شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
حكومتي العزيزة: هل تسمحين لي بالإنجاب؟

حكومتي العزيزة: هل تسمحين لي بالإنجاب؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الثلاثاء 7 مايو 202410:51 ص

في بقعة الجغرافيا الملعونة التي أسكنها، لا يملك أحد من الأفراد العاديين رفاهية اتخاذ قرار شخصي، ولا أي قرار، لا الوصول إلى موعد في الوقت المحدّد باستخدام المواصلات العامة، ولا شراء ملابس العيد، ولا حتى تعزيل المنزل وغسل السجاد. كل القرارات هنا حكومية بالمطلق، حتى أكثرها خصوصية، كمواعيد الاستحمام وتمليس الشعر أو نزع الشعر. نعم، حتى هذه القرارات تخضع للسلطة الحكومية ولو بصورة غير مباشرة، فموظفو قطاعات الكهرباء والماء والوقود ليسوا سوى أذرع الحكومة التي تتلاعب بمصائرنا وتضبط مواقيت أفعالنا، وتحركنا كالعرائس المربوطة بحبال غليظة لا يخجلها أن تكون مرئية.

أنت بتفهم قدّ الحكومة ولاك؟

لقد تمّت برمجتنا، نحن الملاعين، على الانصياع لرغبة الحكومة في ممارسة أي فعل، وبعد صدور أي قرار حكومي مهما كان مجحفاً نجد _ولله الشكر_ من يشاركنا عبر منشورات فيسبوك شرح الرؤيا السديدة وبُعد النظر الذي نتج عنه طرح القرار، لذا فقد أذعنّا لجدارة الحكومة ومعرفتها لما هو خير لنا أكثر منّا، نحن المواطنين السفهاء الأشقياء المتذمرين دائماً.

هل تشعر بالحاجة للاستحمام بعد نهار صيفي حارّ ورطب؟ عليك أن ننتظر ساعة مجيء الكهرباء ليسخن الماء وتستحم، وأن تجدول مواعيد استحمامك مع بقية أفراد الأسرة.

هل تغريكِ الشمس الساطعة سيدتي لإجراء تنظيف عميق للمنزل؟ عليك أن تنظري في رزنامة دور الماء، وأن تقاطعيها مع وقت الكهرباء، وإن لم يحدث هذا التزامن الفلكي الساحر، فهذه إشارة قدرية وحكومية إلى أن منزلك ليس "مقلعطاً" ولا يحتاج التنظيف، أم هل تظنين نفسك أفهم من الحكومة في شؤون بيتك؟

لقد تمّت برمجتنا على الانصياع لرغبة الحكومة في ممارسة أي فعل، نحن المواطنين السفهاء الأشقياء المتذمرين دائماً، وبعد صدور أي قرار حكومي مهما كان مجحفاً نجد، من يشاركنا عبر منشورات فيسبوك شرح الرؤيا السديدة وبُعد النظر الذي نتج عنه طرح القرار 

إن فعل أمور بديهية كهذه في سوريا لا يمكن أن يكون عفوياً، بل يتطلب الكثير من التخطيط، فما بالك إذن بالنسبة للقرارات المهمة الحقيقة، مثل اختيار التخصص الدراسي أو الجامعة التي ستدرس فيها أو اتخاذ قرار الزواج أو الإنجاب، مجرّد التفكير في أمور كمالية كهذه لا يمكن اعتباره إلا "بجاحة" واضحة من المواطنين الوقحين الراغبين بعيش حياتهم وكأنهم في سويسرا!

سياسة الدعس على الأصابع

من أجل أن نعيش في الجهة الملاصقة لخط الفقر من الأعلى أعمل اليوم في وظيفتين ثابتتين، واحدة صباحية حكومية، وأخرى مسائية أونلاين لجهة خاصة، أملأ وقتي بينهما بأعمال الفريلانس وأعمال المنزل وتربية طفلتين وتعليمهما، أما زوجي، فيعمل في مدينة ثانية ما يقارب ست عشرة ساعة في اليوم ويبيت هناك منهكاً منكبّاً على وجهه، وقد نراه يومين في الأسبوع أو لا نراه، ولكن رغبة مجنونة _لا أجد ضرورة لتبريرها_ بإنجاب طفل ثالث تلحّ الآن مراراً، خاصة مع اقترابي من سن اليأس المبكر الذي ربما أرثه من عائلة أمي، وبعد تردّد دام خمس سنوات، جاءت الفرصة الأخيرة لاتخاذ قرار نهائي وحاسم، قرار سندفع ثمنه باهظاً من الندم مهما كان خيارنا، لذا فقد فضلنا تبنّي مقولة "الندم على الأشياء التي نفعلها أخف وطأة منه على تلك التي لم نفعلها"، وقرّرنا إقصاء العقل جانباً، وفرض رغبتنا الشخصية وحقنا في بناء الأسرة التي نحب على طاحونة الواقع.

ولمن لا يعلم، فإن إنجاب طفل في سوريا اليوم يعني البدء بادخار المال من لحظة ظهور خطين ورديين على كاشف الحمل المتمدّد فوق المغسلة _جرّب أن تتلفظ بكلمة "ادخار" ثلاث مرات أمام أي مواطن سوري وشاهد بعينك كيف يموت إنسان من الضحك_ لأن الادخار يعني حفظ أموال زائدة أو التخلي عن رفاهية ما والاحتفاظ بثمنها جانباً، وهذا ما لا يحدث هنا البتة، ما يؤكد أن اتخاذ قرار الإنجاب يساوي الانحدار إلى ما دون خط الفقر أو البحث عن أعمال ومصادر دخل إضافية، وكأننا نضع أصابعنا المتشبثة بهذا الخط اللعين تحت مداس الحكومة، لتمارس هوايتها المفضلة في رؤيتنا نسقط.

يصفعني صوت من داخلي: "هل يلقي أحد بنفسه إلى الهاوية؟ أي جنون يملي علينا أن نضيّق على أنفسنا وطفلتينا بإنجاب طفل آخر؟"، ليكون الجواب الفصل بأن قدومه/ـا سوف يطرد خوفنا من معادلة (2-1=1)، تلك التي قرّر الموت أن يكتبها فوق دفاتر عائلية عديدة نعرفها، فأرانا كيف بقي الواحد على طرف المعادلة مطأطئاً وحيداً وكئيباً.

أفتح فيسبوك فأشاهد "ستوري" صديقتي في أستراليا، تحضن أطفالها الأربعة وزوجها تحت شجرة الميلاد، ثم تقطع شرودي أصوات ضحك. أنظر لابنتيّ تلعبان بالدمى المحشوّة وتغيران نبرتي صوتيهما إلى أخرى أكثر ارتفاعاً وحدّة، أتخيّل طفلاً ثالثاً معهما، يشاركهما الضحك واللعب والشجار، فأقصد العيادة النسائية محتجّة بإجراء فحوصات روتينية، وأسرّ للطبيبة رغبتي بالإنجاب مجدداً.

أريد حلّاً لكل العقد في حياتي وفي رأسي لأجل أن أنظر في عينيّ طفلي فأراهما، وجواباً غير الدهشة على سؤال ابنتي: "ماما إذا جبتي بيبي رح تضلّي تعطينا مصروف؟"

سألتني الطبيبة: "من أجل أن تنجبي ذكراً؟"، أخبرتها أنني لا أريد أن أنجب طمعاً بجنس معين، أريد مولوداً لأجل أن أغيّر المعادلة، فقالت "جيد، لا أفهم لماذا ترغب نساء هذه البلاد بإنجاب الذكور، هل من المنصف أن يتعذّبن في تربيتهم ليصيروا شباباً ثم يتركونهم ويسافروا لتأمين مستقبلهم؟ هل يستطيع شاب في هذه البلاد تأمين مستقبله؟".

إن مجرد التفكير في المستقبل هو مطلق الرفاهية، المستقبل كلمة أبعد بكثير من أنوفنا نحن الذين لم نعتد التفكير به بل ألفنا الخوف منه فقط، فبتنا نتقاذف الغد ككرة ملتهبة، ونترك له الحرية المطلقة لاختيار الطريقة التي يصدمنا بها.

أتلمّس بطني وأفكر بمصباح علاء الدين فأحكّه، وأتخيل أن يخرج لي مارد على شكل "واسطة ثقيلة" أرسل معه معروضاً يقول: أريد حفاضات مهرّبة لا تسلخ مؤخرة طفلي، ودواء فعالاً للمغص غير مغشوش، أريد مازوت للمدفأة، وكهرباء لسخان الماء والغسالة، وطعاماً يساعد على إدرار الحليب واستعادة وزن ما قبل الحمل والولادة. أريد أن أستمتع بوقتي مع أطفالي دون أن يشغل بالي عدّاد إجازة أمومتي المتناقص بسرعة البرق، ولا شحّ المال بسبب فقدي الدخل من وظيفتي المسائية، ووضاعة ما تبقى من راتبي في عملي الحكومي الذي أنهكته القروض. أريد أن أرضع طفلي رضاعة طبيعية عاماً ونصف، دون أن أضطر لفطمه حرجاً من الحليب المتسرّب على ملابسي كلما تذكرته في أوقات العمل. أريد قصصاً وألعاباً وأدوية وثياباً دون أن أجري عشرات العمليات الحسابية. أريد زوجاً يمد يده ليسحبني من اكتئاب ما بعد الولادة، لا ينام في مقر عمله ليدخر أجور المواصلات. أريد حلّاً لكل العقد في حياتي وفي رأسي لأجل أن أنظر في عينيّ طفلي فأراهما، وجواباً غير الدهشة على سؤال ابنتي: "ماما إذا جبتي بيبي رح تضلّي تعطينا مصروف؟".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard