شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!

"شقو"… قليل من الإبداع، كثير من الاقتباس

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الجمعة 10 مايو 202412:59 م

باستثناء مجموعة قليلة من أفلامها التي يبلغ عددها أربعة آلاف وخمسمئة فيلم تقريباً، نجد أن عدداً كبيراً من أفلام السينما المصرية مستورد من الخارج؛ إما تأثُّراً بموجات عالمية تَلقى ذيوعاً في مرحلة معيَّنة، أو بالاقتباس المباشر من أفلام أو روايات أدبية أو مسرحيات. وبمثل هذا التأثير البيِّن في السينما المصرية، يتَّضح مدى أهمية الدراسات المقارنة، أو ما يمكن تسميته تجاوزاً بالسينما المقارنة.

السرقات والاقتباس في السينما

يمثِّل الأدب منبعاً زاخراً بالحكايات التي تُعَدّ المادة الأساسية لسيناريوهات السينما. وقد تنوَّعت الأفلام المأخوذة من الأدب؛ فبعضها نقل القصة والرواية إلى السينما بالعنوان ذاته والحكايات نفسها والشخوص أيضاً، وبعضها اقتبس جزءاً من الفكرة وصاغ قصةً جديدةً مرتكِزةً على الفكرة الأساسية للعمل الأدبي، أو ذات حبكة درامية مستوحاة منه.

 من أبرز الأشياء التي تصدرت البرومو الخاص بفيلم "شقو" وحتى الأفيشات، أنه مقتبس من رواية "أمير اللصوص" للكاتب الأمريكي تشاك هوجان

يذكر الكاتب والناقد محمود قاسم، في كتابه "السرقات والاقتباس في السينما"، أن السينما المصرية ليست مصريةً تماماً، فهي تحديداً تعمل على الاقتباس من مصادر كثيرة أهمها السينما الأمريكية والأوروبية عموماً أو الأدب العالمي؛ فمعظم أفلام الستينيات والسبعينيات وحتى بعض أفلام الثمانينيات مقتبسة من أفلام أجنبية ومن روايات عالمية، منها ما يلتزم بالنقل ومنها ما يقتبس الفكرة العامة والرئيسة، ومنها ما يأخذ الفيلم بتفاصيل قصته نفسها وينقلها بأحداثها ذاتها.

أحد هذه الإمثلة هو فيلم "شقو" الذي طُرح في دور العرض في موسم عيد الفطر الماضي، وهو من بطولة عمرو يوسف ودينا الشربيني ومحمد ممدوح وأمينة خليل، ومن تأليف وسام صبري وإخراج كريم السبكي. من أبرز الأشياء التي تصدرت البرومو الخاص به وحتى الأفيشات، أنه مقتبس من رواية "أمير اللصوص" للكاتب الأمريكي تشاك هوجان. الرواية لم تترجَم إلى العربية، وقد تحولت إلى فيلم من بطولة بين أفليك (The town)، ولكن نسي أصحاب العمل مصدر الاقتباس وأصبح العمل مزيجاً من الاقتباس والنقل من مصدريَن.

بين الرواية والفيلم... ما مصدر الاقتباس؟

يذكر صنّاع فيلم "شقو" أنه مقتبس من الرواية الأصلية "أمير اللصوص" للكاتب الأمريكي تشاك هوجان، التي لم تترجَم من الأساس إلى العربية، ولكن بنظرة بسيطة على "شقو" وعلى الفيلم الذي اقتبس قبله من الرواية، أي فيلم "The town" نجد أنه اقتُبس من الفيلم في الحقيقة، ولم يأخذ من الرواية إلا أشياء بسيطةً جداً. 

ملصق فيلم "شقو"

الاقتباس من  فيلم "The town"، وصل إلى حدّ النقل في مشاهد معيّنة من هذا الفيلم الأمريكي الذي يُعدّ المصدر الأساسي للاقتباس تليه الرواية، لنكون أمام مصدر جديد من النقل أخذ من هذا وذاك من دون أن يضيف بعداً أو فائدةً إلى القصة التي يرويها، والتي نعرف أصلاً أنها سوف تحدث ونعرف مسارها جيداً وكيف ستتحرك خيوطها.

اعتمد الفيلم على طريقة التجميع، فهو جمع خليطاً من الرواية والفيلم لينشئ سيناريو أو ما سمّي "سيناريو". ولا تُعدّ تلك المرة الأولى التي يقتبس فيها مؤلفه وسام صبري، فهو يعتمد على روايات عالمية في أعماله مثل مسلسل "رشيد" الذي اقتبسه بجودة كبيرة من رواية الكونت دي مونت كريستو، ولكن شتّان بين العملين من حيث الجودة والتنفيذ والتجسيد.

شخصيات بلا هدف ولا ماضٍ

شخصيات الفيلم أربعة: إسماعيل (عمرو يوسف) وهو طيّب وذكي، ولا يميل إلى العنف ولا يحبه، بل يحب التخطيط والهدوء، وحجازي (محمد ممدوح)، وهو عنيف ومدمن على الخمر والمخدرات، لا يحب التخطيط وينفذ فقط، والسيدتان فتنة (أمينة خليل)، وهي راقصة تعشق حجازي منذ الصغر، ومدمنة على المخدرات هي الأخرى، وفاطمة (دينا الشربيني)، وهي ممرضة وشخصية طيبة تعيش في حي شعبي، تبحث أمُّها لها عن عريس غني.

لقطة من فيلم "شقو"

بنظرة أولية لا توجد صفات مميزة للشخصيات، لا جسدية ولا شكلية ولا حتى نفسية. القشور والسطحية في السيناريو امتدت إلى الشخصيات التي تتحرك بلا ماضٍ، وبلا سبب واضح. لا نعلم لماذا يحبّ حجازي إسماعيل، كما أننا لا ندرك ما سبب وجود إسماعيل بتلك الصفات بينما حجازي يحمل عكسها تماماً؛ كذلك غير معلوم علينا لماذا يبدو إسماعيل كراهب بوذي وحجازي كصعلوك يسعى في الأرض من دون هدف؟ أما الشخصيتان الأنثويتان فجاءتا سطحيتَين: فتنة مزعجةً وكثيرة الكلام، وفاطمة تقليدية إلى أقصى درجة ممكنة.

رسْمُ الشخصيات هو جزء مهم من السيناريو وقد فشل فيه المؤلف؛ فالعلاقات جاءت تقليديةً ومتوقعةً كمصائر الشخصيات التي تتحرك في مسار محدد جداً وواضح تماماً وغير مفاجئ على الإطلاق.

من "العتاولة" إلى "شقو"... معايير واحدة للنجاح

في رمضان الماضي، عُرض مسلسل "العتاولة" لأحمد السقا وطارق لطفي وباسم سمرة. المسلسل يدور عن شقيقَين مجرمين: نصار (أحمد السقا)، وخضر (طارق لطفي)؛ الأول طيب القلب عطوف لا يحبّ القتل، والثاني شرير يحب نفسه ولديه عشيقة ويحب المال ويكره من يقف ضده، وهو عيسى الوزان (باسم سمرة).

تُعدّ خلطات النجاح في عالم الأفلام محفوظةً، وفيلم "شقو" اعتمد عليها جميعاً من مشاهد أكشن معدّة جيداً وأغانٍ شعبية وراقصة أو بعض الكوميديا التي توزان العملية وتجعل الفيلم فيلم أسرة يبحث عن التسلية الخفيفة والمتعة اللحظية

تلك القصة هي نفسها القصة السابقة في فيلم "شقو"، مع اختلاف في الأدوار؛ فعيسى الوزان ليس سوى يسرا التي تنقلب ضدهما مثل باسم سمرة، وخضر ونصار هما إسماعيل وحجازي. شخص ذكي وشخص شرير لا يبحث سوى عن نفسه. الاختلاف الوحيد كان في الرسم الجيد للشخصيات في "العتاولة"، أما التركيبة الشعبية التي يحبها الجمهور فحاضرة في هذا العمل أيضاً، والذي يُعدّ امتداداً لأعمال مختلفة تأخذ النهج نفسه الذي اتخذه الفيلم في كل عناصره، وحتى إذا اختلفت أحداث وشخصيات كلّ من الاثنين إلا أن تيمة الصداقة والجدعنة والأخوة حاضرة كما في أعمال أخرى.

خلطة واضحة لفيلم عيد

تُعدّ خلطات النجاح في عالم الأفلام محفوظةً، وفيلم "شقو" اعتمد عليها جميعاً، من مشاهد أكشن معدّة جيداً وأغانٍ شعبية وراقصة أو دور شعبي مع بعض الكوميديا التي توزان العملية وتجعل العملَ فيلمَ أسرة يبحث عن التسلية الخفيفة والمتعة اللحظية، ويأمل في الإيرادات، فيبحث عن العرض الخارجي في دول الخليج وتحديداً السعودية التي أصبح الجميع يتهافت على عرض أفلامه فيها. فالفيلم يخلو من الإيحاءات أو الدماء الغزيرة الطرق التي من الأسهل أن تأتي منها الكوميديا، ولكنه اتخذ مسلكاً آخر أكثر أماناً وجالباً للإيرادات والمزيد من دور العرض.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard