شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
الجنائية الدولية... مساواة بين الضحية والجلاد وفضيحة مشتركة

الجنائية الدولية... مساواة بين الضحية والجلاد وفضيحة مشتركة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقيقة

الأربعاء 22 مايو 202410:56 ص

لم يكن طلب المدعي العام للجنائية الدولية، السيد كريم خان، من المحكمة، إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت، مفاجئاً. لكن المفاجئ لكثير من المتابعين، وليس للجميع بالطبع، هو المطالبة بإصدار مذكرات اعتقال بحق قادة حماس الثلاثة المذكورين في الطلب، ما أبرز على السطح السؤال المهم حول مساواة الضحية بالجلاد في عُرف المحكمة، أو على الأقل في عُرف المدعي العام كريم خان، ولو بشكل مؤقت إلى حين استجابة المحكمة، أو عدم استجابتها، لهكذا طلب.

لستُ خبيراً في القانون، ولا أستطيع إبداء رأي في التبعات القانونية لهذه المذكرات، والتي هي من اختصاص الدوائر والمؤسسات القانونية والحقوقية، أما ما يمكنني الخوض فيه، فهو الأثر السياسي لمجرّد صدور هذا البيان عن شخصية قانونية دولية في مكانة المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية.
ولأنه تمّ شملنا، كفلسطينيين، بمذكرات الاعتقال هذه، وسواء رضينا بذلك أو تفاجأنا، أو قمنا بكيل الاتهامات للمحكمة والسيد خان، فإنه من الواجب علينا معرفة الآثار السياسية المترتبة علينا وعلى أعدائنا من هكذا طلب، وذلك من أجل حسن التعامل؛ إن لم يكن من أجل الفوز بما نريد، فعلى الأقل من أجل تقليل الخسائر قدر الإمكان.
تمّ شملنا، كفلسطينيين، بمذكرات الاعتقال هذه، وسواء رضينا بذلك أو تفاجأنا، أو قمنا بكيل الاتهامات للمحكمة والسيد خان، فإنه من الواجب علينا معرفة الآثار السياسية المترتبة علينا وعلى أعدائنا من هكذا طلب
لا يمكن بأي حال من الأحوال إلا الشعور بالنشوة السياسة في أننا حققنا نصراً ما، أو على الأقل سجّلنا نقطة لصالحنا في مرمى إسرائيل، وذلك لأن هذا الطلب ينصفنا وينصف تضحياتنا كشعب يتعرّض للتنكيل والإبادة، فهذه سابقة تاريخية أن تقف مؤسسة دولية وتقوم بتجريم أفراد يمثلون دولة الاحتلال، وتصفهم بمجرمي الحرب. وحتى لو لم تستجب المحكمة لكل ذلك، سواء تحت التهديد الأمريكي، أو لضغوط دولية، أو لمساومات سياسية بين الأطراف الفاعلة، فإن ردة فعل نتنياهو تشي بمدى الغضب والارتباك، بل وبمدى عدم التوقع.
فلم يخطر في خيال أكثر المتشائمين في إسرائيل أن ممثلاً لهذه الدولة يمكن أن يدان كمجرم حرب، وأن يصبح مطلوباً أو ممنوعاً من السفر، فهذه دولة فوق القانون تاريخياً، وهي تمتلك من الأدوات السياسية والإعلامية، ومن خطاب المظلومية، ما يجعل ساستها في مأمن من أي عقاب أو حساب مهما فعلوا. لهذه الأسباب فإن تصريح وزير خارجية إسرائيل، في رده على طلب المدعي العام،  يبدو مفهوماً، إذ قال إن حكومته ستنشئ غرفة حرب خاصة رداً على الجنائية الدولية. لقد استخدم كلمة حرب، وليس مفاوضات، أو دبلوماسية، أو أي مصطلح من مصطلحات التداول السياسي في الدول الطبيعية.
فلم يخطر في خيال أكثر المتشائمين في إسرائيل أن ممثلاً لهذه الدولة يمكن أن يدان كمجرم حرب، وأن يصبح مطلوباً أو ممنوعاً من السفر، فهذه دولة فوق القانون تاريخياً
لماذا كل هذا التشنّج في الردود؟
في اعتقادي أن الحكومة الإسرائيلية، ممثلة بنتنياهو ووزراء الليكود، وزيادة على وصمة العار هذه، كمتهمة أمام محكمة دولية، تخشى من عدة آثار، هي كالتالي:
هذا الطلب سيضيف زخماً إلى مداولات محكمة العدل الدولية بخصوص القضية المرفوعة من جنوب إفريقيا، وسيضغط بالتالي على حكومة إسرائيل من أجل إيقاف الحرب، كما أن هذا الطلب يضيف زخماً للمعارضة الإسرائيلية برئاسة لابيد، وزخماً لمطالبات غانتس وشروطه على نتنياهو، والتي عدّدها في مؤتمره الصحفي قبل أيام.
ويبدو لي أن هذا الطلب يضيف زخماً إلى السياسة الأمريكية في المنطقة، أو للدقة، هو يريح الإدارة الديمقراطية للولايات المتحدة في علاقاتها مع حكومة نتنياهو، رغم ما تعلنه من معارضة وتهديد للجنائية الدولية. وأستطيع المجازفة بالقول إن نتنياهو بات على قناعة أن الإدارة الأمريكية لا تهاجمه علناً، أو بالقدر الكافي، لكنها تسمح للآخرين بمهاجمته، فهي سمحت لإيران أن تهاجم إسرائيل بضربة عسكرية مضبوطة ومعلومة سلفاً من قِبلها، وسمحت لجنوب إفريقيا أن ترفع قضية في محكمة العدل الدولية.
صحيح أن هاتين الدولتين لا تخضعان للشروط الأمريكية، لكن ما أقصده هو أن أمريكا لم تمارس الضغط ولا التهديد العلني الكافي عليهما لمنع هذا الهجوم، ولأن نتنياهو ليس غبياً، فهو يدرك أن هذه الإدارة لا يزعجها كثيراً أن تتم ملاحقته، أو على الأقل التهديد بذلك، إلى أن تحميه هي.
ما الذي يملكه نتنياهو في هذه الحالة؟ لا شيء سوى الهجوم على السلطة الفلسطينية في رام الله، فهذا هو ما يهدّد به منذ زمن طويل وليس فقط اليوم. إذا كانت الإدارة الأمريكية جادة في طرحها حول إقامة دولة فلسطينية، فهذا ليس في مصلحة لا حكومة نتنياهو ولا أية حكومة إسرائيلية شبيهة، وإذن فالتخلص من الممثل السياسي للفلسطينيين سيكون أولوية في مواجهة المشروع الأمريكي. أما إذا كانت الإدارة تتلاعب بنا وتبيعنا الوهم إلى حين الانتهاء من مخططات نتنياهو، فإن هذا الهجوم سيكون حلقة في نفس السياق، ولا أفضل لذلك من مبرّر وقوف السلطة خلف مذكرات المدعي العام لمحكمة الجنايات.
ماذا بخصوص مذكرات اعتقال قادة حماس، وما هي آثار ذلك على حماس نفسها وعلينا كفلسطينيين؟ أعتقد أن هذا الإعلان، سواء تم تنفيذه أم لا، سيعطي المبرّر لأطراف عربية ودولية عديدة، لإعلان قبولها فكرة إسرائيل والولايات المتحدة بإزاحة حماس من المشهد في اليوم التالي للحرب
ما أتوقعه إذن، هو تصعيد شديد تجاه السلطة في الضفة الغربية في الأيام القادمة، على المستويين السياسي والأمني، ولا أعتقد أن تصريح وزير خارجية إسرائيل بخصوص إقامة غرفة حرب لمواجهة الجنائية الدولية، يستبعد السلطة من هذه الحرب.
وأخيراً، ماذا بخصوص مذكرات اعتقال قادة حماس، وما هي آثار ذلك على حماس نفسها وعلينا كفلسطينيين؟ أعتقد أن هذا الإعلان، سواء تم تنفيذه أم لا، سيعطي المبرّر لأطراف عربية ودولية عديدة، لإعلان قبولها فكرة إسرائيل والولايات المتحدة بإزاحة حماس من المشهد في اليوم التالي للحرب. من كان متردّداً، وخصوصاً من بعض الأنظمة العربية، سيصرّح بذلك علناً، ما دام يجد مسوّغاً من طرف قانوني دولي. صحيح أن الخطاب العلني لهذه الأنظمة لا يساوي بين الضحية والجلاد، لكن الطريق سيصبح ممهّداً لتفصيلات وتعريفات للضحية، وما يجوز لها وما لا يجوز، والخوف أن ينسحب ذلك في المدى البعيد على مجمل النضال التحرّري الفلسطيني.
لا شك أن ممثل الفلسطينيين السياسي مستهدف، كما هو مستهدف ممثلهم العسكري، وبغض النظر عن شرعية هذا أو ذاك ومدى تمثيل كل منهما لشرائح وتيارات، إلا أن الموضوع يتعلّق في نهاية الأمر بفلسطين وبالشعب الفلسطيني، ولا شك أيضاً أن مذكرات جلب نتنياهو وغالانت تُعد انتصاراً لنا، وصدق نتنياهو حين وصفها بالفضيحة، لكن ماذا نسمي مذكرات الجلب لأناس منا؟ وكيف علينا أن نتعامل في المستقبل لتجنب الفضائح؟

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard