شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
رسائل سياسية عبر الفنّ والغناء... الفيلم الكردي

رسائل سياسية عبر الفنّ والغناء... الفيلم الكردي "جدايل حمراء"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الجمعة 7 يونيو 202411:30 ص

يبدأ الفيلم الغنائي الكردي "جدايل حمراء" منذ لحظاته الأولى، بجذب الأنظار في انتظار المتوقع: الاستمتاع بالغناء والموسيقا الكردية، لكن سرعان ما تأخذنا الكاميرا في عوالم مختلفة وحديثة بطريقة سينمائية، تدعونا للتحديق بما سيحدث، حيث تتحرّك ظلال بشرية في أجواء مظلمة وسماء ونجوم وأضواء ملونة، ترافقها موسيقا مثيرة وأصوات لنساء ورجال، في محاولة لفكّ الشيفرة المنتظرة، حيث تترجم الكلمات وتقدم ما حدث في الكون من صراعات لا متناهية بين الخير والشرّ.

لسنا أمام نتاج موسيقي اقتصر هدفه على منح المتعة، بل أشبه بخدعة سينمائية مبتكرة، وسردية تاريخية تعرض رسائل سياسية لجمهورها، كمحاولة لرفع التهميش الذي طال المرأة، برؤية نسوية مكثّفة ومنذ إعلان الصرخة الأولى في الحياة. مشاهد عن النساء وأدوارهن الفاعلة في كل مفاصل الحياة، لتنتقل من العام إلى الخاص، إلى تاريخ النساء الكرديات في منطقة "موزوباتاميا"، مهد الشعب الكردي، لتقول إن السينما كفن لم تُخلق فقط كأداة لترفيه الناس، بقدر ما هي عمق حيوي بكل الأبعاد الثقافية والاجتماعية.

عُرض الفيلم الغنائي السينمائي لأول مرة في الثامن من آذار/ مارس 2024 في مدينة القامشلي، باللغة الكردية (اللهجة الكرمانجية) بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وتم نشره على يوتيوب، مرفقاً بالترجمتين العربية والإنكليزية، على مدار 22 دقيقة تقريباً كفيلم غنائي قصير.

لسنا أمام نتاج موسيقي اقتصر هدفه على منح المتعة، بل أشبه بخدعة سينمائية مبتكرة، وسردية تاريخية تعرض رسائل سياسية لجمهورها، كمحاولة لرفع التهميش الذي طال المرأة

تتنقل الكاميرا بين المشاهد في تسلسل تاريخي يشرح قصة العلاقات البشرية والتركيز على المرأة وارتباطها بالطبيعة، باختلاف الأمكنة والموسيقا والألوان والألبسة وتصاميمها، وتدرّج الإضاءة والأداء الصوتي، إضافة إلى تمثيل أدوار المرأة المختلفة. هي بطولة جماعية لشخصيات نسائية مجهولة، يحملن هويات مشتركة للردّ على التهميش المتعمّد لدور النساء.

تم إنتاج الفيلم الغنائي برعاية من "هلالا زيرين"، وهو تجمّع نسوي يُعنى بالثقافة الكردية والفنون في شمال وشمال شرق سوريا، من إخراج شيرو هندي، والإشراف الموسيقي للفنان محمود برازي، المتخصّصين في إنتاج العديد من الأعمال الفنية والثقافية، أما الأداء الصوتي الغنائي فكانت البطولة فيه لثلاث فنانات يحملن طبقات صوتية متناسقة وتتماهى مع إيقاع الفيلم بكل سياقاته، نسرين بوطان، جازية جنكو وسمية سريه كانيه، والكلمات لإبرتهيم فقه ودليل ميرساز.

التنقلات التاريخية في مشاهد الفيلم 

تبدأ الأغنية بمشهد الصراع البشري والصرخة الأولى المنبعثة من الأعماق المعتمة الخالية من ملامح الحياة وملامح الوجوه البشرية المجهولة. هو صراع بالأيدي والأرجل في محاولة للخلاص، وعيون باحثة عن منفذ للنور، لتعلن الولادة الأولى للحياة واستمراريتها بعطاء النساء.

تنتقل الكاميرا لأجواء الطبيعة بكل عناصرها، من النور والماء والأشجار، والكهوف التي شكلت مأوى للنساء وأطفالهنَّ، وتظهر فيه النساء بملابس العصور القديمة، أدوار حياتية للنساء منذ عهد الأمومة الأولى، وإسهاماتهن التي كانت الركيزة الأساسية للحفاظ على الجنس البشري، وترافق المشاهد موسيقا وأغان كأنها صوت الطبيعة ذاتها. كلمات الأغاني منسجمة مع الإيحاءات الجسدية وملامح الوجوه وتصاميم الملابس، وعبر الأنشطة اليومية للنساء، بدءاً من الرضاعة ومرحلة الصيد والالتقاط والبحث عن الطعام، مروراً بالاكتشاف العظيم للزراعة، حيث تلتقط الكاميرا مشاهد فنية لدورة حياة سنابل القمح، قوت الحياة اليومية، لتبدو وكأنها ترقص مع موسيقا الفيلم.

تدور الرحى وتطحن المرأة القمح، تصنع الخبز، تستخرج السمن وتصنع من مشتقات الحيوانات التي روّضتها ودجّنتها وصنعت منها أصناف الطعام، ولا تكتفي بل تكتشف صناعاتها من الحرف اليدوية التي ازدهرت بها الحضارة البشرية من الأدوات المنزلية، كالنول اليدوي والمنسوجات التي حمت جسدها، وهي ذاتها من تلد وتهدهد سرير أطفالها، مهد الحضارات الأولى والرخاء الاقتصادي. ينتهي هذا المشهد العام بعرض صور لتماثيل أثرية نُسبت للإلهات الأمهات البارزات في حضارة الشرق القديمة.

الفيلم الكردي "جدايل حمراء" بطولة جماعية لشخصيات نسائية مجهولة، يحملن هويات مشتركة للردّ على التهميش المتعمّد لدور النساء

 في النصف الثاني من الفيلم، تتبدّل الإضاءة ووتيرة الأداء الغنائي وزوايا التصوير، لتنقل مشهد الصراع مجدّداً بين الخير والشر. تحدث الحروب وتراق الدماء وينتشر القتل. إنها حرب الأطماع البشرية التي استوحشت لامتلاك الموارد، وأسوأ مشاهد تاريخ البشرية هي نتاج قوى الشرّ، من ممارسات وانتهاكات بحق الإنسانية، واضطهاد النساء تاريخياً، من الاتجار بهن واغتصابهنَّ وتمييزهن على أساس الجنس وانتشار قيم الفكر الذكوري والأبوي المتحكم بالعالم، كإعلان عن الانقلاب الذكوري واختلاق نظرية تمييز الذكر وتفضيله على الأنثى، وهكذا تمّ استبعاد النساء من المشهد العام وحُصرن في الحيّز الخاص، الأسرة ورعاية أفرادها والإنتاج المجاني.

ما لا يقوله الغناء بكلمات تُفصح عنه الكاميرا

كان واضحاً ما بذله فريق العمل من مجهود احترافي لإنجاح المنتج الغنائي، بالإضافة لتوظيف العمل في إيصال رسائل مهمة أيضاً عن تاريخ النساء الكرديات، وهذا ما بدأ تقريباً في النصف الثاني من الفيلم. مشهد ظهور النساء قادمات بخطى ثابتة بين أشجار شامخة وهنَّ يرتدينَّ ملابس غريبة لا علاقة لها بتراث وثقافة الكرد، العباءات الملونة والبرقع الذي يحجب أوجه النساء عن عالمهن وهنَّ يقفن خلف سبعة قبور.

هي رسالة ذات بعد سياسي تُظهر عناية الاختيار في رمزية شواهد القبور لأسماء لناشطات نسويات كرديات معروفات، ومشاركتهن في مقاومة الاستبداد والظلم الذي تعرّض له الشعب الكردي تاريخياً، وكان آخرها تنظيم "داعش" الإرهابي والجماعات الإرهابية التي تتبنى قيمها، من انتهاكات وفظائع بحق الإنسانية في المنطقة، وما حدث للإيزيديات في سنجار من سبي واغتصاب وإتجار بهنَّ في الأسواق، في إعلان للمقاومة وخلع تلك الملابس والعودة للفطرة الوحشية للنساء إذا لزم الأمر، إعلان لحركة المقاتلات الكرديات  التي تصدرت المشهد الإعلامي العالمي وسلبت الأضواء في مرحلة سميت "ثورة النساء"، في المقاومة والتصدي لتنظيم الدولة "داعش" وإطلاق صرخة الثورة من جديد: المرأة، الحياة، الحرية.

أما عن شواهد القبور السبعة التي مثّلت النساء الكرديات:

ليلى قاسم، الناشطة الكردية في الحزب الديمقراطي الكردستاني، من مدينة خانقين التابعة لإقليم كردستان العراق، اعتقلت وتم شنقها من قبل نظام البعث سنة 1974.

ساكينة جانسيز، وهي القيادية الكردية من أنصار حزب العمال الكردستاني، وتحمل الجنسية التركية، واغتيلت في فرنسا سنة 2013 مع رفيقتيها فيدان دوغان وليلى شايلمر.

آرين ميركال، إحدى القائدات العسكريات في "وحدات حماية المرأة" من مدينة كوباني السورية. قتلت من قبل تنظيم داعش 2014، وكذا سما وديلان، وزينا أميني، الفتاة الكردية من إيران، والتي أحدث قتلها من قبل الشرطة الإيرانية ثورة لاقت تضامناً عالمياً سنة 2022، وتبنت الحركات النسوية المناصرة لقضايا النساء وحقوق الإنسان شعار Jin Jîan Azadî .

حركات الجسد المتجسدة في الرقص، فيمكن اعتبارها سمة أساسية من سمات الهوية الكردية إلى جانب الغناء والموسيقا، والملابس الفلكلورية والحكايات الشعبية الشفهية باللغة الأم

الإشارات ولغة الجسد

كانت الإيماءات الجسدية لافتة  في الفيلم، كرفع اليد عن الفم، وهي إشارة لرفع الصوت ورفض السكوت. حركة وضع اليد على الصدر كمصدر للحب والغذاء الأول وعلامة من علامات الأنوثة. وضع اليد على منطقة الرحم كمدلول رمزي عن المكان الأول للحياة، وهي رمز الإنجاب والجنس واستمرارية النسل البشري، وعلامة فارقة لخصوصية جسد المرأة وأنوثتها، أما حركة اليد على الكتف فهي إشارة لإبداء الجاهزية لحمل السلاح فيما لو تطلب الوضع ذلك، ورفع اليد عالياً في الهواء إعلان للنصر. الزغرودة التي تستخدمها الكرديات عادة للتشجيع والاحتفاء والدعوى للنهوض والمشاركة. آلة الدف التي تُستخدم في أنشطة عديدة في الثقافة الكردية، أما حركات الجسد المتجسدة في الرقص، فيمكن اعتبارها سمة أساسية من سمات الهوية الكردية إلى جانب الغناء والموسيقا، والملابس الفلكلورية والحكايات الشعبية الشفهية باللغة الأم، وظهرت بكثافة في المشاهد، كمدلول عن تأثيرها ودورها في الحفاظ على خصوصية الهوية الكردية من الضياع.

أما الرسالة الأخيرة التي ختم بها الفيلم مشاهده، حين ظهرت في الخلفية أعداد كبيرة من النساء في أرض مرتفعة ومفتوحة. نساء من فئات عمرية لثلاثة أجيال عاصرن الثورة السورية. 30 امرأة هن أمهات الشهداء، 70 امرأة يمثلن الفنانات والعاملات، وتظهرن مرتديات كل أصناف الملابس الفلكلورية الكردية، 7 فتيات هنّ الأصغر سناً في المقدمة، بضفائرهن والزي العسكري الخاص بأنصار حزب العمال الكردستاني، كإشارة بأنهنَّ درع دفاعي جاهز،7 هو عدد مؤسسي حزب PKK بينهن امرأتان.

لم يكن الفيلم الغنائي "جدايل حمراء" مجرّد نتاج غنائي سينمائي ملحمي تم إنتاجه بتقنيات عمل احترافية، أعطتها مسحة من الجمال ومتعة المشاهدة، بقدر ما كان واضحاً ما للغناء والموسيقا والفنون من أدوار مؤثرة ومهمة.

بالرغم من التهميش المتعمّد تاريخياً للنساء وأدوارهن، لكن الوثائق والكتابات، على قلّتها من مصادر، لا تخلو من ذكر أسماء بارزة لشخصيات مؤثرات لفنانات وراقصات وعاشقات وناشطات وعالمات من الشعب الكردي، يحملن قيمة دالة على شجاعتهن وتمردهنَّ برفض الظلم والقيم الذكورية، ومن المجحف بأن يتم اختصار تاريخهن الحافل بفرادة لفكر حزب أو زعيم واحد، وهذا لا ينفي دور تجربة الإدارة الذاتية، بما لها وما عليها، من إعطاء صورة إيجابية تحسب لها في مناصرة قضية المرأة وإعلان قوانين المساواة بين الجنسين. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard