شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"القانون الدولي للضعفاء فقط"... هل ترضخ الجنائيّة الدوليّة للتهديدات الأمريكية؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 30 مايو 202403:43 م

في قراره الذي تسبب بالكثير من موجات الغضب الغربية، طالب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بإصدار مذكرات اعتقال بحق كل من نتنياهو وغالانت، وبحسب مكتبه فإنه بناء على الأدلة التي تم جمعها وفحصها تبين أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأنهما يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت منذ 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

كما طالب خان المحكمة البحث في إصدار مذكرات توقيف بحق قادة حماس لارتكابهم جرائم حرب في انتهاك جسيم ووضح لاتفاقية روما، إلا أن هذه المطالبة لم تتسبب بموجات غضب شبيهة، ليس غربياً على الأقل.

غضب في البيت الأبيض

في رد الفعل الأكبر على طلب المحكمة، أصدر البيت الأبيض بياناً وصف به بيان المحكمة بأنه "أمر مثير للغضب، إذ لا يمكن المساواة بين إسرائيل وحماس إطلاقاً بصرف النظر عما يريد المدعي العام تبريره". وأضاف "سوف نقف دائماً إلى جانب إسرائيل ضد التهديدات التي يتعرض لها أمنها".

ومن جانبها أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن رفضها أيضاً، واصفة "المساواة بين حماس الإرهابية وإسرائيل" بالأمر المخزي، ومن بيانها: "حماس منظمة إرهابية وحشية ارتكبت أسوأ مذبحة لليهود منذ الهولوكوست، ولا تزال تحتجز عشرات الأبرياء رهائن لديها بمن فيهم مواطنون يحملون الجنسية الأمريكية…. هذا القرار لا يساعد على حل الأزمة بل سوف يعوق الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار الذي من شأنه إخراج الرهائن وزيادة المساعدات الإنسانية للقطاع، وهي الأهداف التي تواصل الولايات المتحدة السعي لتحقيقها منذ فترة". 

وصف البيت الأبيض قرار المحكمة ضد نتنياهو وغالانت بأنه "مثير للغضب، إذ لا يمكن المساواة بين إسرائيل وحماس إطلاقاً بصرف النظر عما يريد المدعي العام تبريره"

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية الدكتور أيمن سوف في تصريح لرصيف22 أن الولايات المتحدة قد دخلت على خط المحكمة الجنائية الدولية بشكل مباشر، وأنها أمست تدافع عن إسرائيل ليس فقط في الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري، أو في إدارة المعركة وترتيب الصفقات السياسية بما يخدم إسرائيل في المحافل الدولية، بل وصل الأمر إلى إرسال رسالة تهديد إلى قضاة المحكمة.

يقول: "هذه الرسالة هي مؤشر على مدى تخوف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من المحكمة الجنائية الدولية وقراراتها، بعد فضح الرواية الإسرائيلية في العالم حول الاحتلال والاستعمار الكولنيالي والجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وهي تعبر عن الموقف الأمريكي المنحاز للاحتلال الإسرائيلي، الذي وصل إلى التأثير على العدالة الدولية والتهديد بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها".  

مجلس الشيوخ ينتفض  

وصفت الخارجية الأمريكية قرار المحكمة بالمخزي، وأعلنت عن رفضها المساواة بين حماس وإسرائيل لأن "حماس منظمة إرهابية وحشية ارتكبت أسوأ مذبحة لليهود منذ الهولوكوست". 

بحسب BBC فخلال جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي تساءل ممثل الحزب الجمهوري في اللجنة السيناتور جيمس ريش عن موقف وزير الخارجية أنطونيو بلينكن عن دعمه للتشريع الذي سوف يقره الكونغرس للتعامل مع قرار الجنائية الدولية رداً على قيام المحكمة بالتدخل في القضايا الداخلية للدول الديمقراطية التي يوجد فيها نظام قضائي مستقل وشفاف وشرعي وديمقراطي -في إشارة إلى إسرائيل-.

من ردّ أكد بلينكن أنه يسعى للعمل مع أعضاء الكونغرس الأمريكي لبحث فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وأضاف أن "لديه التزاماً قوياً باتخاذ إجراء قوي ضد قرار الجنائية الدولية الخاطئ جداً"، وقد جاء ذلك في ظل حملة منظمة يقوم بها نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس الأمريكي لإقرار تشريع لمعاقبة المحكمة الجنائية الدولية، والذي من المرجح أن يتم التصويت لإقراره خلال أيام.

الباحث في العلوم السياسية في جامعة ميرلاند الأمريكية ثائر أبو راس يرى أن رسالة بعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي للمحكمة يمكن وصفها برسالة تهديد، يقول: "هي تذكرنا برسائل التهديد التي ترسلها عصابات المافيا لشخص لديه مصلحة للحصول على امتيازات وعوائد منه".

ويشير إلى أنّ فحوى التهديد هو أنه إذا استمرت المحكمة بهذه الخطوات بشكل رسمي، فسوف يقوم الكونغرس بفرض المزيد من العقوبات على قضاتها وموظفيها، كمنعهم من دخول الولايات المتحدة، وإلغاء تأشيرات الدخول لجميع العاملين في المحكمة، وإيقاف الدعم المالي، وخاصة الدعم الذي يأتي من الحكومة الأمريكية، أو من مؤسسات المجتمع المدني الأمريكي، أو من تبرعات من شخصيات أمريكية أو من المحاكم الأمريكية، سواء كان دعماً لوجستياً أو فنياً أو إدارياً، وسيتم سن تشريع في الكونغرس الأمريكي لإلغاء جميع تلك الامتيازات، وملاحقة أعضاء المحكمة في الدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، والتأثير على دول مثل ألمانيا وبريطانيا كدول حليفة للولايات المتحدة في تعاملها مع المحكمة، إضافة إلى الضغط على هولندا الدولة التي تستضيف المحكمة للتعامل بجدية أكثر مع المحكمة وقضاتها وحجب بعض التسهيلات والامتيازات عنهم.

وتأتي هذه الخطوة من الكونغرس في ظل ازدياد الرفض في الشارع الأمريكي لسياسات الاحتلال العدوانية والحرب على قطاع غزة، إذ يعمل اللوبي الصهيوني في أمريكا على استخدام هذه الورقة المتبقية لديه بعدما فقد دعم وتأييد مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية، وبعدما أصبحت هناك حكومات أوروبية تنتقد سلوك إسرائيل وجرائمها وتطالب بوقف الحرب.  

أرسل بعض أعضاء مجلس الشيوخ رسالة تهديد بالعقوبات لقضاة وموظفي الجنائية الدولية، تضمنت منعهم من دخول الولايات المتحدة، وإيقاف الدعم المالي، وملاحقتهم في الدول الصديقة للولايات المتحدة وغيرها من التهديدات في حال استمروا في ملاحقة القادة الإسرائيليين

قرار المحكمة في حال دخل حيز التنفيذ سيفرض واقعاً جديداً عل تحركات القادة الإسرائيليين، وخاصة رئيس الوزراء، إذ لا يستطيع الدخول الى 124 دولة في العالم، أهمها الدول الأوروبية التي تربطها علاقة إستراتيجية وتاريخية مع إسرائيل منذ إنشائها، إضافة إلى أن الدول الأوروبية لديها قوانين داخلية تفرض عليها عدم بيع الأسلحة لدول خاضعة لعقوبات دولية أو تستخدمها في انتهاكات حقوق الإنسان، أو في حال كان قادتها ملاحقين من قبل المحكمة الجنائية الدولية وصدرت بحقهم مذكرات توقيف.

ويضيف: "في الختام هذه الرسالة هي رسالة تهديد صريحة للمحكمة وقضاتها وطواقمها بأننا سنجعل حياتكم جحيماً اذا أصدرتم مذكرات توقيف بحق قادة ومسؤولين إسرائيليين". 

لقد وصلكم التحذير

ولا يبدو أن موجة الغضب الأمريكية اكتفت بالتهديدات السابقة، فبحسب موقع أكسيوس الأمريكي فقد عقدت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين اجتماعاً افتراضياً مع مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية للتعبير عن مخاوفهم بشأن أوامر الاعتقال المحتملة، وصرح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان أنه يعمل بشكل مهني مع جميع أصحاب المصلحة، وأن هذا السعي سيخرج متسقاً ومناسباً إذا تم بشكل مستقل ومحايد، وأضاف: "لكن هذا الاستقلال والحياد يجري تقويضه عندما يهدد بعض الأفراد والجهات الأفراد بالانتقام من المحكمة أو موظفيها"، مطالباً بأن تتوقف على الفور جميع المحاولات الرامية إلى إعاقة عمل المحكمة بشكال مهني ومحايد.

لكن جهود الجمهوريين تظل الأكبر، إذ يدرس الأعضاء الجمهوريون تشريعاً لفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية "كإجراء احترازي" ضد أوامر الاعتقال المحتملة لمسؤولين إسرائيليين، محذرين المحكمة بأنها تخاطر بعواقب من الولايات المتحدة إذا مضت قدماً.

وقد صرح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مايكل ماكول أن "التشريع قيد الإعداد، وأن مشرعين أمريكيين كانوا على اتصال مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، وأكدوا له أن السير في هذا الطريق المتمثل في أوامر الاعتقال هو فكرة سيئة حقاً، وسوف يؤدي إلى نسف العلاقة". وقال: "لسنا متأكدين مما إذا كانت أوامر الاعتقال وشيكة، ولكن هذا نوع من الاحتياط لإعلامهم بأنهم إذا فعلوا ذلك، فلدينا هذا التشريع جاهز للتنفيذ، ولن يتم طرحه إلا إذا اضطررنا إلى ذلك".

وقد جاء في رسالة التهديد التي وقعها 12 سيناتوراً من مجلس الشيوخ الأمريكي والموجهة للمدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية كريم خان: "نكتب لك بشأن التقارير الخاصة بأن محكمة الجنايات الدولية قد تنظر في إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين. نعتبر مثل هذه الخطوات غير شرعية ونرى أنها تفتقر للأسس القانونية، وإذا تم إقرارها، فسينتج عنها عقوبات قاسية بحقك وبحق مؤسستك وأن محاولة المحكمة معاقبة إسرائيل لاتخاذها خطوات مشروعة في إطار الدفاع عن النفس ضد المعتدين المدعومين من إيران، وقد رأيتم مشاهد من الوحشية المفرطة من جانب حماس في إسرائيل بعد هجمات 2023/10/7. علماً أن مذكرات الاعتقال هذه ستجعل مؤسستكم متحالفة مع أكبر دولة داعمة للإرهاب ووكلائها بشكل واضح. لا يوجد أي مساواة على الصعيد الأخلاقي بين إرهاب حماس ورد إسرائيل المبرر. إننا نحذركم من أن إصدار مذكرة الاعتقال المحتملة ضد القادة الإسرائيليين لن يُفسر بأنه تهديد لسيادة إسرائيل فحسب، بل لسيادة الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، التي لن تتسامح مع الهجمات المسيسة ضد حلفائها من جانب المحكمة الجنائية الدولية، وإذا مضيتم قُدماً بالإجراءات المذكورة في التقارير، فسنتحرك لإيقاف الدعم الأمريكي للمحكمة بشكل كامل، ولفرض عقوبات على موظفيكم والمتعاونين معكم، وسنحرمكم وعائلاتكم من دخول الولايات المتحدة… لقد وصلكم التحذير". 

ترامب فعلها من قبل بايدن 

والجلي أن هناك نمطاً أمريكياً ثابتاً في أسلوب التهديد للاعتراض على قرارات العدالة الدولية، ولا يتغير بتغير الرئاسة ديمقراطية أو جمهورية، إذ ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المحكمة الجنائية إلى تهديدات وهجمة شرسة من قبل الإدارة الأمريكية، ففي ظل ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تم اتخاذ تدابير عقابية بحق موظفي المحكمة بسبب تحقيقها في ادعاءات "جرائم حرب" أمريكية بأفغانستان.

من جانب آخر، طالب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل من جميع الدول، وخاصة إسرائيل وبعض حلفائها الأوروبيين، عدم التدخل في عمل المحكمة وتهديد قضاتها والتأثير عليهم، وعدم التدخل في سير العدالة الجنائية الدولية، مؤكداً أن "إسرائيل وبعض الدول الأوروبية تقوم بمحاولات لتهديد قضاة المحكمة والتأثير على قراراتهم".

يقول أستاذ القانون الدولي في جامعة القدس منير نسيبة لرصيف22: "من المؤسف أن خروج مذكرات اعتقال عن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد تأخر إذا كان التأجيل قد نتج عن التهديدات والضغوط الدولية ضد المحكمة، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، سواء كان تهديد البيت الأبيض، أو مجلس الشيوخ، أو وزارة الخارجية، فهذا سيكون ضربة حقيقية لمنظومة العدالة الدولية". 

بعد تصريح خان أنه تلقى تهديدات، طالب مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي من جميع الدول، وخاصة إسرائيل وبعض حلفائها عدم التدخل في عمل المحكمة وتهديد قضاتها والتأثير عليهم 

ويضيف: "لقد شهدت محكمة الجنايات الدولية انتقادات منذ نشوئها بأنها لا تحاكم إلا المتهمين بجرائم من الدول الأفريقية، وكما هو معلوم فقد تم توثيق عدد كبير من الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، وحتى اليوم لم يتم إصدار وإعلان أي مذكرة اعتقال بحق المسؤولين عن الجرائم في فلسطين، وبات من الواضح أن الضغوط الأمريكية وغيرها قد تكون تسببت بتأخير إنجاز العدالة وتحقيق الدالة الناجزة، إذ تعتبر الضغوط الأمريكية على المحكمة درب من دروب التواطؤ على الإبادة الجماعية، فالرسالة التي أرسلها أعضاء مجلس الشيوخ إلى المحكمة تهددها بإجراءات عقابية، وهدفها تحصين نتنياهو وغالنت وغيرهم من المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من المساءلة والمحاسبة، ولكن في نهاية المطاف، فالمحكمة لا تستطيع أن تتجنب المسؤولية المترتبة على الجرائم، ويجب أن تأخذ العدالة مجراها".

ويضيف أن ادعاء إسرائيل بأن لا ولاية قضائية للمحكمة الجنائية الدولية عليها هو ادعاء باطل، فصحيح أن ميثاق روما لا يسري على الدول غير الأطراف في محكمة الجنائية الدولية وغير الموقعة على ميثاق روما، ولكن ميثاق روما يسري على أراضي دولة فلسطين ومواطنيها بصفتها عضواً في المحكمة الجنائية الدولية وموقعة على ميثاق روما، فإذا وقعت جريمة حرب في أراضي دولة فلسطين، بغض النظر عن مرتكب هذه الجرائم، يصبح من قام بالجريمة مسؤولاً جنائياً عنها، باسمه وصفته الشخصية، بغض النظر عن جنسيته، لأن دولة فلسطين دولة طرف في ميثاق روما.

يقول: "بالتالي فإن من يرتكب جريمة دولية على أراضي دولة فلسطين (الضفة الغربية بما فيها شرق القدس وقطاع غزة) يصبح مسؤولاً عنها من الناحية الجنائية، وللمحكمة أن تحاسبه على هذه الجريمة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً أو صاحب أي جنسية أخرى، فلا يوجد استثناء في أراضي الدول الأطراف ولا انتقائية في تطبيق العدالة الدولية عند ارتكاب الجريمة، وطبعاً هذا لا يعني أن للمحكمة ولاية عالمية، فمثلاً إذا ارتكب مواطن من دولة غير طرف جريمة دولية في أراضيها أو أراضي دولة غير طرف أخرى فلا يوجد ولاية للمحكمة على هذه الجريمة إلا إذا أحالها مجلس الأمن إلى المحكمة". 

ازدواجية المعايير في أوضح تجلياتها 

ويشير نسيبة إلى مذكرة الاعتقال التي صدرت بحق الرئيس الروسي كمثل على الشرح السابق، ويقول إنه على الرغم من أن روسيا ليست دولة طرف في المحكمة، لكن أوكرانيا كذلك، أصدرت المحكمة قرارها بناء على ولايتها على أراضي دولة أوكرانيا، وكذلك الأمر في الحالة الفلسطينية، و"هذا يعني أن العدالة الدولية ليست عالمية ولا مطلقة، ولكن في بعض الحالات يكون هناك تطبيق لها ولا يستطيع المجرم دائماً أن يفلت من العقاب" بكلماته.

يصف أستاذ دراسات الشرق الوسط والعلوم السياسية في جامعة رتغرز بولاية نيوجيرزي عبد الحميد صيام إصدار مذكرات الاعتقال بالـ"مسرحية"، ويقول: "هذه المسرحية انتهت، والتهديد الأمريكي كان المخرج، والمحكمة لا دور لها إلا إذا تعلق الأمر بجرائم يرتكبها قادة دول أفريقية ضعيفة، أو المناهضون لسياسة البلطجة الأمريكية وحليفتها الأكثر توحشاً وفاشية إسرائيل، وعلى الجميع أن لا ينتظر أن تأتي العدالة طواعية من محكمة قرارها يتمثل في موقف كريم خان".  

لعل ازدواجية المعايير هي الثابت هنا، ليس فقط في أن الجنائية الدولية تلاحق الدول الأضعف فقط، بل قد تلاحق بعض الأقوياء أيضاً، إنما من خصوم الولايات المتحدة، يمكن هنا مقارنة رد الفعل الأمريكي المستاء على قرار المحكمة الحالي، برد الفعل المرحّب بقرار المحكمة الذي أصدرته في آذار/مارس 2023 حول إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمفوضة الرئاسية لحقوق الطفل في روسيا ماريا لفوفا بيلوفا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بسبب نقل حوالى 550 طفلاً من أوكرانيا إلى روسيا، حيث لقي ذلك القرار ترحيباً قوياً من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

الغريب أنه وفي وسط موجة الغضب الأمريكية من الأخيرة، أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد داوستن أن واشنطن سوف تستمر في التعاون والتنسيق مع المحكمة الجنائية الدولية في ما يتعلق بشأن الحرب في أوكرانيا، وملاحقة مجرمي الحرب الروس، وسوف تستمر في تقديم الدعم لها رغم الخلاف معها في طلب إصدار مذكرات توقف بحق قادة إسرائيليين.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard