شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
لو كنت غزياً وشاهدت أهلي في رام الله يرقصون في مسبح

لو كنت غزياً وشاهدت أهلي في رام الله يرقصون في مسبح

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

الأحد 23 يونيو 202412:41 م

عندما تقبض على نفسك وبقع الدم على ثوبك، أو مثلما تقول أغنية الفرقة المصرية "لمّا تقفش نفسك لابس دم، تقول: الكل ضحية".

ومنذ أيام قبضت رام الله على نفسها وعلى ثوبها بقع الدم، فقالت على ألسنة أبنائها الذين هبوا للدفاع عنها، مثلما قالت الأغنية بالضبط: "الكل ضحية". وأنا أريدُ أن أذكرهم بأن "تلك قضية"، وتستحق الوقوف عندها.

كثيرة كانت الفرضيات والتأويلات والانفعالات التي لحقت إغلاق الشرطة الفلسطينية مسبحاً في مدينة رام الله في الثامن من حزيران/ يوليو 2024، بناء على قرار من محافظ رام الله والبيرة، وبعد انتشار صور وفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي كانت "مخلة بالآداب العامة"، حسب وصف الشرطة.

وقد تسببت هذه الصور باستياء واسع بين المواطنين، بغض النظر عن الطريقة التي تسربت فيها الصور، ومن هو المعني بتسريبها؟ وهل التُقطت جميعها في نفس المسبح؟ أم رُكب بعضها فوق بعضها؟

يصرخ أحد الغزيين عبر "تيكتوك"، من خيام النزوح، تعليقاً على فيديوهات المسبح: "هاتوا خريطة فلسطين! شوفولي رام الله بفلسطين ولا برا؟".

فيردّ عليه أحد المدافعين عن رام الله إن مثل هذه الأفعال لا يقوم بها أهل البلد، بل الوافدون الشرهون إلى رام الله من المدن والقرى الأخرى.

منذ اتفاقية أوسلو محكومون داخل هذه المنظومة التي تدفعك للاستقلال بنفسك عن المجتمع، بدلاً من استقلال المجتمع عن الاحتلال

ضرب الغزي المُهاجِم فلسطينيةَ المدينة، وضرب الضفّاوي المدافع الفقراءَ والمساكين. ولا أحد يريد التحدث عن الطبقة السياسية الاقتصادية الحاكمة التي نعرف جميعاً انفصالها عن واقع الاحتلال منذ زمن بعيد، ربما لأن الاعتراف ضروري، بأننا سكان مدن الضفة الكبيرة قد تورّطنا إلى حد كبير في ثقافة هذه المنظومة الرأسمالية الفردانية والأنانية، وأن الدم موجود فعلاً على ثيابنا جميعاً.

والسؤال، لماذا يتورّط في هذا المشهد الدمويّ فقراء الموظفين؟ الذين يوزعون قطع الدجاج على طبخات الشهر، ويؤجلون أقساط أولادهم في الروضات ويعيشون اكتئاب أنصاف الرواتب، أو العمال الذين انقطعوا عن أرزاقهم لأكثر من ثمانية شهور؟ ولماذا يتورط أهالي الشهداء والأسرى والجرحى في رام الله ومخيماتها وقراها، وتنجو رؤوس الأموال بثقافتها الفردانية مثل الشعرة من العجين؟

لا أحد ينكر أن هذا المشروع الانفصاليّ عن واقع الاحتلال هو مشروع السلطة. وأننا منذ اتفاقية أوسلو محكومون داخل هذه المنظومة التي تدفعك للاستقلال بنفسك عن المجتمع، بدلاً من استقلال المجتمع عن الاحتلال.

وقد أكدت لنا المعرفة الجمعية أن المصطهجين في مسبح رام الله هم من الإفرازات الثقافية والاقتصادية لهذه السلطة؛ أشخاص يعتبرون أنفسهم ضحايا أيضاً، لأن تصاريحهم التي كانت سارية طول الوقت إلى إسرائيل سُحبت منهم. واتضح لهم أن بطاقات رجال الأعمال، الـBMC (Business men card) أو بطاقات الـVIP لم تكن هويات إسرائيلية، وهي لا تنفي عنهم تهمة شهادة الميلاد.

معظم سكان رام الله يشتهون زيارة القدس والصلاة فيها. وكانت صورهم مثيرةً للضحك والشفقة حين كانت تعطى لهم تصاريح الزيارة إلى البلاد في الأعياد، فيهجمون مثل المجانين على البحر كأنهم يشربونه.

قد تكون نفسها الشفقة التي تعتريك تجاه هؤلاء وهم يواجهون آلة القتل والاعتقالات طيلة شهور الحرب عن المدينة ولا عن قراها ومخيماتها، مثلها مثل جميع مدن الضفة تقريباً.

يحق للغزي ما لا يحق لغيره، ولو كنتُ مكانه في خيمة نزوح وشاهدت مسبحاً يعجّ بالنساء والرجال والموسيقى والفرح في مدينة فلسطينية، سوف يجنّ جنوني.

لكن لا يحق لأحد، في محاكمة عادلة، أن يُخرج رام الله أو أي مدينة فلسطينية أخرى من خريطة الوطن.

ولا يحقّ لابن رام الله أن يتطاول على الوافدين إلى المدينة بحثاً عن رزقهم وفرص عيشهم، لكننا هكذا دائماً: نضحّي بالمكان الجميل والإنسان الفقير لكي يعيش سادة النظام.

كيف أنظر إلى المروحة الكهربائية الرخيصة التي تدور في ظهيرة هذا اليوم القائظ بينما أكتب هذه الكلمات؟ ابن غزة لا يتوقع منّي أن أحطّمها وأجلس لأجله تحت الشمس.

لكنه ربما يتوقع أن أشكر الله على هذه النعمة، بينما أنظر إليه نازحاً في الخيمة، خائفاً تحت القصف والشمس، يملك من الماء غالونين لاستخدامهما بدلاً من الخزانين الكبيرَين اللذين أمتلكهما فوق السطح.

يتوقع منّي أن أفعل ما بوسعي كي يخرج من هناك، كأن أنتظر حتى المساء، ثم أخرج باحثاً عن حملات التبرعات وأتفحص ما أستطيع بيعه من لوازم غير ضرورية في بيتي.

يتوقع منّي أن أقف معه إلى الحدّ الأقصى الذي لا يهددني بالخطر، ويتوقع مني، بالحد الأدنى، متابعة الأخبار كي لا يموت هو بصمت دون أن أعرف.

لو كنتُ مكانه في خيمة نزوح وشاهدت مسبحاً يعجّ بالنساء والرجال والموسيقى والفرح في مدينة فلسطينية، سوف يجنّ جنوني. لكن لا يحق لأحد، في محاكمة عادلة، أن يُخرج رام الله أو أي مدينة فلسطينية أخرى من خريطة الوطن

من الواضح للعيان، ولأي شخص يتابع الأخبار أن مدينة غزة بما تمتلكه من "اللا شيء"، تحارب منذ 9 شهور الولايات المتحدة الأمريكية بما تمتلكه من "كل شيء".

ومن الواضح للفرد، مثلما هو واضح للجماعات والدول، بأن الوقوف في الصفّ الأمريكي أسلم وأضمن. ولهذا انقسم العالم إلى ثلاث فرق: الواقفون مع أمريكا، والواقفون مع الإنسان، والجالسون المتفرجون الخائفون الصامتون.

أن تكونَ أنانياً أو غير أنانيّ، هو أن تكون مع أمريكا أو تكون ضدها، أن تكون حريصاً على جيرانك وأصحابك وأهلك وأقاربك، أو تكون حريصاً على ساعة الشمس حول المسبح مع زجاجة البيرة الباردة، وأنت تردد: أنا لم أقتل أحداً.

المفارقة التي اتضحت في الضفة الغربية أن الفقراء ومعدومي الخيارات ينظرون إلى مساكين غزة ويحمدون الله على الأسقف التي ما زالت تأويهم، بينما يكتئب الأغنياء الذين خسروا شركاتهم، وتعقّدت رحلاتهم وتعطلت حركتهم و مرورهم عبر الحواجز.

دُمرت غزة. والعدالة صارت تقتضي أن تُدمّر رام الله لكي تعيش فتح وحماس وينعم القادة الأقوياء بالأمجاد.

أتذكر هنا عبارة محمود درويش، قالها بعد 500 عام من سقوط الأندلس: "كيف أكتب فوق السحاب وصية أهلي؟/ وأهلي كلّما شيدوا قلعةً هدموها/ لكي يرفعوا فوقها خيمةً للحنين إلى أول النخل/ أهلي يخونون أهلي في حروب الدفاع عن الملح ".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard