شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
رصيدكِ من الأنوثة أوشك على النفاد

رصيدكِ من الأنوثة أوشك على النفاد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 14 مايو 202411:29 ص

اعتدتُ على التقاط أذنيّ لمفردات الأنوثة قبل أن أتم عامي التاسع، حيث بلغتُ وأنا في كامل طفولتي، إثر تناولي لجرعات يومية مكثّفة من علاجات الصرع وضعف المناعة. ودّعتُ حياة الأطفال مبكراً جداً، فقد كنتُ أقضي نصف الشهر في معالجة أعراض ما قبل الدورة ثم التحايل على آلامها حين تحضر، بينما أظل النصف الآخر أبحث عن حلول للوقاية من منغّصاتها. عايشتُ مرحلة من المراهقة المبكرة في الوقت الذي كانت فيه صديقاتي يملئن الدنيا لعباً وحيوية، ويتذمرنّ إن حدث لهنّ أمر طارئ من شأنه أن يقلّص ساعات الترفيه، فيما استمتعت زميلاتي ببراءة الطفولة، كنتُ أنا أكابد في واقع  أنثوي جديد مفروض عليَّ.

أزمة منتصف النمو

ساهمت ردود أفعال أسرتي على بلوغي المبكر في إثراء تفاصيل تحولي من طفلة خالصة إلى نسخة مهجّنة مني؛ لا هي بطفلة ولا يمكن الجزم بأنها مثل بقية المراهقات، فقامتي توقفت عند حدّ معين لم تتجاوزه منذ ذاك الحين، على الرغم من حالة النمو المتسارعة التي شهدتها عظامي قبل هدية البلوغ، وفارت تعاريج جسدي بنسق غير منتظم، فمثلاً الجزء العلوي توقف عند حجم متوسط بالكاد زاد عليه بضعة عشرات من الجرامات خلال أكثر من خمس وعشرين سنة، أما النصف السفلي قد مضى في الاستواء حتى أصبح محل سخرية أبي الذي ابتدع معجماً لجسدي؛ فبين المرحلة الابتدائية والإعدادية كان يدندن أغنية قام بتأليفها لي خصيصاً، وتنطلق كلماتها بالآتي:

خنزير البيت الأبيض

حلو وتعبان ومسقط

خنزير الدار الأبيض

جسمه ملخبط

 طوله عايز يتظبط

 ووشه مقطقط

كانت جدتي لأمي تنتهز فرصة التجمّعات العائلية لتختبر قدراتها على إضحاك من هم دونها عمراً، فتمسك بالنشابة بعد تقديم الطعام ثم تقوم باستخدامها علي كأنني عجين مسجى على لوح خشبي

حلبة سخرية نسائية

أما نساء البيت فقد تباينت تعليقاتهنّ حول الكائن الجديد الذي يقطن في نفس الحيز بصحبتهنّ. كانت جدتي لأمي تنتهز فرصة التجمّعات العائلية لتختبر قدراتها على إضحاك من هم دونها عمراً، فتمسك بالنشابة بعد تقديم الطعام ثم تقوم باستخدامها علي كأنني عجين مسجى على لوح خشبي. تنفجر الضحكات تباعاً لتوضح للجميع أن جسدي بحاجة ملحّة إلى هذه " الفردة" كي يتمدّد وتتوزع خميرته على كل أنحائه بالتساوي.

تصمت جدتي لتتسلم شقيقتي الوحيدة شعلة ما تعتقد أنه مزاح. تشير إلى وجنتيّ وجبهتي وهي تردّد " تاكتاك توكو"، أغنية الأطفال الشهيرة في الثمانينيات والتسعينيات، تعدد في مكونات الكمبيوتر، ولا حاجة إلى الإسهاب في شرح مقصدها بأن حبوب وجهي هي المماثل للوحة المفاتيح، وهكذا قدمني خلل الهرمونات على طبق من ذهب لكل من حلم بتجريب حظه من خفّة الظل ولم يوفّق إلا معي.

حاولت أمي أن توازن بين هذا السيل من استسهال السخرية بأن خلقت مبرراً لكل عيوبي الشكلية والجسدية، فكلما سمعت أن أنفي ضخم كانت ترد بثقة فريدة أن لولا هذا الأنف، لما أعجب أحدهم بفمي الضئيل، حتى أسناني البارزة قبل خضوعي لعدة إجراءات تجميلية قد أحبتهم وأثنت على انبعاجهم. نجحت أمي في أن تظل رمانة الميزان في مواجهة التشوهات النفسية التي كانت ستصيبني لو ولدت ابنة لغيرها. احتميتُ بمعينها الخلاق من العبارات الداعمة في مقابل عالم يتغذى حصرياً على دموع حواء التي اختصتها الطبيعة بصفات خلقية  تحولت مع الأيام إلى أثقال تقض مضاجع الإناث.

قال لي خطيبي إن فرصي في الإنجاب قد ضعفت بعد استئصالي لعدة أورام ليفية من الرحم وتجاوزي للسادسة والثلاثين، فرصيدي من  الأنوثة قد أوشك على النفاد!

سُدس دستة من الذكور

في أعقاب انتهائي من المرحلة الثانوية بمجموع تجاوز 99%، لم يشفع لي تفوقي الدراسي في تيسير حياتي العملية، كما خيل لي عقلي الغض آنذاك. أعلنت شؤون الطلبة بالقسم الذي كنت أدرس به عن حاجتها إلى عدة فتيات يتحدثنّ اللغة الإيطالية بطلاقة لاستقبال السفير الإيطالي بالقاهرة. تقدّمتُ بشجاعة اكتسبتها من أمي علاوة على ثقتي بمستوايّ. ظهرت نتيجة الاختبارات التي أجريت لنا وكنت من بين المقبولات، إلا أن إحدى الأستاذات قد قامت باستدعائي في مكتبها لتزف لي بشرى فوزي برحلة إلى الإسكندرية كتعويض عن استبعادي من قائمة من سيحظين بمقابلة السفير. حاولت الاستمرار في الوقوف إلا أن قدميَّ قد خانتاني، فجلستُ أمامها ملتمسة الخلاص من نظرتها الحادة، لم تمهلني لأستأنف الحديث وقامت بإلقاء الدافع الأساسي لعزلي من المهمة قائلة: "والله أنا حاولت أقنعهم بصورتك إللي قدمتيها مع الملف، بس مقدرتش، اسمني شوية يا حبيبتي عشان التخن يداري كبر مناخيرك، وحتى قليله تباني بنت".

تلقيتُ كلماتها في صمت ثم خرجت وشعور بتنميل يجتاح أوصالي، أردتُ للأوكسجين أن ينفذ إلى داخلي، حاولت أن أستريح في الهواء الطلق بالقرب من كافيتريا الجامعة، حسبتُ وصولي إلى الطاولة انتصاراً لجسدي المنهك والموصوم، تسلمني شاب بعد أن لمحني في حال مرتبك، قدّم نفسه في عجالة وجلس أمامي دون أن يسألني. أعجبني اقتحامه لي والطريقة التي كان يتحدّث بها عن نفسه. كان معيداً في كلية الآداب ويأتي إلى مكتبة كلية الألسن لإتمام أبحاث رسالة الماجيستير، تنقل من موضوع لآخر حتى بلغ حديثنا الطعام، كان يتحدّث عنه بشهية لا تخطئها العين، جاءني على إثر وصفه لوجباته المفضلة إحساس نادر بالجوع التقطه هو على الفور ليبادرني:"أطلبلك تأكلي معايا؟".

أكلت في ذاك اليوم مقدار حصتي من الطعام خلال شهر، قضينا أسابيع ونحن نتناول وجبتي الإفطار والغداء سوياً حتى زدتُ أكثر من ستة كيلو جرامات، تغيرت مقاساتي تبعاً لذلك وتورّدت وجنتاي وتحسّنت علاقتي مع الطعام بفضله، إلى أن صرنا نتقابل في أيام الإجازة لننهل من قوائم المطاعم ما لذ وطاب. تمت خطبتنا بعد ثمانية أشهر من تعارفنا، ولا أبالغ إن قلت إن سبب تعلقي به وموافقتي على الارتباط رسمياً هو الطفرة التي أحدثها في شهيتي. كنت آكل معه أضعاف ما أتناوله في بيتنا، ولا أركز أثناء حديثنا فيضيع مني جلّ كلامه، أعتذر ثم أواصل في مهمتي بنهم.

كنتُ مصدراً جيداً للثرثرة بين زملائي في العمل، حيث أعمل على ترجمة مقالات طبية عن جدوى الوصول إلى الوزن المثالي وأنا وزني يتجاوز المائة كيلو

تضاعف وزني من خمسة وأربعين كيلو جراماً إلى التسعين خلال أقل من سنة. أهملتُ مظهر جسدي الذي أصبح نشازاً وأقرب إلى بالون بشري، وغدت كل اهتماماتي منصبة حول أصناف الطعام التي نأكلها معاً، انهارت قدراتنا على التواصل بعدما تضرّرت مناعتي المتداعية بطبيعتها من كميات الأطعمة المصنعة التي فاقت طاقتها وطاقتي وطاقته أيضاً. اتهمني بتشويه صورة الأنثى التي كان يطمح إليها خياله، فوفّرتُ وقتاً قد يستهلكه في تبرير قراره المزمع بالفراق، واختفيت من حياته إلى الأبد.

في أعقاب تخرّجي، حاولتُ تزجية الوقت في التدرب لدى إحدى المجلات الرياضية المرموقة، كنتُ مصدراً جيداً للثرثرة بين زملائي في العمل، حيث أعمل على ترجمة مقالات طبية عن جدوى الوصول إلى الوزن المثالي وأنا وزني يتجاوز المائة كيلو! قضيتُ شهرين في انعزال تام عن كل من في المكتب، حتى قرّرتُ إعادة النظر في عاداتي الغذائية. استبعدتُ المواصلات في مشاويري، وصرتُ أمشي لأكثر من ساعة ونصف يومياً، تجنبت الحلوى والأطعمة السريعة قدر استطاعتي، إلا أن قدرتي على الحرق قد تقلصت ولم أنجح في فقدان سوى ثلاثة كيلو جرامات، ما جعلني ألجأ إلى متخصص يمكنه نزع هذا الشحم الذي يفوق شخصاً إضافياً أحمله على عظامي.

تابعتُ مع طبيب كانت عيادته قد افتتحت بالقرب من مسكني قبل أن أعمل بخمسة أشهر، نجحتُ معه في خسارة أكثر من عشرين كيلو خلال أقل من عام، وفي العام الذي تلاه كانت علاقتنا قد توطدت بصورة لم أكن لأتخيلها، فصرتُ أساعده في تنظيم مواعيد عمله كما ساعدني على اكتساب شكل المرأة الذي حلمت به. اهتممتُ بشعري بعد عمر من الإهمال، وصارت قامتي مرسومة بشكل أحسد عليه. تبادلنا الحب حتى ظننتُ أن ما من سوء قد يقدر على إيذائي وأنا في معيته. تواعدنا على الزواج فور انتهائه من تزويج أخواته الخمس. مكثتُ في ظله لسنوات لم أشعر بجريانها، وتغافلتُ عن تغيره بعد زواج شقيقته الخامسة. قلّت مقابلاتنا إلى الخُمس تقريباً. اضمحلت مكالماتنا الهاتفية لأقل من ربع ساعة كل ثلاثة أيام، وعلمتُ منه صدفة بخبر افتتاحه لعيادة جديدة في حي الزمالك!

حاولتُ تهوين الأمور على نفسي، خاصة مع ظروف عملي المكثف الذي أغرقت نفسي به بعد وفاة والدتي،  امتنعتُ لفترة عن مراسلته انتظاراً لتحديده لميعاد زواجنا بعد أن انقضت كل أعبائه. صحوتُ ذات نهار على رسالة مختصرة منه مفادها أنه سيتزوج بغيري خلال شهرين لأنه متعجل على الإنجاب، وأنا وإن صرتُ أنثى صارخة الجاذبية "ظاهرياً"، فإن فرصي في الإنجاب قد ضعفت بعد استئصالي لعدة أورام ليفية من الرحم وتجاوزي للسادسة والثلاثين، فرصيدي من  الأنوثة قد أوشك على النفاد!

تقبّلتُ رسالته بصدر رحب، تنفّستُ الصعداء بعد تخففي من عبء الترقب، ثم أرسلت إيميل إلى مديري بموافقتي على عرض السفر المعلّق لتغطية فعاليات كأس العالم لكرة اليد للنساء. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard