شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
قبائل ذوي منيع في المغرب والجزائر… الشتات بين وطنَيْن

قبائل ذوي منيع في المغرب والجزائر… الشتات بين وطنَيْن

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

تاريخياً، عُدَّ الجنوب الشرقي للمغرب – خاصة تافيلالت – الحاضن الجُغرافي للعديد من القبائل المُهاجرة بسبب خطها التجاري، وخصوبة المكان سابقاً، وغيرهما من الدوافع التي تساعد على الاستقرار.

قبيلة "ذوي منيع" من عرب الجزيرة، إحدى القبائل المؤسسة للمكون الثقافي والاجتماعي للجنوب الشرقي المغربي حيث اتخذت من هذه المنطقة، إضافة إلى غرب الجزائر مُستقراً لها.

منذ حرب الرمال حتى عام 1972 بعد ترسيم الحدود المغربية الجزائرية، وصولاً إلى غلق الحدود اليوم بين الدولتين، عاشت وما تزال قبائل ذوي منيع حالة الشتات الأسري، بين عم في الجزائر وخال في المغرب، بين أب هناك وابن وزوجة هُنا، بل وفقد عديد منهم أراضيهم السلالية، وضاعت حقُوقهم، وإن عبروا باستمرار عن وطنيتهم الصادقة، بداية بمُجابهة الاستعمار إلى المُشاركة في المسيرة الخضراء.

في هذا المقال، نرصُد أصلَ هذه القبيلة، وأسباب توزّعها بين المغرب والجزائر ونستعرض أهم عاداتها وتقاليدها المتجذرة.

جذور عربية

تعود جذور قبيلة ذوي منيع إلى بني هلال، القبيلة التي شكلت إلى جانب جماعة بني سليم وبني معقل الأصول الثلاث للقبائل العربية المستوطنة للشمال الأفريقي. علماً أن قبيلتي بني هلال وبني سليم دخلتا أفريقيا عام 1048.

منذ حرب الرمال حتى عام 1972 بعد ترسيم الحدود المغربية الجزائرية، وصولاً إلى غلق الحدود اليوم بين الدولتين، عاشت قبائل ذوي منيع، وما تزال، حالة الشتات الأسري، بين عم في الجزائر وخال في المغرب، بين أب هناك وابن وزوجة هُنا، بل وفقد العديد منهم أراضيهم السلالية، وضاعت حقُوقهم…

قبيلة ذوي منيع، أحد فروع بني هلال، المنحدرة من عامر بن صعصعة، التي هاجرت إلى شمال أفريقيا. استقرت القبيلة بدايةً بالجنوب الغربي للجزائر بمنطقة الساورة (جنوب غربي الجزائر) تحديداً، ليشد بعضهم الآخر من بعدُ الرحال نحو الجنوب الشرقي للمغرب، سجلماسة (مدينة تاريخية في تافيلالت اليوم) بداية ثم عين الشواطر بمنطقة بوعرفة شرق المغرب.

بحسب بنعلي محمد بوزيان، في كتابه "واحة فكيك"، فإن "قرية الشواطر مقر إداري لذوي منيع، بها يجتمعُ جل أبناء القبيلة، وبها توجد قيادتها". هذا لا ينفي انتشارهم في بقاع مُختلفة بالمغرب، منها الريصاني والرشيدية، بل حتى في المدن الكبرى، إذ تغيرت حياة قسم منهم وانتقل من البداوة والترحال إلى الاستقرار والتمدن. 

تسميةُ "بني منيع" تعود إلى الجد الأكبر "مناع" - الحاج عبد الكريم بن محمد. في حين تتفق المصادر التاريخية حول أصل التسمية، تختلف بعض الشيء في تفاصيل قصة هذه التسمية إذ يورد بنعلي محمد رواية في هذا الصدد، تفيد بأنه "خلال نهاية القرن 13، غادر الحاج عبد الكريم على رأس عشيرته متجهاً نحو سجلماسة حيث التقى الشريف مولاي الحسن الأول (جد الشريف بن علي مؤسس السلالة العلوية)، وفي طريقهما اعترضتهما عصابة من اللصوص وقطاع الطرق، وحمله عبد الكريم على كتفه. وأثناء عملية المطاردة بدأ الشريف يردد: امنع امنع امنع... يا مناع. ومنذ ذلك الوقت لُقِّب الحاج عبد الكريم بمناع وعُرفت قبيلته باسم ذوي منيع".

تورد مصادر أخرى أن الحاج عبد الكريم وأبناءه كانوا يشتغلون بالتجارة والتكفل بنقل الحجيج المغاربة لأداء مناسك الحج، وأنه في إحدى رحلات الحج مرت القافلة بالحجاز حيث كان يقطن الشريف قاسم بن محمد، طلب أهل سجلماسة من الشريف قاسم أن يوفد معهم أحد أبنائه للتبرك به نظراً لنسبه الشريف. فأوفد معهم ابنه الحسن بن القاسم (الحسن الداخل)، فلما اقتربوا من وجهتهم، تربّص بهم قطاع طرق، فاضطر الحاج عبد الكريم إلى أن يركب الحسن جملاً سريعاً وسلك به طريقاً، لا تسلكه القوافل، إلى أن وصلا إلى رأس العرك (مدينة مرزوكة حالياً). 

تتابع الرواية أن الشريف الحسن قال آنذاك، مشيراً إلى الحاج عبد الكريم: "السلامة من الله، والسبب فيها هو صاحب الجمال، فهو الذي منعني ونجاني من مخاطر وأهوال الطريق". ومن هنا جاءت تسمية منيع. ويقال إن الحسن الشريف أوصى أهله أن يدفن الحاج عبد الكريم مناع في ضريحه، وهو ما حصل إذ إن قبريهما يوجدان في نفس الضريح في قرية بمدينة الريصاني بتافيلالت تُدعى كرينفود، ومن هنا توطدت العلاقة بين العلويين وبين ذوي منيع.

رقصة هوبي والعبور نحو الأصول

لذوي منيع العديد من الأعراف والتقاليد الخاصة والمميزة. لكن، تظل رقصة "هوبي" الأكثر بروزاً من بينها حيث تحضر بقُوة في أعراسهم ومناسباتهم السعيدة.

في حين أن معد التقرير ابن مِنطقة تافيلالت حيث تسكن وتنتمي العديد من عائلات ذوي منيع، فقد حضرت وشاهد مراراً وتكراراً رقصات "هُوبي"، وهو ما دفعه للبحث عن أصل كلمة "هوبي"، وعن الأهازيج التي تتخللها، وأصل هذه الرقصة المميزة وغيرها من الأسئلة.

"الرقصة الوحيدة في أعراف 'ذوي منيع' التي تجمع الرجال والنساء، في حين أن باقي الرقصات والأهازيج لا تحضرُ فيها النساء"... تعرفوا على رقصة "الهوبي" التي لا تغيب عن مناسبات ذوي منيع السعيدة، ويؤديها الأجداد دون الشباب، ويرتدي مؤدوها ألواناً محددة دون غيرها

في هذا الشأن، يوضح لرصيف22 الباحث يوسف القاسمي، وهو أحد أفراد قبيلة ذوي منيع: "رقصة الهوبي هي الرقصة الوحيدة في أعراف 'ذوي منيع' التي تجمع الرجال والنساء، في حين أن باقي الرقصات والأهازيج لا تحضرُ فيها النساء".

ويُردفُ يوسف بأن هذه الرقصة تُشبه إلى حد كبير الرقصات التراثية اليمنية، باعتبار أن الجذور التاريخية لذوي منيع تمتد إلى شبه الجزيرة العربية. 

تجمعُ هذه الرقصةُ فريقين من الرجال على شكل دائري يُشبه الهلال، الفريقُ الأول يردد بعض المواويل والأهازيج ثم يُكمل الفريق الثاني الشطر الآخر من الموال، كل مُوال يعبر عن عرق القبيلة التي ينتمي إليه كل فريق. كما أن هذه الرقصة تضُم بين أهازيجها مدحاً للنبي محمد، وبعض الأشعار من الزجل.

اللافت أن الشباب لا يشاركون في الرقصة، بل فقط الأجداد وشيوخ القبيلة لكونهم حافظين للمواويل والأشعار وكون الرقصة تتطلب خبرةً وجهداً في التنسيق والانسجام بين المشاركين فيها. كذلك، لا تعتمد الرقصةُ على آلات موسيقية نهائياً، فقط التصفيق والضربُ بالأرجل.

وعن أصل كلمة "هوبي"، يقول الباحث إنه مشتق من "هُبِّي لي"، أي تعالي إلي حيث تشملُ الرقصة امرأة تسير جيئة وذهاباً بين فريقين من الرجال، في رقص متمايل ودون تحريك لليدين. وحين ينتهي الفريقان من الأهازيج والمواويل تُختم الرقصة بالتوجه نحو المرأة، واستدعائها بالقول "هوبي" أي تعالي.

هذا أيضاً ما يؤكده الباحث في علم الاجتماع الصديق الصادقي العماري في بحثه "فرجة هوبي" عند قبائل ذوي منيع بتافيلالت، قائلاً:"رقصة هوبي من الأشكال التعبيرية القديمة التي لا تزال محافظة على إيقاعها الأول، بدليل اعتمادها على التصفيق والضرب بالأرجل في تناسق تام دون استعمال آلات موسيقية إلى اليوم، ويشكل هذا الإيقاع المميز ميزاناً خاصاً ترافقه المرأة برقصتها المعروفة".

يتزين الرجال والنساء بألبسة خاصة تحملُ دلالات رمزية، تختارُ النسوة الأصفر والأسود أو الأبيض والأحمر، في حين يتزين الرجال إما بالأبيض أو الأسود أو الأحمر.

يفصل العماري في دلالات الألوان بالقول: "إن ارتداء اللون الأبيض عند الرجال في العباءة والعمامة تعبير عن الفرح والسرور والخير والبركة والأُبّهة، ويتناسب مع لون البشرة السمراء، ويتقاطع مع اللون الأسود في السراويل عند الرجال، فيحقق اجتماع هذين اللونين مبدأ الانسجام الذي يمثل إحدى جماليات العرض في الرقصة".

في حين أن اختيار اللون الأسود يوحي بمظاهر ترتبط بالتعوّذ من الأرواح الشريرة، والتحصين من العين بينما يدل اللون الأحمر عند المرأة في حزامها خاصةً، هو رمز الشرف والطهر وعلامة العفاف، كما أنه تعبير عن الحب والعهد والتحالف.

ترسيمُ الحدود وتشتت القرابات

وعن أثر تكرار الأزمات السياسية بين الجزائر والمغرب على أفراد القبيلة الموزّعين داخل التراب الوطني في كل منهما، يقول يوسف بحسرة: "نحنُ المتضررون من إغلاق الحدود، ونحن الذين نعاني اليوم فُقدان أسرنا وأحبائنا هُناك ببشار والعبادلة والقنادسة...".

"جدي لأمي كان يذهب إلى بشار من مدينة الريصاني، يزور عائلته هناك، ثم يتناول معهم  الغذاء ويعود أدراجه إلى بيته. بل إن قبر جدتي لأمي يوجد ببشار وكان الأهلُ يذهبون سابقاً لزيارته من دون مشاكل، علاوة على متابعة الإرث الموجود هناك. ومع تقسيم الحدود، لم أرَ يوماً قبر جدتي، ولا أظنني سأراه يوماً لتفاقم المشاكل بين المغرب والجزائر"

لدى ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر عام 1972، بموجب اتفاقية إفران، حيث نصبت الأسلاك الشائكة، وزرعت الألغام بين الدولتين، فتفرّق شمل أبناء القبيلة بل وتوزّعت ممتلكاتهم وأراضيهم عبر حدود ترسُم لوحة الشتات بين الإخوة والأعمام من قبيلة ذوي منيع. قبل ترسيم الحدود، كانت مناطق "بشار، والقنادسة، والعبادلة، والريصاني" منطقة واحدة، تجمعُ قبائل ذوي منيع.

يضيف يُوسف، نقلاً عن أبويه: "جدي لأمي كان يذهب إلى بشار من مدينة الريصاني، يزور عائلته هناك، ثم يتناول معهم الغذاء ويعود أدراجه إلى بيته. بل إن قبر جدتي لأمي يوجد ببشار وكان الأهلُ يذهبون سابقاً لزيارته دون مشاكل علاوة على متابعة الإرث الموجود هناك. لكنني، اليوم ومع تقسيم الحدود، لم أرَ يوماً قبر جدتي، ولا أظنني سأراه يوماً لتفاقم المشاكل بين المغرب والجزائر".

يوضح يوسف أن جده لأبيه كان عون سلطة بمنطقة بشار، كما أن جدته لأبيه هي الوحيدة الموجودة بالمغرب في حين أن باقي أهلها ينتمون اليوم للجزائر.

هكذا فرقت الحدود بين الأحبة والأهل، وفقد من خلالها ذوو منيع أرحامهم، وتقطعت أوصالهم، فماتَ بعض الأهلُ هنا أو هناك من دون وداع. لم تعش قبائل ذوي منيع هذا الآسى اليوم فقط، بل عاشته منذ حرب الرمال، التي امتد صداها حتى 1989، حين فُتحت الحدود، وتقاطر الناس من الجانبين، وها هو واقعُ الأمس يتكرر في الوقت الحاضر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard