف ما يلائمه ويتخلص من موروثات فكرية كبر عليها وتتردد كأنها قوانين. مثلاً، كبرنا على نصيحة ألا تتحدث عما تريد كتابته حتى لا تفرغ احتقانك به، ومن ثم ينخفض احتياجك إلى كتابته، وأنا أخذت وقتاً طويلاً لأكتشف أن تلك الطريقة لا تناسبني أبداً. لطالما عجزت عن كتابة أشياء بدون فهم أسباب لذلك العجز، ثم يحدث أن أشارك الأصدقاء الحديث عنها عبر الدردشة أو الإشارة القصيرة إليها على فيسبوك، ثم تتدفق الكتابة بسهولة وحماس أكبر بعد ذلك. ربما أن السبب هو قياس التفاعل مع الفكرة أو تطويرها مع المناقشة.

هكذا على الواحد أن يكتشف نفسه أكثر، ولا يعتمد على ما ورثه من أفكار حتى لو كانت صالحة لغيره، ومهما كانت منتشرة بين آخرين. والمؤكد أن حبسة الكتابة ليست خرافة، إلا أن أسبابها وأشكالها تختلف من كاتب لآخر. ويبقى الرهان الأكبر على مدى الاحتياج للكتابة، حيث أعتبر أن ذلك الاحتياج هو الحقيقة الوحيدة الثابتة كشرط لوجود الكاتب الحقيقي عبر التاريخ، وإن تعددت أسباب الاحتياج من كاتب لآخر.

العيش بانتظار القصيدة التالية

و إسلام نوار، الذي يعيش دوماً في حالة كتابة حتى لو لم يكتب، يقول: ما إن قيل لي تحقيق عن حبسة الكتابة حتى استغربت بشدة كأنني أول مرة أسمع بهذا المصطلح، يسيطر على  ذهني المصطلح في صيغته الإنجليزية "writer's block" وأظنه الأكثر استخداماً عربياً حتى، أما مصطلح حبسة الكتابة، فيا لرومانسيته، متناسب جدا مع أحوالنا العربية، حبسة، حبس، سجن.

الكاتب العربي فعلاً إما في ذلك السجن المادي ذي الجدران والقضبان والأسوار والأسلاك الشائكة وأبراج الحراسة والسجانين وكلاب الحراسة، وإما خارج السجن المادي في مجال عام منغلق مغلق، لا يمكنه من خلاله أن يطلق خياله ويكتب حتى إذا أراد أن يكتب.

 فالكتاب العرب أساتذة كبار في التخفي والمدارة ولي عنق المجاز كوسائل للهرب من التفتيش وراء ما يكتبون. هذا ما يمكن أن أفهمه عن الحبسة، أما ال writer's block، بمعناها المقصود في التحقيق، فلا أفهمها جيداً، لأنه لا يلزمني جداً أن يكون الإلهام كلباً مدرباً تحت مكتبي، ولا يلزمني أن تذهب الكتابة ولا تعود أبداً، يا للألم، كم سيكون قاسياً هذا.

أشعر دوماً أنني في حالة كتابة أو في حالة تخطيط لها أو انتظار لها أو جري وراءها، يا للألم، أراد النبي محمد أن يتردى من فوق الجبال عندما انقطع عنه الوحي وفتر لفترة، بينما أجاب الطيب صالح عن سؤال التوقفات الطويلة بين أعماله أنه يريد أن يعيش الحياة.  نحن نتنفس الكتابة، لو لم نكتب ثانية سنتنفس ما كتبنا أو ما كتبه غيرنا، أو تنقطع أنفاسنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard