شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
زيارة جديدة إلى

زيارة جديدة إلى "ليالي الحلمية"... كيف رسم أسامة أنور عكاشة مجتمعاً عصابياً تحرّكه الأحقاد؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 5 يونيو 202411:00 ص

بسبب وعكةٍ صحيةٍ طويلة، تزامنت مع خبر وفاة صلاح السعدني، وما أثاره ذلك من حنين إلى مراجعة خصوصية أدائه في أعماله الأيقونية، قرّرت إعادة مشاهدة مسلسل "ليالي الحلمية"، باعتباره "كومفرت شو"، حيث لا تستدعي معرفة الأحداث أي تفكير من أي نوع، هكذا وصلت إلى الجزء الثالث، لأشعر أني لا أمرّ بتلك الراحة المفترضة، بل على النقيض تماماً، لم أشعر إلا بالانزعاج من شخصيات المسلسل، فهي من البداية لا تنسج عالماً من الحنين، حيث كلّ شيء جيد وزاه، ثم يتحوّل مع الزمن، بفعل تطبيق سياسة الانفتاح في عهد السادات، إلى الانحدار، بل إن تلك الشخصيات من البداية هي ابنة عالم عصابي، جذوره مسمومة، تحرّك شخصياته الحقد والاضطراب. 

الحب لا يظهر إلا كحب مرضي، أما الطيبة فلا تخفي تحتها إلا رماد كراهية تنتظر فرصتها، أو خللاً يدفع إلى الجنون، جنون قد يكون على هيئة تعصّب لفكرة أو تصلّب على رأي أو دروشة أو انقلاب من الرومانسية إلى التوحّش والسعار، لكنه في النهاية يعكس تطرّف الجميع، والعنف هو السمة الغالبة التي تربط علاقات تلك الشخصيات ببعضها البعض، حتى إن شخصية بطرافة سليمان غانم (السبب الرئيسي لمشاهدتي للمسلسل مرة أخرى) شخصية شديدة التنمّر، تحتقر ليس فقط من يعاديها أو يختلف معها في القيم، بل تحتقر جنسها نفسه من الفلاحين، كما يفعل مع زوجته وأولاده وغفره وأقاربه، بينما يحمل ازدواجية، إذ هو يتحدّى قوة الطبقة الأرستقراطية، لكنه يشعر بالضعف أمام سحر تلك الطبقة، وهو ما يهزمه في النهاية.

الحب في "ليالي الحلمية" لا يظهر إلا كحب مرضي، أما الطيبة فلا تخفي تحتها إلا رماد كراهية تنتظر فرصتها، أو خللاً يدفع إلى الجنون، جنون قد يكون على هيئة تعصّب لفكرة أو تصلّب على رأي أو دروشة أو انقلاب من الرومانسية إلى التوحّش والسعار، لكنه في النهاية يعكس تطرّف الجميع

يعتمد تحليلي بالضبط على أن المسلسل جزء من ذاكرة أغلب من شاهده في الوطن العربي، وجزء من خيال عدة أجيال، لذا أميل إلى استبعاد شرح المشاهد والشخصيات والاتكاء على فكرة أنها معروفة سلفاً لدى القارئ.

يتجلّى ذلك العنف في عدد لا نهائي من المشاهد – البائسة في الحقيقة- التي تعتمد فكرتها ببساطة على أن يُلقي شخص قريب أو صديق بجملة عنيفة تسعى لتعرية الآخر، لتقوم تلك الشخصية التي هوجمت بأداء مونولوغ بائس وطويل، يملأ عدة صفحات، ثم تقوم الشخصيات المحيطة بتهدئته وإنكار الحقيقة التي كشفتها الشخصية المهاجمة، ليتواصل الإنكار الذي يخفي المكبوت.

عوالم "ليالي الحلمية" لا تلتقي، الباشوات والفلاحون والعمال والفتوات وأولاد البلد، وهي عندما تفعل، يحاول كل عالم فرض هويته على الآخر، باعتبارها الهوية الوحيدة والنهائية، وكذلك قيمه هي القيم المرجعية المقدسة، دون أن يحاول ممثلو تلك العوالم أن يجدوا لغة مشتركة قائمة على المصالح، وإن حدث نوع من الشراكة، فهي شراكة جبرية تخفي تحتها الاحتقار وانتظار لحظة الغدر، ولا ينتج عنها سوى تأكيد نرجسية الشخصيات وزهوها واحتقارها للآخر، هذا الاحتقار الجذري من حيث المبدأ يمتد في أوقات كثيرة حتى للعصب القريب، كالآباء والأبناء.

في الجزء الأول والثاني، لا يوجد سوى جسر واحد يجمع تلك الأطياف، الأفندي ممثلاً في شخصية توفيق أفندي، الذي يثق به الجميع، الباشا والفلاح والعامل والمناضل والفتوة والعالمة، وهي الشخصية التي أداها الفنان حسن يوسف.

، الاتهام موجّه إلى عصر السادات، المسؤول عن الانحرافات كلها التي أصابت مصر، وهو اتهام لا أحاول هنا نفيه أو إثباته، فبعضه مستحق، لكن جذور أزمة المصريين نفسها، وفق ما عرضها عكاشة نفسه، تعود إلى عصر أسبق

على الرغم من شيوع كلمة الأفندي في الدراما المصرية طوال سنوات، فإن القليل من الناس يعرفون الدور الذي لعبه الأفندية في تأسيس الحداثة المصرية والنهوض بالدور الأكبر في تاريخ مصر المعاصر. يكشف كتاب "عصر الأفندية" للباحثة الإنجليزية لوسي ريزوفا، الأستاذة في جامعة برمنجهام، والصادر قريباً عن دار الكتب خان، بترجمة محمد الدخاخني، العلاقة الجدلية التي جسّدتها الأفندية، بين ثقافة تقليدية موروثة من العصور الوسطى، وبين حداثة وافدة فرضتها دولة محمد علي باشا من أعلى، عندما أوجدت "تراب الميري" ثم عزّزها حضور "الخواجة" المستعمر وأعوانه في البلاد.

يبحث الكتاب في دور الأفندية كممرّات للحداثة خلال الفترة الاستعمارية (1882-1952)؛ وينظر إلى الأفندي على أنه مواطن يعتبر نفسه، بالنشاط الذي يؤديه، مواطناً حديثاً، بغض النظر عن درجة التعليم التي حصّلها أو نوعه، ويوضّح أن "الأفندي" ظهر كمحاولة توفيق بين ما تمثّله الأصالة وما تمثّله الحداثة، لصياغة نمط وطني يمثّل الفرد الحديث الذي يضطلع بمسؤوليات وطنية أو مهام رسولية تبشيرية، هي تنوير الشعب الراسخ في ثلاثية، الفقر، الجهل والمرض؛ وبالتالي محاولة ترقيته اجتماعياً.

وترى المؤلفة أن جيل الأفندية هو أول جيل حديث، واعٍ بذاته، في التاريخ المصري، كما أنه جيل الفاعلين الرئيسين في بناء الوطنية المصرية، على اختلاف أنواعها، وصنّاع السياسة وبناة المؤسسات الاجتماعية والثقافية، وهم المستهلكون الأساسيون لكل ذلك، كما أنهم جيل البيروقراطية الذي تولّى إدارة تلك المؤسسات، وكذلك كان هؤلاء هم صنّاع السياسات العامة.

لذا كانت شخصية توفيق أفندي، هي المعبر والجسر العقلاني بين عوالم غير عقلانية، يغلب الهدوء على العنف، الحكمة على الحماقة والتروي على الأهواء، وكان من الطبيعي – من وجهة نظر عكاشة- أن يصاب بالعجز، في الفترة الانتقالية بين حريق القاهرة والأعوام الأولى من الثورة.

يعرض المسلسل سؤال عكاشة المحيّر الذي طرحه بشكل أوسع لاحقاً عن هوية مصر، وهو سؤال إشكالي، وفي "ليالي الحلمية" يُطرح بأكبر حمولة ممكنة من العنف، فما تفتقده تلك الشخصيات هو القدرة على التعايش السلمي بين أفرادها ضمن مصالح واضحة ومشتركة

لكن حتى هذا العقلاني يكشف عن أهواء حقودة تنتظر فرصتها تجاه جميع من سالمتهم، وينتهي به الحال، بعد استعانة الثورة بعقلانيته، إلى شخصية عاجزة حتى وفاتها.

يمكن عرض سلسلة من الشخصيات السامّة بالتعبير السمج لتلك الأيام، في تعاملها مع الآخر، سليمان غانم ووصيفة، نازك السلحدار وسليم البدري، زينهم وسماسم العالمة، أنيسة التي يتحول حبّها الأمومي لابن شقيقتها (علي البدري) لحب مرضي لا يقبل سوى الاستحواذ عليه، بينما نرى قسوة هجر الآباء للأبناء، وبالطبع الخذلان الكبير الذي سببته زهرة لعلي البدري، كشأن كل قصص الحب في نظر عكاشة، دائماً مشوهة ولا يمكن لها أن تكتمل.

ما يعرضه المسلسل هو سؤال عكاشة المحير الذي طرحه بشكل أوسع لاحقاً عن هوية مصر، وهو سؤال إشكالي، وفي "ليالي الحلمية" يُطرح بأكبر حمولة ممكنة من العنف، فما تفتقده تلك الشخصيات هو القدرة على التعايش السلمي بين أفرادها ضمن مصالح واضحة ومشتركة.

يتفّه من حجم هذا السؤال، الاتهام الموجّه إلى عصر السادات، المسؤول عن الانحرافات كلها التي أصابت مصر، وهو اتهام لا أحاول هنا نفيه أو إثباته، فبعضه مستحق، لكن جذور أزمة المصريين نفسها، وفق ما عرضها عكاشة نفسه، تعود إلى عصر أسبق، كل ما فعله عصر السادات أنه غيّر الهوية المنتصرة إلى أخرى، وبتأسّي عكاشة عليها بتلك الطريقة، يتحول هو بدوره من موقع المؤلف إلى موقع إحدى شخصياته التي يحركها الغضب والحقد؛ لأنها لا تتصوّر سوى هوية واحدة لمصر والمصريين، تترحّم على الماضي الذي لم يكن بالضرورة أفضل.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard