شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
الإسلام يحكم وإسرائيل إلى زوال... عن نظرة مصطفى محمود المستقبلية إلى المنطقة

الإسلام يحكم وإسرائيل إلى زوال... عن نظرة مصطفى محمود المستقبلية إلى المنطقة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتاريخ

الأحد 5 مايو 202410:30 ص

نبوءة مقدّسة نسجها مصطفى محمود، نظرةً سياسيةً مستقبليةً إلى المنطقة العربية، متناقضةً في جزء منها، ومثاليةً رومنسيةً في جزء آخر، لكنها في النهاية إعادة تشكيل لمستقبل العلاقات والصراعات التي عاصرها، برؤية محكومة بالوقوف في خندق الأصولية الإسلامية، متأثراً بالتاريخ الملحمي المبكر للإسلام.

رؤية مصطفى محمود (1921-2009)، افترضت وصول تيار الإسلام السياسي إلى الحكم، لكنه وصول لا يشبه وصول أي حزب سياسي إلى السلطة، بل سيكون وصولاً مقدساً تعمل على تجهيزه السماء، وتتغير الأرض لاستقباله، يسبقه سقوط الإمبراطوريات الكبرى مثلما سقط الفرس والروم قديماً، وتهاوت كل الدول، وقامت الدولة الإسلامية وحدها على أنقاض الجميع.

حديثاً، وبحسب نظرته، كان تفكّك الاتحاد السوفياتي خطوةً في طريق الصعود الإسلامي المرتقب، يليها انهيار الغرب وأمريكا، وتتكتل الدول العربية ضد إسرائيل، مدعومةً من دول العالم، وتزول إسرائيل ويتبدد حلمها، وتعلو راية الإسلام خفّاقةً.

رحلته من الشك إلى الإيمان

مُعطياً للعقل مساحته في المراجعة، بدأ مصطفى محمود حياته الفكرية منحازاً إلى الأفكار العلمية والمادية، مُعبّراً عن تطلعاته في كتابه المبكر "الله والإنسان" الذي ظهر تقريباً في العام 1995، وصدَّره بسؤال "بأي شيء نؤمن؟"، جاعلاً من كل المسلّمات أفكاراً قابلةً للمراجعة والمناقشة والتغيير، ولهذه الجرأة نعته أصحاب التيار الأصولي بالملحد.

رؤية مصطفى محمود (1921-2009)، افترضت وصول تيار الإسلام السياسي إلى الحكم، لكنه وصول لا يشبه وصول أي حزب سياسي إلى السلطة، بل سيكون وصولاً مقدساً تعمل على تجهيزه السماء، وتتغير الأرض لاستقباله، يسبقه سقوط الإمبراطوريات الكبرى مثلما سقط الفرس والروم قديماً

مع وصول الرئيس الراحل أنور السادات، إلى الحكم في مصر عام 1970، تحوّل مصطفى محمود وانقلب على أفكاره القديمة، عائداً إلى الدين. ومع تبنّي السادات للجماعات الأصولية والمتشددة، انخرط مصطفى محمود في معسكر الإسلاميين، انتماءً فكرياً وليس تنظيمياً، واتّسم عند البعض بسمات المنفتح، أو العائد من الإلحاد، وبأنه رجل العلم الذي ربط بطريقة شعبية بين الدين والأمور العلمية الخاصة بحياة وسلوكيات الحشرات والحيوانات والميكروبات وغيرها، ليخرج بخلطة توافقية تحت مشروعه الإعلامي الذي سمّاه "العلم والإيمان".

وينقل عنه السيد الحراني في كتاب "مذكرات د. مصطفى محمود"، قوله: "أعلن لأول مرة أنني تراجعت عن كل الأفكار المادية التي لا ترتبط بالدين، التي جاءت في كتابي الأول 'الله والإنسان'".

رسّخ محمود تحوله في كتاب سمّاه "رحلتي من الشك إلى الإيمان"، ومع هذه المرحلة تبنّى مجموعةً من الأفكار الخاصة بجماعات الإسلام السياسي المتطرفة، منها وصف الشيوعية بأنها "غلظة مادية وجاهلية لا تختلف عن جاهلية قريش"؛ كما في كتابه "حذار"، ووصف عصره بأنه في "جاهلية أشدّ كثافةً وغلظةً من الجاهلية الأولى، هي جاهلية القرن العشرين المتنكر في ثوب العلم المادي وغروره"، بحسب كتابه "محمد: محاولة لفهم السيرة النبوية". والجاهلية مصطلح تكفيري استخدمه سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"، وأخوه محمد قطب في كتاب "جاهلية القرن العشرين".

ليست الجاهلية وحدها التي تقاطع بها مع الجماعات، بل أيضاً اعتقاده بصعود راية الإسلام، ويكشف مدى إيمانه بالتفسير الحركي للدين، وأنه جاء ليؤسس دولةً، لأن "الله أراد بالإسلام أن تكون له راية في الأرض"؛ وفقاً لكتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، والقيادة ذات الأفكار الخارجة عن الدين فاشلة، فـ"لم يبقَ إلا التيار الإسلامي، والإسلام هو الحل"؛ كما ذكر في كتابه "قراءة للمستقبل".

متجاهلاً تاريخه العنيف، رأى مصطفى محمود في كتابه "قراءة للمستقبل"، أن "التيار الإسلامي برغم انحراف القلة وضياعها في الشكليات والمظهريات، ما زال هو الذي يملك القدرة على التنوير والتغيير، لأنه الوحيد الذي يملك التأثير، والوحيد الذي يملك قدرة التغيير من الباطن، بإيقاظ الضمائر وتحريك القلوب، وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة التاريخية"، فالعنف الذي تسبب فيه هذا التيار لم يكن عنده سوى "انحراف قلة"، وهم في النهاية يملكون أهم مفتاح في المعادلة وهو "تحريك القلوب" أي التأثير العاطفي.

تفكك الاتحاد السوفياتي ونهاية أمريكا

قفزاً على الأسباب السياسية، عدّ مصطفى محمود تفكّك الاتحاد السوفياتي بشارةً لقرب النصر الإسلامي، فالدبّ الكبير (روسيا) وبابا نويل (أمريكا والغرب)، هما القوتان المعاديتان للإسلام، فسقوط الروس، وكأنه سقوط أبدي لا قيامة فيه، يتبعه سقوط الغرب، وتخلو الساحة للمسلمين، وهو منطق غريب يشير إلى مدى ضعف وهشاشة أمة تنتظر انهيار الآخر لقيام مجدها.

وبحسب محمود في كتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، فقد "سقط الدب الكبير مغمى عليه، وهو يحمل على ظهره قنابل ذريةً تكفي لنسف الكرة الأرضية مرات عدة، والدور على بابا نويل الأمريكي الذي يتربع على قصور الجوهر والزخرف وصواريخ الباتريوث، وانهياره ليس ببعيد، والسوس بدأ يدبّ في أركانه".

هذا السقوط لأكبر قوتين ينتج عنه وريث، ليس مسلمي اليوم، أي معاصريه، و"إنما الوارثون مسلمون آخرون يصنعهم الله على عينه، ليكلل بهم هامة التاريخ"؛ وفقاً لكتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة".

في انتظار سقوط روسيا وأمريكا، تنشغل السماء بتجهيز الجيل الذي سيرث الأرض ويكلل هامة التاريخ، وفي رؤيته هذه يتقاطع مع فكرة شعب الله المختار.

وافتراض تداعي الغرب وقيام الإسلام دون النظر إلى الواقع ومعطياته، تضليل واضح، لأنه ينفي دور العقل والعلم والواقع، ويعطي أولويةً للتفكير بواسطة الرغبة والأمنيات، لذلك فمن الطبيعي ألا تكون هذه العودة المأمولة نتيجة عمل شاقّ وجهد مضنٍ في سبيل مزاحمة الدول المتقدمة، إنما هي سنّة كونية إلهية، من باب أن الدنيا ترفع أقواماً وتحطّ آخرين، فكما حطّت من شأن المسلمين لا بد أن يأتي يوم ترفع من شأنهم مجدداً.

يشير محمود إلى تعاقب الحضارات بالدور، من يأتي دوره يصعد إلى كرسي الهيمنة، ووفق رأيه "سوف تجري سنّة الله المنّان فيمن عليهم ويأخذ بيدهم، فما عرفنا الدنيا إلا خافضةً رافعةً لا يدوم لها حال"؛ كما ورد في كتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة".

متورطاً في دفع جمهوره للاستسلام للجماعات الدينية، وصف مصطفى محمود تحركاتها بأنها "صحوة إسلامية سوف تتعاظم وتعلو رايتها رغم كل العوائق ورغم كل العقبات"، كما في كتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، فأي شكوك فيها يصفها بالصحوة المتعاظمة، والراية العالية

صعود الإمبراطورية الإسلامية

متورطاً في دفع جمهوره للاستسلام للجماعات الدينية، وصف مصطفى محمود تحركاتها بأنها "صحوة إسلامية سوف تتعاظم وتعلو رايتها رغم كل العوائق ورغم كل العقبات"، كما في كتابه "الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، فأي شكوك فيها يصفها بالصحوة المتعاظمة، والراية العالية.

في الكتاب نفسه، رأى محمود أن هذه الصحوة آتية ضمن التجهيز الإلهي، ونصحها بالكف عن قول "الديمقراطية كفر" طارحاً نموذجاً للديمقراطية، هو برلمان النبي نوح، موضحاً أن نوح كان يتحدث إلى قومه، و"يدعوهم بالكلمة في برلمان مفتوح، يقول فيه ويسمع، بينما هم يسخرون منه ويهددونه بالرجم"؛ متجاهلاً أن نوح لم يكن حاكماً ولا سياسياً، لكنه عدَّه رجلاً ديمقراطياً ونموذجاً سبق العالم إلى الديمقراطية.

وهكذا، رأى مصطفى محمود كما ذكر في كتابه "قراءة للمستقبل"، أن الإسلام "أكبر قوة تعبوية في المنطقة"، وأنه سيتحكم في المستقبل، لذا تحركت الأقلام في الغرب لضربه في صورة التحذير من الجماعات الأصولية، وأن ما يُنسب إليها من حوادث إرهابية اتهامات ملفقة من "أجهزة جاسوسية محترفة لتلطيخ الإسلام وتشويهه".

وفي كتابه المشار إليه آنفاً، حذَّر من استعجال عودة الإمبراطورية الإسلامية، إذ "هناك أشواق إسلامية في كل بلد، وهي ظاهرة حميدة وطيبة ومبشّرة، ولكن هذه الأشواق تحاول أن تقفز على الزمن وتختصر التاريخ وتحقق الدولة الإسلامية، من دون أن تمر على المرحلة الأولى الضرورية، وهي صناعة الفرد المسلم، وهي عجلة لا مجدية".

هكذا، تستند رؤيته إلى صحوة تقوم بها جماعات دينية، وأن السنن الإلهية سوف تأخذ بيد المسلمين، وأن الله يصنع جيلاً على عينه ورعايته، لذا نصح بضرورة إعداد الفرد المسلم، والاتجاه نحو تكتل عربي وإسلامي، مُبشّراً بقرب صعود المسلمين في ظل غياب روسيا وأمريكا.

على أرض الواقع، فإن تعاظم راية الجماعات الإسلامية أدى في النهاية إلى إعلان الخلافة الإسلامية على يد أبي بكر البغدادي (قُتل في 2019)، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، في مدينة الرقة السورية، عام 2014، لكنه لم يكن وصولاً مقدساً، ولا كان تجهيزاً إلهياً، بل كان وصولاً دموياً على حساب الشعوب.

زوال إسرائيل

مضطرباً في تحديد السبب، ألحّ مصطفى محمود على زوال إسرائيل من خريطة المستقبل، مرةً يجعل زوالها بالسلام، ومرةً بالحرب والإزاحة، ومرةً بالوقوف العالمي في وجهها، مستعرضاً رؤيته هذه بوضوح في كتابه "قراءة للمستقبل".

وبحسب كتابه، فإن العرب وإسرائيل "لن يصبح أمامهما سوى حلّ واحد، هو أن يزيح أحدهما الآخر ليعيش، ولا يعود هناك مفر أو مخرج من صدام مسلح وحرب محتومة، حرب تقف وراءها وتمدها أكبر ترسانتين للسلاح (يقصد روسيا وأمريكا) لضرب خطر مزعوم اسمه الإسلام". وبرغم أنه بدأ حديثه بالصراع العربي الإسرائيلي، إلا أنه تجاهله في النهاية لتوجيه الخطاب نحو الحديث عن حرب روسية أمريكية مشتركة تستهدف الإسلام.

إذاً هي حرب على الإسلام، ثم لا يلبث أن يزعم أنه لن تكون ثمة حروب، فـ"بعد الحربين الأولى والثانية، لن تقوم حروب كبرى مثيلة، وهناك إدراك عام في العالم اليوم بأن أي حرب كبرى لن تبقي على غالب ولا مغلوب، وهم لهذا بدأوا بتدمير الترسانات والصواريخ وشرعوا في تسريح الجيوش، وبدأوا يجلسون للتفاهم في الكبيرة والصغيرة. والنغمة السائدة اليوم بين الكبار هي الديمقراطية والحوار والحل الدبلوماسي لكل شيء".

ويبدو أن العالم في نظر مصطفى محمود سيذهب ناحية القرية الواحدة بصورة عملية أكثر، لأنه "لن تكون هناك جيوش، وإنما بوليس دولي لفض المشاكل، وسيكون مصير أي زعيم مستبد أن يُعتقل في 24 ساعةً".

"العالم المنحل الغارق في ترفه وملذاته لن يقبل أن تهدم إسرائيل عليه بيته بدمار نووي"... مضطرباً في تحديد السبب، ألحّ مصطفى محمود على زوال إسرائيل من خريطة المستقبل، مرةً يجعل زوالها بالسلام، ومرةً بالحرب والإزاحة، ومرةً بالوقوف العالمي في وجهها، مستعرضاً رؤيته هذه بوضوح في كتابه "قراءة للمستقبل"

هذا العالم الصغير المتعاون سيكون سبباً في "دحر إسرائيل"، لذا فهو لا يراها على خريطة المستقبل، قائلاً: "الحق أني لا أجد لها مكاناً على خريطة المستقبل، لا أرى إسرائيل الكبرى في الأطلس، إنما أرى اليهود في القدس وحيفا ويافا مع المسلمين والنصارى يتعايشون بعد أن انتهت الصهيونية، قتلها السلام، قتلتها اليد المدودة بالمحبة". إذاً تموت الصهيونية بالمحبة، ويتعايش اليهود مع الديانات الأخرى في عالم رومانسي. هكذا "يخذلها العالم، وتجد إسرائيل نفسها وحيدةً ولم تجد الحليف، ووجدت العرب أمامها جبهةً واحدةً، وانتهت الأكذوبة في ساعات".

بمنطق عجيب، يزيد مصطفى محمود من اطمئنان القارئ بأن "العالم المنحل الغارق في ترفه وملذاته لن يقبل أن تهدم إسرائيل عليه بيته بدمار نووي لمجرد أنها تحلم بإسرائيل كبرى، الكل يريد أن يعيش بدون هذا الصداع الإسرائيلي المزمن، ووقفت إسرائيل لأول مرة منفردةً، والويل للمنفرد في عصر التجمعات وهكذا تغيرت الخريطة قبل أن يدخل العام الألفين"، أي أن وقوف العالم سيكون رغبةً منه في الحفاظ على انحلاله، فيتجه لدعم قوة إسلامية صاعدة تقيم عليه الحدود لانحلاله.

ولزيادة التأكيد على زوال إسرائيل، تساءل محمود: ماذا لو انحاز العالم إلى العدوان الإسرائيلي؟ وأجاب بثقة بالغة أنه "لو حدث، وهو أمر محتمل، وتكرر ما جرى في غزوة الأحزاب حينما استطاع اليهود أن يؤلّبوا قبائل الجزيرة على محمد صلى الله عليه وسلم، أو كما جرّد أبرهة جيش الفيلة على الكعبة، لو اختلت الكفّة بين قلة من أهل الحق وكثرة من أهل الباطل، فإن الله لا يطلب من القلة إلا الثبات وبذل أقصى المستطاع ثم هو ناصرهم بوسائله"، موضحاً هذه الوسائل بأنها "كما حدث يوم الفيل ويوم الأحزاب"، أي عبر التدخل الإلهي لحسم النصر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard