شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"دبدوبة التخينة"... كيف أحبت جسدها بعد سنين من الكراهية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الجمعة 14 يونيو 202411:16 ص

هذه النصوص القصيرة التي تتناول مواضيع متعلقةً بالصحة الجنسية والحقوق الجنسية والإنجابية وملكية الجسد، تندرج ضمن مشروع تعاون بين رصيف22 ومؤسسة "براح آمن"، وهي مؤسسة نسوية مصرية تناهض العنف الأسري. الهدف من هذا المشروع إفساح المجال أمام الأشخاص، وتحديداً النساء، للتعبير عن ذواتهنّ ومشاعرهنّ وجنسانيتهنّ وعلاقتهنّ بأجسادهنّ.

يلوح لي وجهي في المرآة وأتجنّب – كعادتي- النظر إلى الجزء الأسفل من جسدي. جزء عشت طيلة عمري أتلقى طعنات الكلام فيه، حتى توقفت عن الإحساس به، وانفصلت تماماً عنه.

تبحر ذاكرتي إلى بدايات وعيي بجسمي، وكيف كانت أمي توصيني دوماً بوجوب تغطية الأماكن البارزة حتى لا تظهر، والعذاب الموسمي في تجمّعات الأسرة، حيث تجتمع نحيفات الجسد ويرمقونني بنظرات السخرية، وترمقني الأمهات بنظرات الشفقة.

لاءات كثيرة

أتذكر صوت أمي ووصاياها: لا تضحكي، لا تتكلمي بصوت عال، لا تفعلي كذا، لا تتقافزي، لا... لا... لا.

لاءات كثيرة حاصرتني وسجنتني سلاسلها في ركن قصي من الحياة، تغطيت بالغوامق ملابس وفكراً، وبدأت رحلة الإهمال والاكتئاب والرفض التي التهمت من عمري عشرين عاماً، أقنعني عقلي في مراهقتي أن أمي لا تحبني، وإلا ما قيّدتني بهذا الشكل.

لم أفهم إلا بعد سنوات، قلقها وخوفها عليّ من مجتمع قاس لا يرحم، مجتمع لا يقيس المرأة إلا بطولها ووزنها وكمّ القيود التي تربت تحتها، حتى تعتبرها الحموات المستقبليات مناسبة لأبنائهن، ويعتبرها الرجل لائقة بأن تحمل اسمه وأطفاله وتربيهم.

أتأمل في القواعد والبروتوكولات التي فرضها المجتمع على نسائه حتى يكنّ مقبولات في "سوق الزواج"، من وزن معين لا يجب أن تتجاوزه الفتاة المقبلة على الزواج، فالجميع يريدها عصفورة خفيفة، لطيفة، بلا صوت، ولا تنطق إلا بـ "حاضر" و"نعم"، حتى تجذب زوجها وترضي حماتها، وتستطيع خدمة بيتها وبيت حماتها في أغلب الأوقات.

كانت أمي حريصة على حمايتي من ذاك المجتمع القاسي وأجبرتني على اتباع قواعده. صحيح أنها دلّلتني ولم تمنع عني شيئاً، لكنها لم تمنع عني الأذى النفسي الذي كان يكيله لي الأقارب بنظراتهم ولمزاتهم وترنمهم بالأغنية التي كرهتها طيلة عمري: "نطي نطة يا دبدوبة". كيف كانت تضحك وتحثني على أن أستجيب لهم، فأضحك أنا الأخرى وأقفز.

"أتأمل في القواعد والبروتوكولات التي فرضها المجتمع على نسائه حتى يكنّ مقبولات في "سوق الزواج"، من وزن معين لا يجب أن تتجاوزه الفتاة المقبلة على الزواج، فالجميع يريدها عصفورة خفيفة، لطيفة، بلا صوت، ولا تنطق إلا بـ "حاضر" و"نعم"، حتى تجذب زوجها وترضي حماتها"

لم تكن أمي تتوقع أنهم أشرار وأن الأمر يتعدّى المزاح البريء، فلم يكن يرى هذا الشرّ سواي، فكان الحل الوحيد لي هو الانزواء والصمت الذي شجّعته هي. أحبت أمي انزوائي مع الكتب والروايات والقصص، وأراحت رأسها من أسئلتي التي خشيت أن أطرحها عليها حتى لا تنهرني بكلمة "عيب" التي طاردتني عمري كله.

عشت في الظل

ثمانية وعشرون عاماً انزويتها، لا أخرج من المنزل وحدي، خوفاً من أن يتعرّض لي أحدهم بكلمة أو فعل.

ثمانية وعشرون عاماً عشتها في الظلّ، ظلّ الخوف والخشية، لا يراني أحد إلا بإذن. كنت كالأميرة المحبوسة في قصر، تُلبى كل أوامرها ورغباتها إلا ما تريده هي حقاً، وهو الحرية. حرية لم أبدأ بتذوقها إلا بعد رحيل أبي، ثم أمي.

بدأت الخروج كجرو يرى العالم لأول مرة ويتشمّم كل حجر وكل خطوة، وينطلق راكضاً نحو مخبئه مرة أخرى إن خاف أو سمع صوتاً مرتفعاً.

تشجّع الجرو – أنا- مرّة بعد مرّة، وتعرّف على آخرين، وبدأ يجد رفاقاً لعقله وقلبه، وهكذا بدأت أفرد أجنحتي شيئاً فشيئاً. وجدت عملاً واكتسبت أصدقاء، وإن كان الأعداء الذين اكتسبتهم أكثر، لكن تعلمت في عشر سنوات أن الناس في مجتمعنا أعداء ما لا يشبههم. احتفظت بوزني الثقيل، ورنّت ضحكتي في الأرجاء، وأصبح لي أصدقاء من الرجال كما من النساء.

"ثمانية وعشرون عاماً عشتها في الظلّ، ظلّ الخوف والخشية، لا يراني أحد إلا بإذن. كنت كالأميرة المحبوسة في قصر، تُلبى كل أوامرها ورغباتها إلا ما تريده هي حقاً، وهو الحرية. حرية لم أبدأ بتذوقها إلا بعد رحيل أبي، ثم أمي"

مررت بالكثير الذي ضاعف من كرهي لجسدي، حتى صرت – كما قلت سابقاً – أتجنّب النظر إليه في المرآة حتى وهو مغطى بالملابس، وكنت أغيّر ثيابي سريعاً حتى أتجنّب رؤيته عارياً في المرآة. لكن، تغير كل شيء منذ عامين.

عدت أحاول بناء علاقتي بجسدي الذي أنهكته بإهمالي مرة أخرى، أن أحبّه، أهتمّ بألمه وأرعاه، لأنه المكان الوحيد الذي يؤوي روحي، والوحيد الذي سيصاحبني لتحقيق ما أحلم به. كما أتمنى يوماً ما أن أستطيع تأمله في المرآة وأبتسم بحب.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard