شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
سأخلق بقرةً زرقاء وسأذهب إلى الجحيم

سأخلق بقرةً زرقاء وسأذهب إلى الجحيم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الأربعاء 3 يوليو 202411:45 ص

يُنشر هذا النصّ ضمن "لنتخيّل"، وهو ملفّ مفتوح يضم نصوصاً، مدوّنات، قصصاً، مقابلات وتقارير صحافيةً نتخيّل من خلالها المستقبل الذي نوّد أن نعيش فيه، أو ذلك الذي سيُفرض علينا.

أرسلت لي رشا حلوة، محررتي في رصيف22، رسالةً، من ضمن مراسلة مع مجموعة من الكتّاب، تطلب مني فيها، أو هي تتوقع مني أن أشارك في مشروع يطلقونه مؤخراً بعنوان "لنتخيّل". وبعد أن أكدت في رسالتها على قدرة الخيال على بناء مستقبل مشترك يتّسع للجميع، وذلك بقدرة التفكير الإبداعي على فعل ذلك، وبعد أن سردت بلغة أنيقة أسباب هذا المشروع ومسوّغاته، ختمت رسالتها بجملة: "على أمل أن يكون الخيال خطوةً في الطريق إلى هناك".

لا أنكر أنني قرأت الرسالة أكثر من خمس مرات لأفهم المطلوب مني، ولا أنكر كذلك أن قلة الاستيعاب هذه وبطء الفهم كان سببهما الجملة الأخيرة في الرسالة، وتحديداً كلمة "هناك". ما الذي تقصده رشا بكلمة هناك؟ هناك تعني أين يا عزيزتي؟ العلاقة الكتابية بين المرسِل والمتلقي في حقل الأدب أو حقل الفكر يشوبها الكثير من الخلل في معظم الأحيان، وذلك بسبب الفوارق التي تنشأ عند الطرفين نتيجة التطور التربوي أو العلمي أو المعرفي عموماً، ونتيجة ما يتبع ذلك من فروقات في النوايا بالطبع. ناهيك أن كلمات المكان والزمان إشكالية بطبعها، فما تعنيه كلمة "هنا" لشخص معيّن، ليس المعنى ذاته عند شخص آخر موجود في بقعة جغرافية مختلفة.

ما دخل الجغرافيا هنا؟ ولماذا أحيل الموضوع إلى مقاصد جغرافية، فالمحررة تقصد المستقبل، والمستقبل ليس مكاناً كما هو معروف. أما أنا ففهمت "جهنم". نعم، جهنم. لكن قبل أن أشرح لماذا فهمت ذلك، دعونا نتخيّل ما هي جهنم؛ هل هي مكان؟

لكن، ما دخل الجغرافيا هنا؟ ولماذا أحيل الموضوع إلى مقاصد جغرافية، فالمحررة تقصد المستقبل، والمستقبل ليس مكاناً كما هو معروف. أما أنا ففهمت "جهنم". نعم، جهنم. لكن قبل أن أشرح لماذا فهمت ذلك، دعونا نتخيّل ما هي جهنم؛ هل هي مكان؟ بالتأكيد نعم، هذا إن أجبنا عن السؤال من زاوية شخص يؤمن بما قيل له من قِبل جدّه الشيخ. أما إن سألنا شخصاً غير متديّن، أو قليل التديّن، فسوف يجيبنا بأنها أسطورة، والأسطورة ليست مكاناً أو زماناً، وهي خارج الاثنين ولا أحد يعلم أين تقع. إذاً، الفارق في المخزون المعرفي بين الشخصين يعطينا إجابتين مختلفتين تماماً. كلتاهما حقيقيتان بالنظر إلى حقيقتين متناقضتين لكنهما تسيران جنباً إلى جنب، من هنا إلى "هناك" في المستقبل.

الإنسان إذاً حيوان ذو ذاكرة، وتلقائياً فهو حيوان ذو خيال.

لكن الفوارق المعرفية والفكرية بيني وبين محررتي العزيزة ليست بهذا المقدار، أو هي ضئيلة جداً إلى درجة عدم ملاحظتها من قِبل مراقب محايد، ولولا ذلك لم تكن لتسمح لي بالكتابة عندها على ما أظن، وما كنت أنا لأسمح لنفسي أيضاً. ومع ذلك فهي تقصد المستقبل وأنا فهمت جهنم. كيف؟ ولماذا؟

أولاً، الخيال يؤدي بالضرورة إلى التوقّع، باستثناء ذلك النوع من الخيال الذي يمكن تصنيفه تحت بند الألعاب الذهنية الهادفة إلى المتعة لا غير، أو الهادفة إلى ابتعاد مؤقت عن الواقع المزري أو الحالة النفسية الصعبة، كأن "أترك أشغالي وأعمالي" وأجلس لأتخيّل بقرةً زرقاء تدرّ حليباً بنكهة السفرجل. سأستمتع للحظة بلون البقرة الغريب، وسأنسى للحظة صديقي النذل وديوني الكثيرة، ثم سأعود إلى الواقع. أما الخيال المقصود في الرسالة، فهو ذلك الذي يهدف إلى وضع تصورات يمكن تحقيقها برغم صعوبتها حالياً، أو هو توقع أشياء ستحدث، شئنا أم أبينا، وعلينا أن نكون جاهزين لها. هذا الخيال إن لم ينتج عنه شيء ذو قيمة، فنحن في السليم كما يقال. لكن لو حصل وتحققت توقعاتنا، فهذا يُدخلنا إلى مربع التنجيم بلغة المشعوذين، أو مربع المعرفة المسبقة بلغة العلم. وكلا المربعين يؤديان إلى ما يسمى "العلم بالغيب" بلغة الدين. ولأن محررتي تعرف تماماً أن العلم بالغيب ليس صفةً بشريةً، فهي تريد بلا شك أن توقعني في هذا الفخ من أجل الذهاب إلى "هناك" في نهاية المطاف.

الخيال يؤدي بالضرورة إلى التوقّع، باستثناء ذلك النوع من الخيال الذي يمكن تصنيفه تحت بند الألعاب الذهنية الهادفة إلى المتعة لا غير، أو الهادفة إلى ابتعاد مؤقت عن الواقع المزري أو الحالة النفسية الصعبة، كأن "أترك أشغالي وأعمالي" وأجلس لأتخيّل بقرةً زرقاء تدرّ حليباً بنكهة السفرجل

ثانياً، الخيال يحفّز على الإبداع كما تقول هي في رسالتها، أي أنها لا تنكر ذلك وتقوله صراحةً. والإبداع كما هو معروف مشتقّ من البدعة، أما المبدعون فهم أولئك الذين ينتجون البِدع ويروّجونها في عقول العامة وبين ظهرانيهم. وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة هناك، أقصد في النار، أي في جهنم، أي في المستقبل الذي تستخدمه محررتي لتلطيف الأمر عليّ. كان بإمكانها أن تكتب في رسالتها أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في المستقبل، لكنها أبت إلا أن تستخدم لغةً مراوغةً، وهذا مفهوم تماماً من جانبي، فهي لا تعرف أنني ممن يتركون أشغالهم وأعمالهم ويجلسون لتخيّل بقرة زرقاء.

ثالثاً، الخيال صنف متقدم من صنوف التفكير إن جاز التعبير أو جاز الوصف. لكن لماذا يفكّر البشر؟ يقال إن الإنسان حيوان ناطق، وهذه مقولة غاية في السخف حين نضعها تحت محكّ أن لكل حيوان لغته، واللغة هي طريقة صوتية لتوصيل المعلومة في نهاية الأمر. ومن لا يؤمنون بنظرية النطق يقولون إن الإنسان حيوان مفكّر، وهذا غير مقنع تماماً حين نراقب الغراب أو الدولفين. من جهتي، ولكي أخرج من هكذا تعريفات، أعتقد أن الإنسان حيوان وكفى. يُستثنى من هذا التعريف-الشتيمة، أولئك الذين يتمتعون بخيال خصب قادر على خلق بقرة زرقاء. ولكي تستطيع خلق بقرة زرقاء يجب أن تكون قد رأيت أبقاراً بألوان أخرى واستغربت أنك لم تصادف هذا اللون.

أقصد أنك حين تسبح في الخيال الخصب، لا بد أن تكون لديك ذاكرة خصبة، والذاكرة هي ما يسجله الدماغ من أحداث "اجتماعية"، أي مما يتفاعل به مع الآخرين من بشر أو حيوانات أو أشياء، وليس مما يقوم به بحكم الغريزة. بمعنى أن الذاكرة هي التي يُمكنها أن تُحكى، وأن تتحول إلى حكاية ممتعة أو مضحكة أو مؤلمة. هل حصل أن روى لك أحدهم كم مرةً ذهب إلى التواليت في الخامس من أيلول/ سبتمبر عام 2011؟ هل يمكن أن يندرج هذا الحدث تحت بند الذكريات؟ وكيف يمكنك استناداً إليه أن تسبح في الخيال؟

هل حصل أن روى لك أحدهم كم مرةً ذهب إلى التواليت في الخامس من أيلول/ سبتمبر عام 2011؟ هل يمكن أن يندرج هذا الحدث تحت بند الذكريات؟ وكيف يمكنك استناداً إليه أن تسبح في الخيال؟

الإنسان إذاً حيوان ذو ذاكرة، وتلقائياً فهو حيوان ذو خيال. والخيال تفكير خارج صندوق اللحظة، وهو معاكس لها أو يتجاوزها على الأقل، أي أنه يبتدع عالماً غير الذي هو فيه. وبلغة أخرى هو يطمح إلى أبعد مما قسمه الله له، أو هو عدم رضى بهذا المقسوم، أي أنه رفض بطريقة ما، وهذا الرفض، دون أدنى شك، يؤدي بك إلى "هناك" الجحيمية.

فيا سيدة رشا، ليس في رسالتك إلا دعوة مبطنة لإيقاعي في النار، لكنني سأوافق على المشاركة في هذا المشروع أملاً في شفاعتك لا أكثر.

دمت بخير.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard