شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
حيفا… رأيت وجوه أهلها في سجل هواتفها

حيفا… رأيت وجوه أهلها في سجل هواتفها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الجمعة 24 مايو 202403:40 م

قبل نحو عشرين عاماً، زرتُ المرحوم أنور إحسان (أبو رياض) في بيته الكائن في شارع عباس الرقم 9 في حيفا، وبجانب دير ومدرسة راهبات الناصرة. كان هدفي من الزيارة الاستماع إلى ذكرياته عن مدينته حيفا. وإذ به يدخل غرفة مكتبته ويعود إلي حاملاً بيده سجل تليفونات مدينة حيفا وشمال فلسطين لعام 1944 بالإنجليزية.

"هذا السجل هدية لك، لاهتمامك بتاريخ مدينتنا"، قال أبو رياض. كم كان فرحي في أن أحظى بهذا السجل كبيراً. سجل يحتوي على 44 صفحة لأرقام هواتف حيفا وبيسان وجنين وعكا والعفولة ونهاريا وصفد وسمخ وطبريا ونابلس وطولكرم وعدد من المستوطنات الصهيونية المنتشرة في الجليل. في حين أنّه لم يرد ذكر أي قرية عربية، سواء في محيط حيفا أو بعيداً عنها.

أضفتُ هذا السجل إلى ملف المستندات والوثائق التاريخية التي تخص مدينتي حيفا. وشكرت له هذه اللفتة الكريمة والطيبة.

إلى هنا انتهت مقابلتنا التي خرجت منها مزوداً بمعلومات تاريخية واجتماعية ذات قيمة على لسان شخص عارف بتفاصيل دقيقة لواقع المدينة في فترة الانتداب البريطاني، وما مرّ عليها من تحولات وتغييرات، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، إلى أنْ انتهى الأمر بنكبة المدينة في 22 نيسان/ أبريل، ونكبة سائر مدن وقرى فلسطين في عام الشؤم 1948.

***

بعد هذا اللقاء بسنوات، رنّ هاتفي النقال، وإذ بصوت سيدة تعرّف عن اسمها: لينا حمادة.

لم أعرف الاسم وصاحبته من قبل. إلّا أنّ السيدة حمادة استرسلت بتعريف نفسها بلطف، وبذكر الغاية من وراء اتصالها بي. فأبلغتني أنّها تعمل في إحدى مؤسسات هيئة الأمم المتحدة في نيويورك. وبحكم وظيفتها، التقت عدداً من الفلسطينيين العاملين في البعثة الدبلوماسية الفلسطينية والمقيمين هناك، ومنهم من أبناء حيفا.

وحين استفسرت عن كيفية الاتصال مع أهالي في المدينة، ورد اسمي، وتواصلت معي في الحال. قالت إن عائلتها ترغب في تكريم الوالد ببلوغه التسعين عاماً. وقد عاش وعمل في حيفا حتى العام 1948. ثم تركها قسرياً جراء أحداث النكبة وسقوط أحياء المدينة بأيدي القوات العسكرية الصهيونية، وتنفيذهم عمليات طرد جماعية لسكان المدينة.

كانت السيدة حمادة تود أن أساعدها في معرفة عنوان البيت الذي عاش فيه والدها. وإن تمكنت، أن أصوّره، حتى تضيف الصور إلى كتاب عائلي تعدّه مع إخوانها لهذه المناسبة الجميلة.

ما أجملها من لحظة، تجد فيها بيت عائلة عاشت في مدينتك وانقطعت عنها بفعل الظروف السياسية والأمنية التي تعرّضت لها

على الفور أخرجت دليل التليفونات الذي بحوزتي وبحثت عن اسمه. فإذ بي أجده في الصفحة 13 تحت الرقم: 2345. صورت الصفحة وأرسلتها إلى السيدة حمادة. فرحتْ أيما فرح حين استلمتها، وتوجهت إلى والدها لتسأله عن رقم هاتفه في صيدليته في حيفا، فتذكره، وذكر الأرقام بالتمام. كان ذلك بعد مرور ما يقارب 65 عاماً.

توقف الصيدلاني ربحي حمادة منذ 22 نيسان/ أبريل 1948، أي منذ سقوطة حيفا، عن استعمال هاتفه، ولم يعد أحد يتصل به بتاتًا. وانقطعت اتصالاته مع زبائنه ومع الشركات المزودة له ومع جيرانه وأصدقائه. لكن رقم هاتفه ظل عالقاً في ذاكرته طيلة هذه المدة.

لم أكتف بهذا الانجاز الهام، وإن بدا صغيراً أو بسيطاً كما قد يراه البعض. بل توجّهت إلى صديقي أبو رياض سائلاً إياه هل عرف شخصاً بهذا الاسم. فأبلغني أنّ بيت الصيدلاني كان ملاصقاً لبيت عائلته، أي في شارع عباس، الرقم 11، الطابق الثاني.

ما أجملها من لحظة، تجد فيها بيت عائلة عاشت في مدينتك وانقطعت عنها بفعل الظروف السياسية والأمنية التي تعرّضت لها. فتح أبو رياض أدراج ذاكرته حال سماعه هذا الاسم، وأخبرني أنّه يتذكر هيئته المرتبة وخروجه في نفس الدقيقة من صباح كلّ يوم متجهاً إلى صيدليته.

وفي الحال، زرتُ موقع العمارة التي سكن ربحي حمادة في إحدى شققها وصوّرتها.

***

تنتهي حكايتي مع عائلة الصيدلاني حمادة، لأعود إلى سجل التليفونات الذي أسعفني في التعرّف الأولي إلى أحد سكان مدينتي حيفا. وبدأت بتفحص ومراجعة بعض الأسماء التي أعرفها- ليس شخصياً، فأنا ولدت بعد النكبة- وإنّما من خلال أحاديث وذكريات والدي وأعمامي وعدد كبير من الأشخاص الذين قابلتهم على مدى سنوات طويلة، لأجمع بواسطتهم، أو للدقة بواسطة ذاكرتهم، معلومات وتفاصيل عن حيفا وتاريخها وحياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في فترات سابقة لعام النكبة 1948.

مرّت أمام ناظري أسماء كثيرة لعدد من الشخصيات والمؤسسات والشركات العربية والأجنبية التي عملت في المدينة والمدن الأخرى التي أوردت ذكرها أعلاه. لفت نظري اسم الدكتور نايف حمزة ورقم هاتفه 4101، وهو الجراح الرئيسي في المستشفى الحكومي (رامبام حالياً) ونائب مديره.

ذاع صيت هذا الطبيب في الجليل قاطبة لدرجة أنّ بعض الأشخاص ممن قابلتهم قالوا لي إنّ يده تشفي قبل تسجيل وصفة الدواء. وهو من خريجي كلية الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت. كان بيته في شارع البهاء (أصبح اسمه "إيران" في وقت لاحق).

ثم وجدت رقم هاتف منير إبراهيم حداد، صاحب مطبعة ودار نشر حداد ورئيس تحرير مجلة "السمير" (صدرت في 1940/1941)، ورقم هاتفه 4867. ومطبعته عند مدخل حي وادي النسناس.

لعبت هذه المطبعة دوراً هاماً في نشر الكلمة المطبوعة وتشجيع طباعة الإعلانات للترويج التجاري في المدينة وخارجها. وصاحب هذه المطبعة رجل مثقف من الطراز الأول وصاحب مبادرات مهمة لتشجيع الكتابة والقراءة. ويمكن تصفُّح أعداد من مجلته هذه على موقع "جرايد".

تابعت تصفُّح السجل إلى أن وصلت إلى اسم رشيد الخوري ورقم هاتفه 3014. وهو كاتب البلدية، أي ما يوازي في أيامنا مدير عام البلدية. وقد نزح من شفاعمرو موطنه الأول إلى حيفا في نهاية الفترة العثمانية ليتوظف في بلدية حيفا.

وكان رشيد الخوري أكثر من مجرد موظف، كان شاعراً وصحافياً. وله صداقة خاصة ومميزة مع خليل مطران، شاعر القطرين المعروف. ابنته جاكلين خوري، هاجرت لاحقاً بعد زواجها من جان قطّان إلى القاهرة، وتخرّجت من كلية الإعلام وعُيّنت رئيسة لقسم الأخبار السياسية في جريدة ومؤسسة الأهرام الشهيرة. أما حفيدة رشيد الخوري، أي ابنة جاكلين، واسمها منى قطّان تزوجت الشاعر الكبير ورسام الكاريكاتير وكاتب السيناريو صلاح جاهين الذي كتب بعض أغاني أم كلثوم.

وفي صفحة أخرى وجدت اسم حسن كنفاني ورقم هاتفه 3075. شيّد بيته في شارع البرج 15 في حيفا. وبعد مرور 60 عاماً، كتب ابنه عبد اللطيف كنفاني كتاباً عن البيت وشارع البرج وتاريخ حيفا.

وإنْ كان سجل تليفونات حيفا وشمالي فلسطين صغيراً ومحدوداً من حيث الأرقام التي زودتها دائرة الاتصالات في حينه، فهو سجل لتاريخ المدينة وما احتوت عليه من أفراد وشركات ومؤسسات خدمية وتجارية كان لها في يوم من الأيام حضور ومساهمة في بناء تاريخ المدينة وأصحابها

لا يزال البيت قائماً، بعد أن أحدثت إحدى الشركات الاستثمارية- التي اشترته بغير حق قانوني من ما يسمى "حارس أملاك الغائبين"- بعض التغييرات على شكله ومحتواه.

لكن عبد اللطيف في كتابه هذا ينقل لنا صوراً ومشاهد تفصيلية من حياة المجتمع العربي الفلسطيني، وكذلك مشاهد أخرى لحياة المجتمع اليهودي الذي كان يعرفه في الأحياء القريبة لبيته وأبرزها حي الهادار.

أمّا عزيز ميقاتي صاحب شركة لإنتاج السجائر وثري وملاك كبير في المدينة، فرقم هاتفه 3333. ولو حصل على هذا الرقم شخص في أيامنا لانتشرت شائعات مفادها أنّ له حظوة لدى شخصية حكومية، وأنّ واسطته ومحسوبيته كبيرتان للغاية.

ميقاتي لبناني الأصل، حضر إلى حيفا للاستثمار فيها وليس في بيروت، لأنّ حيفا كانت تنمو بشكل غير مسبوق، وقد فاقت معظم مدائن المنطقة. ولميقاتي عمارة حجرية كبيرة في شارع العراق، الذي تمّ تغيير اسمه إلى "كيبوتس غالويوت"، وفيها حالياً محمص للبذورات والقهوة. يا لهذا الزمن الغريب.

أمّا المكتبة العصرية الذائعة الصيت بفرعيها في يافا وحيفا، لصاحبيها حنا صليب وبطرس ملك، ورقم هاتفها 4731، فقد كانت في شارع يافا ولبّت حاجة طلاب المدارس إلى كتب مدرسية وقرطاسية بالإضافة إلى كتب المطالعة وألعاب الأطفال. وعكست هذه المكتبة صورة جميلة عن نمو وتطور مستوى المشهد الثقافي المديني في حيفا ويافا.

أما الدكتور سامي مسلم وهو طبيب عائلة ورقم عيادته 2279، فحدثني والدي عنه كثيراً. فهو وأخوته كانوا من رواد هذا الطبيب، الذي تابع صحتهم بشكل مستمر. وهناك في هذا السجل اسماء وأرقام هواتف عشرات الأطباء الفلسطينيين والعرب الذين عاشوا في حيفا مستفيدين من فرص العمل والحياة الحداثوية التي تميزت بها المدينة في فترة الانتداب. وهي فرص لم تتوافر بفضل سياسات حكومة الانتداب التي كانت تعمل لصالح المشروع الصهيوني، إنما بفضل الجهود والمثابرة التي أظهرها سكان المدينة الذين سعوا جاهدين إلى تحديث حياتهم دون انقطاعهم عن تقاليدهم وعاداتهم الثقافية والاجتماعية.

وإذا أردت الاستفاضة في تفاصيل مشهدية حياة المدينة من خلال هذا السجل فإنّني أحتاج إلى مقالات كثيرة لتبيان مسيرة تقدُّم الحياة فيها. ولا بد لي من الاشارة هنا إلى أن سجل التليفونات هو ليس شيئاً جامداً أو جافاً، إنه سجل حي لأسماء وعناوين أشخاص ومؤسسات كانت قائمة في حيفا، وكان مأمولاً لهؤلاء التقدُّم والازدهار ونقل شعلة الحداثة إلى أجيال شابة، لولا مشروع الاقتلاع الذي نفّذته المنظمات العسكرية الصهيونية بغطاء دولي قادته بريطانيا ثمّ الولايات المتحدة الأمريكية.

وإنْ كان سجل تليفونات حيفا وشمالي فلسطين صغيراً ومحدوداً من حيث الأرقام التي زودتها دائرة الاتصالات في حينه، فهو سجل لتاريخ المدينة وما احتوت عليه من أفراد وشركات ومؤسسات خدمية وتجارية كان لها في يوم من الأيام حضور ومساهمة في بناء تاريخ المدينة وأصحابها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard