شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
أستاذ جامعي يضع رجال الأمن ورجال الدين في جيبه الصغير

أستاذ جامعي يضع رجال الأمن ورجال الدين في جيبه الصغير

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير

الخميس 11 يوليو 202410:46 ص

لا أستطيع في هذا المقال أن أكتب اسم الاستاذ الجامعي تفادياً لمشكلة الدعاوى القضائية، وغيرها من التهديدات الأمنية المحتملة، لكن فجأة انتبهت إلى أنني لست بحاجة أصلاً إلى ذلك، إذ إن هذا الأستاذ الجامعي، صاحب البطولة في "قصّة" سترد لاحقاً في هذا المقال، إنما هو يُمثّل تياراً من الأشباه الذين لو كانوا مكانه لما تصرّفوا على نحو مختلف.

لا تحتاج السلطات الديكتاتورية لتوظيف رجال أمن في الجامعات. لماذا عليها  دفع رواتب زائدة عن الحاجة؟ ببساطة تستطيع تجنيد عدد كبير من الطلاب والأساتذة الجامعيين ليقوموا بهذه المهمة على أكمل وجه، مقابل امتيازات متعدّدة، تلك الامتيازات التي تغذّي أوهام القوّة والتحكّم وتسيير ما لا يمكن تسييره بشكل طبيعي، فبالنسبة للطلاب، يكفيهم أن يكونوا في الهيئات الطلابية وغيرها من اللجان، ما يساعدهم على الاقتراب من مواقع القرار والسلطة، و يكدّس في داخلهم مشاعر التفوّق على زملائهم، لتصبح لديهم أوراق قوة في كل مجالات الفساد الجامعي (الامتحانات والدرجات والابتزاز والجنس... إلخ)، ليصبحوا مجرّد موظفين لتمرير هذا الفساد وتعميمه، بل والدفاع عنه بشراسة المستفيد.

لا يختلف الأمر لدى الأساتذة في شهوتهم إلى كل أنواع السلطة والقوة والنفوذ، هؤلاء جميعهم ممن فَهِم اللعبة وقام بتعطيل جهاز الحرية في داخله -إن كان موجوداً بالأصل- كما داسوا عمداً كرامتهم، وبالتالي يدوسون كرامة أي انسان وبشكل خاص من يحترم ذاته، لأنه يُشكِّل منبهاً لا ينقطع عن الطنين ليذكرّهم بإنسانيتهم المهدورة والمسحوقة.

لا تحتاج السلطات الديكتاتورية لتوظيف رجال أمن في الجامعات. لماذا عليها  دفع رواتب زائدة عن الحاجة؟ ببساطة تستطيع تجنيد عدد كبير من الطلاب والأساتذة الجامعيين ليقوموا بهذه المهمة على أكمل وجه، مقابل امتيازات متعدّدة

قبل الحدث الفلسطيني الأخير، والوحشية غير المسبوقة التي تعرّضت لها غزة، كنا نظن أن بلداننا هي مقابر الصوت والحريات، ليتضح أن هذا شأن عالمي وإن اختلفت أساليب التمويه، وهذا الطرح لا يمتّ بصلة إلى طروحات من يُجمّل بشاعته بالإشارة إلى بشاعة الآخر، إذ درج على صفحات التواصل الاجتماعي انتشار واسع لجماعة "ألم نقل لكم لا ديمقراطية في العالم"، معتبرين أن الأطواق على أعناقهم والسلاسل في أقدامهم ما هي إلا إكسسوارات لطيفة ومنحة مجزية من أنظمتهم.

بالعودة إلى الحدث الغزاوي، صار المشهد أكثر فضائحية بعد تحرّك طلاب وأساتذة من الجامعات الأمريكية، ووقوف رئيسة جامعة كولومبيا الأميركية نعمت شفيق، في مواجهة زملائها من أعضاء هيئة التدريس وكذلك طلاب جامعتها، حيث استدعت شرطة نيويورك إلى الحرم الجامعي لإنهاء اعتصام أقامه المتظاهرون اعتراضاً على الحرب الإسرائيلية على غزة، كما تم اعتقال الاستاذة الجامعية نويل مكافي، رئيسة قسم الفلسفة في جامعة إيموري بأتلاتنتا، وتم اعتقال الروائي العراقي البروفيسور سنان أنطون، وغيرهم الكثير.

لن ندخل هنا في التعليق على تفاصيل هذا الحدث الهام، وشرح الفروق بين نعمت شفيق مقابل نويل مكافي، على المستوى الشخصي والخلفيات الثقافية أو غيرها، ما يهم هنا فهم الآلية والمواقف والدوافع والاصطفافات، لأن أبطال هذه القصة سيتكرّر ظهورهم بشكل مستمرّ، وسوف تنجب الأحداث والأيام على الدوام نماذج مشابهة حد التطابق.

كنا، في وقت ما من فهمنا المراهق والحالم بالضرورة، نظن أن الأستاذ الجامعي رسولاً منزّهاً عن الخطأ ويملك نُبلاً لا يُضاهى، كيف لا وهو من أمضى جلّ وقته في البحث العلمي والمكتبات وتقليب الصفحات والسهر والتعب والكتب والموسوعات؟ كنّا نظنّه الشخص الذي تنازل عن الشهوات والمتعة لصالح العلم والمعرفة، وقد يكون البعض كذلك، إذ لا يصحّ التعميم، لكن بالعموم صُدمنا، وحين فكرّنا وراجعنا الموقف، اتضح أن رجل العلم ليس بالضرورة من يملك فكراً ووعياً كافيين، وبشكل خاص فيما يخصّ المجتمع والقيم والفكر بالعموم، بل ربما يمكن الجزم أن انشغال الباحثين في علومهم التخصصية على حد كبير وملتهم للوقت يحرمهم الاشتغال على وعيهم وفكرهم من خلال القراءة وغيرها من قنوات الفكر والثقافة، إلا فيما ندر، وهذه جريمة واضحة في مجتمعاتنا، إذ يعتقد صاحب الشهادات العلمية العليا، ومهما كان اختصاصه، بأنه قابض على الوعي والفكر، ويستطيع أن يخوض في أي فكرة أو مشكلة اجتماعية أو سياسية أو غيرها من المشكلات المطروحة، أما الطامة الكبرى هي تسويق المجتمع لهذه الفكرة وتبنّيه الأعمى لها، فلا يمكن لأي أحد أن يشكّك في كلام دكتور جامعي أو طبيب يتحدث في المسألة الدينية مثلاً أو في أمر اجتماعي أو حدث سياسي.

من الطبيعي، أنه يحق للجميع أن يُدلي برأيه أو يتبنّى موقفاً ما يخصّ حدثاً ما، لكن ليس على النحو الذي يجعل كلامه منزّلاً ولا يقبل الشك أو حتى المراجعة، كأنما لقبه العلمي قد أعطاه حصانة لا تُخترق؛ وتعظم الكارثة إذا ما كان في الجلسة بسطاء أو مراهقون أو أطفال، حيث سيُختم على كلامه بالأصابع العشرة ويصبح حقيقة مطلقة، كيف لا ومن يتكلم هو الدكتور فلان؟

إنه تخريب مرعب نلمسه في مجتمعاتنا بشكل واضح وصريح، راجع في ذلك مثلاً المنتمين للحركات الجهادية، ستجد إلى جانب الفئات الأميّة البسيطة ثمة حضور لا يستهان به لمن يحملون شهادات جامعية أو درجات أكاديمية عالية، ينطوون جميعهم تحت أمرة وتوجيه رجل الدين القائد الملهم. يقول سارْتر في كتابه "دفاعاً عن المثقّفين الحقيقيين": "لو أردتُم مثالاً على هذا التّصور الشائع للمثقف، لقُلت إنّ صفةَ المثقّف لا تُطلق على علماء يَعْملون في حقْل انشطار الذرة لتطوير أسلحة الحرب الذّرية وتحسينها: فهُم محْضُ علماء، لا أكثر ولا أقلّ".

المثقف هو من يتحسّس الخطر في القمع وانعدام الحرية، فيشتغل على فتح الفضاءات المنتجة والمبدعة التي تضمن حرية وكرامة الإنسان، لكن وكما قال طه حسين: "ليس كل متعلّم مثقفاً".

يردّدون شعارات الحرية واحترام الاختلاف وغيرها من الأقوال التي تجعلك تظن أنهم يحملون في حقائبهم حلول نهضتنا الممكنة، وما إن يُحكّ الطلاء عن جلودهم لسبب ما، حتى تجد أمامك شخصاً صادماً بسلوكياته السفيهة والمتخلّفة

في إحدى الجامعات السورية، ثمة أستاذ جامعي تقلّب في عدة مناصب إدارية عليا. أعتقد أنه أحد أشهر ملوك الشعارات والكليشيهات الجاهزة، نظيف الكفّ، وهنا طامة كبرى تسوّقه كرجل ثقة. ملكي أكثر من ملك ومتديّن أكثر من شيخ. الرعب يكمن هنا، إذ يعتقد أنه جزء من منظومة لا يجوز هدمها من أجل بناء حقيقي على أنقاضها، بل هو أحد أشدّ حرّاسها شراسة، محافظاً على ركودها الآسن لجهله؛ ممتلئ بكل الأوهام التي لقنّوه إياها عن بناء المجتمع، عارفاً ومشخصاً لأسباب انهدامنا وانهزامنا، يستطيع أن يصوّب سهامه إلى كل دريئة محتملة، متعامياً عن السبب الحقيقي، إما نفاقاً أو جهلاً حقيقياً، لكن ما الفائدة من كل تلك الشعارات والحافظة النشطة، إذا ما عرفنا من أحد الطلاب وأستاذه المشرف أن هذا البروفيسور استشاط غضباً، أرغى وأزبد وعلا صوته، وهدد وتوعدّ من موقعه الإداري حين عرف عنوان رسالة الدكتوراه التي سوف يقدمها الطالب يوم المناقشة، والتي تدور حول تفصيل اجتماعي صغير يخص طائفة دينية من الأقليات التي ينتمي إليها البروفيسور الغاضب، وقد هدّد لجنة التحكيم فيما لو منحوا الطالب علامة تفوق "المقبول"، وتوّعد بفتح تحقيق لكشف الجناة الذين مرّروا هذا العنوان، وأعطوا الطالب موافقتهم لتسجيله وإعداد الأطروحة الجامعية.

 الغريب بالأمر أنني، وبمحض المصادفة، وبينما أبحث في غوغل عن معلومات تخصّ هذا "البروفيسور"، لتفتح أمامي الصفحة الأولى تظهره بينما يتغنى ويردّد حدّ التبنيّ مقولة مارون عبود: "دخلت الجامعة وأنا جاهل بلا شهادة، وتخرّجت منها وأنا جاهل أحمل شهادة"، معتبرها شعاره وحجتّه في وجه المتعلمين الجهلة من حوله.

ابتسمت وقلت له في سرّي: "صدقت".

أخبرني الطالب أنه عرض فكرة البحث على الكثير من رجال الدين بحكم حاجته للمعلومات، وقد لاقت الفكرة استحساناً من الجميع وتشجيعاً له، بل شكره أحدهم ممن يُعتبروا مرجعية دينية له مكانة لا يستهان بها. قال لي، بينما علائم الصدمة والخذلان والاحباط تلون وجهه: "جاء الدعم من الجهة التي ظننتها ستحاربني وتعيق البحث، بينما حوربت بقسوة ممن يفترض أنه الداعم للعلم والمعرفة".

يفترض المنطق أن أوضح صفة لدى المشتغل بالبحث العلمي وبالمعرفة والفكر هي احترامه لحرية الآخر. نعلم جميعنا أن الكثير منهم يردّدون شعارات الحرية واحترام الاختلاف وغيرها من الأقوال التي تجعلك تظن أنهم عاصروا النهضة الأوربية، ويحملون في حقائبهم حلول نهضتنا الممكنة، وقد عرفوا كل أسباب التخلّف، وما إن يُحكّ الطلاء عن جلودهم لسبب ما، حتى تجد أمامك شخصاً صادماً بسلوكياته السفيهة والمتخلّفة. هؤلاء يُفترض بهم أن يكونوا روح الجامعة الحرّة باعتبارها مركزاً للحريات بكل أشكالها، وبشكل خاص الأكاديمية، تلك الحرية التي يُفترض أن تصبغ أصحابها بباقي الحريات المطلوبة لتقدم المجتمعات، لكن الواقع يقول غير ذلك بكل مرارة، فثمة فزّاعات منتشرة في كل قسم وكل كلية، وربما في كل قاعة دراسية، تراقب كل حركة وكل همسة، وتحرس الخوف والجهل بصرامة الموظف الروبوت.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard