شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
كل عمل أحمق نتيجة لفكرة حمقاء

كل عمل أحمق نتيجة لفكرة حمقاء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير

الخميس 2 مايو 202411:19 ص

الفرنسي ألفونس بيرتليون هو من اخترع نظرية الأنثروبيومتري، أي نظرية القياسات البشرية، أو بلغة أخرى مبسطة: نظرية التزوير. وهذا يعني أنه هو من وضع الأسس العلمية التي، بناء عليها، يستطيع الخبراء، في وقتنا الحالي وأوقات سابقة، أن يميزوا فيما لو كان هذا الخط هو خط فلان أو ليس خطه. الغريب في الأمر أن بيرتليون لم يكن خبير خطوط من الأساس، رغم أنه قدم شهادته في أهم قضية تحتاج لمثل هذه الخبرة في زمنه.

لقد تم استدعاء بيرتليون من قِبل المحكمة العسكرية في باريس سنة 1894 ليقدم رأيه في احتمالية تطابق خط "اللائحة" مع خط المتهم بكتابتها، وهو الضابط في هيئة الأركان العامة، اليهودي ألفريد دريفوس.

"اللائحة" هو الاسم الذي تم إطلاقه على رسالة من ست صفحات، مكتوبة بخط اليد، تحتوي على معلومات سرية عن الجيش الفرنسي، دون تاريخ أو توقيع أو شعار، وتم اكتشافها قبل أن تُرسل إلى السفارة الألمانية في باريس، أي سفارة العدو آنذاك. أما المتهم بكتابتها فهو الضابط اليهودي ألفريد دريفوس، بحيث تم توجيه التهمة له دون أي مسوّغات إدانة سوى أنه اليهودي الوحيد في هيئة الأركان، والضابط الوحيد المنحدر من إقليم الألزاس، ذلك الإقليم المتنازع عليه بين فرنسا وألمانيا، والذي يسكنه أناس يتحدثون الألمانية ولهم علاقاتهم العائلية والاجتماعية مع الألمان.

كلّ التعريفات للمثقف،  من الملتزم إلى العضوي إلى النوعي، وكثير غيرها من قبيل المثقف الجمعي أو المثقف الكوني، لم يتطرّق أي تعريف منها إلى نوعية مثقف يقرّر بمفرده أنه مثقف، وذلك في لحظة مواتية للكلام

انقسم رجال القانون ورجال الجيش، وانقسم الإعلام والمجتمع حول هذه القضية، بين من هم مع إدانة دريفوس ومحاكمته، وبين من يعتقدون أن هذا الضابط مظلوم، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالرسالة، إلا صدفة تشابه الخط وليس تطابقه. وبسبب الفساد في الجيش أيامها، ولأن معاداة السامية كانت شيئاً مقبولاً في أوساط الدولة والمجتمع، كانت الغلبة والغالبية للذين يقفون مع الإدانة.

روائي، هو إيميل زولا، ليس له شأن لا في أمور الجيش ولا في أمور السياسة، ولم يكن له قبل هذه الحادثة أي نشاط سياسي، لم يعجبه هذا الظلم، فوجّه، عبر إحدى الصحف عام 1898، رسالة إلى رئيس الدولة بعنوان "إني أتهم"، فما كان من هذه الرسالة إلا أن أصبحت وثيقة تؤسّس لمفهوم المثقف، أو على الأقل تم بسببها ابتكار مصطلح "المثقف"، حيث أُطلق على إيميل زولا حينها.

فيما بعد تم صياغة التعريف المتماسك الأول للمثقف، وذلك على يد فيلسوف الوجودية جان بول سارتر، حيث عرّفه بأنه ذلك الشخص المشتغل بالفكر أو الفن أو الفلسفة، والذي حاز على شهرة معينة بسبب هذا الاشتغال والانشغال، وأن هذه الشهرة تخوّله وتسمح له بالتدخّل في أمور ليست من مجال حقل اختصاصه، أي في ما لا يعنيه.

إذن المثقف، حسب سارتر هو الذي يتدخّل فيما لا يعنيه، لكن سبب هذا التدخل ودافعه هو الالتزام أولاً وأخيراً؛ الالتزام تجاه القضايا المصيرية أو القضايا الكبرى التي تخصّ مجتمعه، بل والإنسانية جمعاء، وعلى رأس هذه القضايا حرية الفرد وكرامته.

بعد هذا التعريف للمثقف الملتزم من قبل فيلسوف الوجودية سارتر، جاء تعريف المثقف النوعي، والذي صاغه فيلسوف ما بعد الحداثة ميشيل فوكو. فبرأي فوكو، فإن المثقف هو ذلك الشخص المتخصّص، والذي يستطيع من خلال تخصّصه فقط أن يتدخّل في ما يعنيه لا غير. بمعنى أن المثقف لدى فوكو لا يجب أن يخوض في الشأن العام إلا من خلال معرفة متخصصة ونوعية في مجالها. وكأن فوكو يريد أن يقول لنا، أو هو يقول ذلك فعلاً: "إن كنت لا تعرف فلا تتدخّل، أو لا تقدم لنا فتواك."

إذن لدينا المثقف الملتزم الذي يدافع عنه سارتر، والمثقف النوعي الذي يفضّله فوكو، وكلا الفيلسوفين كانا في وقت من حياتهما عضوين في الحزب الشيوعي الفرنسي ولو لفترات قصيرة من حياتهما.

كيف يمكن للمثقف، في وضعنا الفلسطيني، أن يساهم في إيجاد هكذا حلول؟

لكن هناك فيلسوف ماركسي آخر له رأي مختلف في مفهوم المثقف، وهو الإيطالي أنطونيو غرامشي، حيث عرّف المثقف انطلاقاً من الدور الذي يقوم به داخل بيئته الاجتماعية، أو داخل طبقته إن صحّ التعبير. هذا الدور هو الذي يحدّد فيما إذا كان المثقف المعني عضوياً أو لا، أي أن غرامشي ابتدع تعريف المثقف العضوي.

هذه التعريفات للمثقف من الملتزم إلى العضوي إلى النوعي، وكثير غيرها من قبيل المثقف الجمعي أو المثقف الكوني، لم يتطرّق أي تعريف منها إلى نوعية مثقف يقرّر بمفرده أنه مثقف، وذلك في لحظة مواتية للكلام، وتحديداً حين تكون هذه اللحظة متوافقة تماماً مع ما يحمله من فكرة مسبقة.

لتوضيح ذلك أقول: المثقف شخص منتج للأفكار، ولأفكار لا بد أن تكون تقدمية، بمعنى أنها تتجاوز السائد أو المتفق عليه. وهي مخلخلة للإجماع إذا كان هذا الإجماع يكرّس أو يخدم بيئة اجتماعية بائسة أو متخلفة. وكل كلام يتساوق مع السائد لا يمكننا أن نعول عليه أو نحسب قائله مثقفاً. ثم إن المثقف لا يكتفي بالتشخيص، بل يحاول أن يضع رؤيته للعلاج. أما النقاش بين المثقفين فيتم حول هذه النقطة بالذات، ألا وهي العلاج، أي الخروج من المشكلة، أي إيجاد حل لقضية الفرد في الحرية والكرامة.

كيف يمكن للمثقف، في وضعنا الفلسطيني، أن يساهم في إيجاد هكذا حلول؟

أولاً، بتعزيز النقد وتعزيز ثقافة محاسبة الذات. والنقد المقصود هو نقد الحالة بكافة عناصرها وكل تجلياتها. إذ ليس من المنطقي ولا من المقبول أن نكون قد وصلنا إلى ما نحن فيه من عجز ذاتي على المستوى السياسي، بعد مائة عام من النضال وتقديم التضحيات، وفي نفس الوقت نشعر بالرضى وأن الأمور بخير. النقد ليس هو نقد حماس لفتح أو نقد فتح لحماس، بل هو مراجعة كاملة لمجمل تجربتنا.

كيف لمثقف أن يدافع عن قيم ماضوية ويأمل بنتائج تحرّرية؟ هذا السؤال يمكن صياغته أو حتى الإجابة عنه بجملة: "كل عمل أحمق هو بالضرورة نتيجة لفكرة حمقاء"

ثانياً، أن نكف عن التصرّف بأن المظلوم لا يخطئ، أو أن خطأه مقبول ويمكن تفهّمه، فالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني تاريخياً لا يجب أن يبيح له ارتكاب الأخطاء مهما كانت صغيرة.

ثالثاً، أن نكف عن التعامل مع قضيتنا وحقنا كأنهما شركة تجارية أو عقارية. ففي الشركة إن خسرتَ فما عليك إلا أن تغلق أبوابها وتتوكل على الله، أما في المشروع السياسي فالهزيمة أو الخسارة ليست عيباً، بل دافعاً لمراجعة النفس والبدء من جديد. ذلك أفضل بكثير من أن نعاند ونسلّم ملفنا لدول إقليمية لتقرّر هي عنا، بعد مائة عام من النضال الذي توجناه بالقرار الفلسطيني المستقل.

رابعاً، لا يجوز للمثقف أن يصمت في وقت الرخاء وأن يتعامل وكأن الأمور على ما يرام، ثم يظهر فجأة حين يصير الكلام سهلاً ومدغدغاً لعواطف الجموع، وهذا ينقلنا إلى النقطة الأخيرة..

خامساً، كيف لمثقف أن يدافع عن قيم ماضوية ويأمل بنتائج تحرّرية؟ هذا السؤال يمكن صياغته أو حتى الإجابة عنه بجملة: "كل عمل أحمق هو بالضرورة نتيجة لفكرة حمقاء".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard