شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
من أين أتت

من أين أتت "الميتافيزيقيا"؟ وهل حرّمها الإسلام؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والخطاب الديني

الأحد 9 يونيو 202412:03 م

من أهم القضايا التي شغلت تفكير الفلاسفة في مختلف العصور هي الميتافيزيقيا أو ما وراء الطبيعة، لما تكتنفه من أبحاث، وقضايا مثيرة للجدل، وتحديداً وجود الله، وعلاقته بالعالم، ومسألة قِدَم العالم وحدوثه، وما إلى ذلك من قضايا إشكالية في نظر الدين والفلسفة، في آن معاً.

لكن المغالطة الأكثر شيوعاً عن مفهوم الميتافيزيقيا، أنها شيء بعيد عن الواقع، وعن الإنسان، بل يذهب البعض إلى أنها مرادفة للخرافي، أو ما لا معنى له، ما أثّر على بعض الاتجاهات الفلسفية لتصنيفها على أنها أشباه قضايا، أو بأن القضايا والمسائل الميتافيزيقية فارغة المعنى.

الواقع أن التصاق الميتافيزيقيا الشديد بالدراسات الفلسفية، جعل هذه الاتهامات تطال الفلسفة ذاتها، لتصبح ضرباً من اللّغط والهرطقات التي غرضها الكلام من أجل الكلام، أو لتصبح كفراً، أو زندقةً، في الذهنية الراديكالية الإسلامية على وجه الخصوص.

هذا الجدل والإشكالية الفلسفية، وحتى الدينية، التي تبعت الميتافيزيقيا، وهي مستمرة حتى الآن، إثباتاً أو نقداً، تجعلنا أن نتوجه نحو عرض مفهوم الميتافيزيقيا ونشأتها، والرؤية الإسلامية لها من زاويتين متناقضتين؛ سلباً وإيجاباً.

الميتافيزيقيا ونشأتها

كما ذكرنا سابقاً، القول الشائع عن الميتافيزيقيا الراسخ في أذهان العامة من الناس، هو أنها بحث في "ما وراء الطبيعة"، وهذا النوع من الأبحاث عُدّ بحثاً في الغيبيات! ودرج هذا التصوّر حتى في أذهان بعض المتعلمين الذين نالوا قسطاً من المعرفة. فما هي "الميتافيزيقيا"؟ ومن أين جاءت تسميتها بهذا الاسم؟

المغالطة الأكثر شيوعاً عن مفهوم "الميتافيزيقيا"، أنها شيء بعيد عن الواقع، وعن الإنسان، بل يذهب البعض إلى أنها مرادفة للخرافي، أو ما لا معنى له

الحقيقة أن كلمة "ميتافيزيقيا" نُسبت إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو، وهي تُشير إلى الكتابات التي ألّفها بعد دراسته عن الحيوان، والنبات، والطبيعة إجمالاً، وهذه الكتابات لا تتعلق بالطبيعة، بل بالمبادئ التي تقوم عليها، وقام أحد شُرّاح أرسطو الكبار، وهو أندرو نيقوس الروديسي، بجمع هذه الكتابات التي وجدها بالغة الأهمية، ووضعها تحت عنوان "ما بعد الطبيعة" أي "الميتافيزيقيا" باللغة اليونانية القديمة، مُشيراً إلى كتابات أرسطو التي تلي الكتابات عن الطبيعة. فكلمة "متيتافيزيقيا" إذاً ما هي سوى تصنيف مكتبي لكتابات أرسطو، بغرض أرشفتها وحفظها، وليست لأرسطو علاقة بهذه التسمية.

يرى أرسطو في كتاباته سالفة الذكر، أن سؤال ماهيّة الوجود هو ثمرة حيرة الإنسان وتطلّعه إلى أداء واجبه، فهو على خلاف سائر المخلوقات، يعيش بالفن والقدرة على الاستدلال والإدراك.

أدى البحث في الميتافيزيقيا عبر تاريخها إلى نزعتين: الأولى نزعة مادية تُنكر وجود أشياء خارج المادة، بما فيها الله، والكائنات الروحانية، وتعتقد بقِدَم العالم، وبالضرورة الشاملة لقوانينها، أما النزعة الأخرى فمثالية مؤمنة تعتقد بأسبقيّة الروح على المادة، وخلود النفس، ووجود الله. واللافت أن كلا النزعتين تقدِّمان براهين منطقيةً وحججاً يصعب الحسم فيها.

الواقع أنه منذ زمن الفيلسوف اليوناني أفلاطون وحتى عصر الفرنسي ديكارت (1595-1650)، الذي يُعتبر أبا الفلسفة الحديثة، بل حتى القرن العشرين، يمكن اعتبار أن الموضوع الأساسي للميتافيزيقيا هو الوجود، وطبيعة الله ووجوده. ومع تطوّر العلوم، لا سيما الرياضية والطبيعية، بدأت الميتافيزيقيا تطرح تساؤلات جديدةً حول إمكانية وجود عوالم أخرى. من هنا يمكن الاستنتاج بأن التطور العلمي لم يكن عاملاً مؤثراً لتخلي الناس عن التفسيرات الميتافيزيقية، ولم يؤدِّ إلى تلاشيها، بل على العكس من ذلك، لقد اتّسع مجال التفكير الميتافيزيقي في ساحة الفكر الفلسفي.

الميتافيزيقيا الإسلامية

لعلّ أكثر الفلاسفة الذين اهتموا بالجانب الميتافيزيقي من الفلسفة، هم الفلاسفة المسلمون، وكان من الطبيعي أن تشغلهم القضايا الدينية، بما فيها القضايا الميتافيزيقية، أكثر من غيرها، وأن يحاولوا المقاربة والتوفيق بين ما كتبه فيها الأقدمون، لا سيما أفلاطون وأرسطو، وبين ما جاء في العقيدة الإسلامية.

موقف الإسلام من الميتافيزيقيا أخذ أشكالاً متناقضةً في العصر الحديث، وفي العقلية الراديكالية الإسلامية تحديداً، من التكفير والزندقة، إلى اعتبار الإسلام "أعظم ميتافيزيقيا". 

في نصٍّ مترجم نُشر على "موسوعة ستانفورد للفلسفة" للبروفيسور آموس بيرتولاتشي (معهد الدراسات المتقدمة لوقا – إيطاليا)، حول الميتافيزيقيا الإسلامية، يرى بيرتولاتشي "أنها تحظى بأهمية بالغة، حيث يتضح دورها المحوري في التاريخ العام لنقل الفكر اليوناني إلى اللغة العربية". والحال أن نشاط الترجمة، في ما يتعلق بالميتافيزيقيا، استمر دون انقطاع لمدة ثلاثة قرون، من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر. وبتلخيص لما ذكره البروفيسور عن بعض الفلاسفة العرب نذكر أن الكِندي (805-873 م) على سبيل المثال، كان يعتقد أن الميتافيزيقيا تؤكد صحة النهج اللاهوتي، وتوضح توافق الميتافيزيقيا اليونانية مع الدين الإسلامي، إذ توفر صياغةً شاملةً وتفسيراً عقلانياً للمعجزة النبوية.

كذلك يرى الفارابي، أنه نظراً إلى اهتمام الميتافيزيقيا بعلم الوجود الكامل (الكينونة) بجوانبه المختلفة، فإنها تتعامل مع الأسس العلمية الأخرى، والفلسفة اللاهوتية، وكذلك المسائل الإسلامية، مثل صفات الله، والأسماء الإلهية.

يبدو الموقع المحوري لابن سينا، هو الأكثر وضوحاً في الفلسفة الإسلامية، إلى درجة أن أعمال ابن سينا الميتافيزيقية حلّت محل أعمال أرسطو المترجمة، وأثارت جدلاً واسعاً من حيث التعليق الواسع عليها، بشكل إيجابي، أو نقدي، ويتمتع اللاهوت الفلسفي لابن سينا بامتيازات على اللاهوت الديالكتيكي الإسلامي، حيث يسمح بالتحدث عن الله بشكل منضبط وصحيح.

موقف الإسلام من "الميتافيزيقيا" أخذ أشكالاً متناقضةً في العصر الحديث، وفي العقلية الراديكالية الإسلامية تحديداً، من التكفير والزندقة، إلى اعتبار الإسلام "أعظم ميتافيزيقيا". من جهة التكفير، ظهرت بعض الفتاوى التي "تحرّم دراسة علم ما وراء الطبيعة، أو الخوارق، لأنه يُبنى على نظريات مجردة، وقواعد ليس لها دلائل وإثباتات، فهي لا تُعتبر علماً محموداً، ولا يزيد عن كونه مجرد تخمين". وتدعم هذه الفتوى حجتها في التحريم بأن "الله سبحانه وتعالى قد نهانا عن اتباع باب الظن، والرجم بالغيب، فقال عز وجل: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً" (الإسراء 36)، و"إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ" (يونس 36).

على المقلب الآخر، يرى الكاتب الفلسطيني والأستاذ الجامعي في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس، أفنان القاسم، أن "الإسلام أعظم ميتافيزيقيا في التاريخ، كمنهل من مناهلها لمعرفة العالم، بما فيه من أشياء، وما فيه من أحداث، وكعلم من علومها لمعرفة ما هو فوق طبيعي، وفي سياقنا، المعرفة الناجمة عن الوحي". ويضيف القاسم أن "الإسلام يرمي إلى معرفة معاني الأشياء، لا كما نراها، فينتمي بذلك إلى ما يوجد خارج تجربة (العبد الحقير) أي الإنسان بقدراته المحدودة، وينتمي بذلك إلى ما ليس مادياً، كالله وإبليس، والملائكة، والجن، والعفاريت، والحور، والبراق، والحيايا، والغلمان، وغيرهم". ويُشير القاسم إلى أن "هذا الازدواج بين المادي واللامادي، هو ما يميز ميتافيزيقيا الإسلام، ويجعل الإسلام منهجاً وأداة، كمنهج يمشي مع زمانه".

لعلّ أكثر الفلاسفة الذين اهتموا بالجانب الميتافيزيقي من الفلسفة، هم الفلاسفة المسلمون، وكان من الطبيعي أن تشغلهم القضايا الدينية، بما فيها القضايا الميتافيزيقية أكثر من غيرها، وأن يحاولوا المقاربة والتوفيق بين ما كتبه فيها الأقدمون

هذا التناقض في الموقفين من الميتافيزيقيا، برغم وضوح صدورهما عن العقلية الراديكالية الإسلامية ذاتها، يُظهر جهلاً، أو ربما تجاهلاً، لحقيقة الميتافيزيقيا الإسلامية، التي عمل عليها رواد الفلسفة العربية الإسلامية، من الكندي وصولاً إلى ابن رشد، بل يُظهر قُصور هذه العقلية ورفضها لما هو غير إسلامي، أو ما هو خارج النص الإسلامي المقدس، إما بنبذه، أو نَسْبِه وتأويله لصالحها. والحال أن علماء الفلسفة الإسلامية يقدّرون قيمة الميتافيزيقيا الإسلامية، ودورها الواضح في تطور العلوم المختلفة، وفي البحث في علوم اللاهوت، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة التوحيد الإلهي.

خلاصة القول

خلاصة الحديث، يمكن أن نلحظ تعسّفاً في مقاربة السؤال عن ماهيّة الميتافيزيقيا، في ظرفٍ ملتبسٍ لا يخلو تماماً من الممارسة الميتافيزيقية، ذلك أن المفهوم نفسه ينتمي إلى بيئةٍ تأمليّةٍ، ويرفض أن يتحدّد في موضوعات مؤطّرةٍ مسبقاً.

على الرغم من أن البحث في الطبيعي، متقدّم على البحث في الميتافيزيقي، أي تقدّم المحسوس على المعقول في الإيضاح والشرح، نجد أنه تم تداول المصطلح في الجانب الإسلامي في كلا الاعتبارين (المحسوس والمعقول)، وأُشير به إلى الإلهيات في الحالتين، فالميتافيزيقيا إسلامياً تقع فوق الطبيعة، حين تبحث عن أمور مشروطة بالمادة، وقد تقع مقابل الطبيعة، حين تبحث عن أمور مجرّدة عن المادة.

إذاً لا مفر من الميتافيزيقيا، وكل منا يمارس الميتافيزيقيا دون أن يلحظ ذلك. بمعنى آخر، إن لكل إنسان الميتافيزيقيا الخاصة به والتي يمارسها في خلوته الذهنية والتأمليّة، وقد لا تعدو عن كونها سؤالاً محيّراً عن الكون وكينونته، أو عن الله والوجود، أو الماورائيات، وهي أسئلة باقية وراسخة، لا يُلغيها العلم، مهما بلغ تطوره.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard