شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
أم كلثوم في عهد السادات… حين

أم كلثوم في عهد السادات… حين "شاخ" صوتها وضعف جسدها وضايقتها السلطة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتاريخ

الاثنين 29 أبريل 202412:43 م

"أقول إلى الذين همزوا ولمزوا عن صوت أم كلثوم في المواسم السابقة، لقد غنت في آخر حفلة من حفلاتها هذا الموسم كما لم تغن منذ خمس سنوات، إن هذا الصوت الشريف لا يزيد مع الزمن إلا حلاوة وعبيراً وتألقاً وإبداعاً"، هذا الاقتباس بعض مما كتبه الشاعر صالح جودت، في مقال له بمجلة الكواكب في أيار/ مايو عام 1970 بعنوان "إلى عشاق أم كلثوم"، مخاطباً به من يرون أن صوت أم كلثوم قد تراجع.

يقول المثقف الليبي صديق صالح جودت، سليمان منينة، لرصيف22، إن هذا المقال كان رداً من الشاعر المقرّب من أم كلثوم، على الصحافي والأديب والأثري الراحل كمال الملاخ الذي نشر خبراً في الصفحة الأخيرة التي كان يشرف عليها في جريدة الأهرام وقتها، نهاية نيسان/ أبريل 1970، مفاده أن حفل أم كلثوم القادم ربما يكون الأخير، أي ربما تعتزل الغناء.

كان منينة ضيفاً لدى جودت في منزله بالقاهرة حين قرأ المُضيف ما كتبه الملاخ في الجريدة، فاتصل بأم كلثوم ليستوثق من صحة الخبر، فغضبت وقالت: "بالعند فيهم هغني". بالفعل، ظهرت "الست" في حفل الشهر التالي مباشرةً، وتحديداً في 7  أيار/ مايو 1970، وقدّمت خلاله أغنيّتي "أقبل الليل" و"دارت الأيام"، بحسب منينة.

في هذا التوقيت، كان صوت أم كلثوم قد أخذ في التراجع، وكانت أيضاً على وشك فقدان نفوذها السياسي، وعلى أعتاب المرض الذي أفضى إلى وفاتها. بمعنى أدق وأشمل كان عام 1970 بمثابة عام الحزن بالنسبة لها، هو العام الذي بدأت أم كلثوم خلاله العد التنازلي وسنوات غروب شمسها، ففيه توفي قائد فرقتها عازف القانون الأشهر محمد عبده صالح، الذي ظل يصاحبها لسنوات طويلة وذلك في 30 حزيران/ يونيو، والذي حزنت عليه أم كلثوم، وهرولت لبيته حين سمعت بالخبر وقرأت له القرآن وبكت، حسبما نشرت مجلة آخر ساعة في 8 تموز/ يوليو 1970.

"هذا الصوت الشريف لا يزيد مع الزمن إلا حلاوة وعبيراً وتألقاً وإبداعاً"... ماذا نعرف عن "آخر سنوات" أم كلثوم حين "شاخ" صوتها، وتكالبت عليها ظروف المرض ومحاولات تحجيم شعبيتها ودورها الاجتماعي حتى لا تنافس "السيدة الأولى"؟

وفي نفس العام، وتحديداً في 28 أيلول/ سبتمبر، توفي الرئيس جمال عبد الناصر، الصديق والداعم لها إذ كانت علاقتها به تتجاوز كونه رئيساً للجمهورية بل كانت علاقة أسرية، مع أولاده وزوجته ومعه شخصياً.

ومع بدايات عام 1971، بدأ المرض يهاجم أم كلثوم إذ أصيبت بالتهاب حاد في الكلى، حسبما تتفق مصادر عدة، وظلت تعالج منه حتى توفيت بسببه في 3 شباط/ فبراير 1975. بالتزامن، تراجع نفوذ أم كلثوم السياسي بعد وفاة عبد الناصر وتولِّي الرئيس أنور السادات، وتزعم مصادر كثيرة أن زوجة الرئيس، جيهان السادات، كانت وراء ذلك.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مظاهر تراجع صوت أم كلثوم في هذه الفترة؟ وكيف تأثّر نشاطها الفني؟ وهل تراجع نفوذها السياسي حقاً - أو ضُيِّق عليها - في حقبة ما بعد ناصر؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في تقريرنا.

الشيخوخة وصوت أم كلثوم 

المطرب الجيد ليس ذاك الذي يمتلك صوتاً قوياً فحسب، وإنما الذي يمتلك مجموعة عوامل من بينها الإحساس بالكلمة واللحن، والشخصية الفنية التي تمكنه من اختيار الكلمة واللحن المناسبين، والوعي والخبرة بذوق الجمهور.

امتلكت أم كلثوم كل هذه المقومات، وفي مقدمتها الصوت القوي الواضح، الذي تمتد مساحته لأوكتافين كاملين، والأوكتاف يتكون من 8 درجات نغمية هي عدد درجات السلم الموسيقي المكتمل، أي أن صوت أم كلثوم كان يستطيع التجول على سلمين كاملين في نفس واحد، أي 16 درجة نغمية تؤديها بوضوح، وتتنقل خلالها بأريحية بين أعلى جواب (أعلى درجة نغمية) وأقل قرار (أخفض درجة نغمية)، حسبما يوضح الناقد سليمان جميل، في مقال له بجريدة الأهرام، منشور في 10 كانون الثاني/ يناير 1965.

امتلكت أم كلثوم أقوى صوت نسائي، فقد كان صوتها من نوع "سوبرانو"، حسبما يوضح المفكر عباس محمود العقاد في مقال له بمجلة المصور، منشور في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1949.

ولكن عام 1970 شهد بداية ضعف هذا الصوت، خاصة حين أخطأ الموسيقار محمد الموجي وأعطاها لحناً لا يتناسب مع إمكاناتها في ذاك التوقيت، لأغنية "اسأل روحك"، وكان ذلك في مطلع كانون الثاني/ يناير.

يحكي الموجي عن ذلك، خلال لقاء تلفزيوني، قال فيه إن الشيخوخة دبّت من صوت أم كلثوم، وواجهت صعوبة كبيرة في أداء الجمل التي كان لَحْنها بالأغنية من طبقات صوتية عالية، بعد أن كانت في ما سبق تؤديها بمنتهى الأريحية بل و"كمّلت آخر كوبليه بالعافية". 

وهو ما عاتبه عليه الموسيقار محمد عبد الوهاب، قائلاً: "حد يلحّن لأم كلثوم وكأنك بتلحن لها في (سن) الأربعين؟! انزل باللحن طبقة ونص يا أستاذ". 

وفي كتابها "أم كلثوم وعصر من الفن"، توضح الدكتورة نعمات أحمد فؤاد أن صوت أم كلثوم تراجع طبقتين أو ثلاثة "بحكم السن" فهي من مواليد 31 كانون الثاني/ ديسمبر 1898، أي أنها في عام 1970 كانت قد تجاوزت 71 عاماً، وحين توفيت كانت قد تجاوزت 76 عاماً تقريباً، ومع ذلك كانت تغني وتُطرِب، ويقسم المستمع إليها أنها غنت في تلك الحفلة كما لم تغنِ من قبل، بفعل تكييف صوتها، واختيار الألحان المناسبة له، وكذلك إحساسها الذي لا مثيل له.

تأثير السن على صوتها وتذبذب حالتها الصحية عموماً، ناهيك بحالتها النفسية، اضطر أم كلثوم إلى خفض نشاطها الفني خلال فترة سبعينات القرن الماضي. فلم تغنِ بدءاً من مطلع 1970 حتى وفاتها سوى 11 أغنية، وهو عدد قليل قياساً بفترة الستينيات التي أنتجت خلالها 47 أغنية، حسبما وثّقت إيزيس فتح الله ومحمود كامل في إحصائية نُشِرت في كتابهما "أم كلثوم" الصادر ضمن موسوعة أعلام الموسيقى العربية. 

مع الوضع في الاعتبار أن أم كلثوم لم تعش عقد السبعينات كاملاً، وإنما نصفه فقط، فبالمقارنة بالستينات كان يفترض أن تغني خلال الـ5 سنوات قرابة 23 أغنية وليس 11. هذا، ناهيك عن عدد الحفلات التي قلت، واعتذارها أكثر من مرة عن حفلات بعد الإعلان عنها.

فكرة الاعتزال والتراجع عنها

إلى ذلك، أضحى قرار اعتزال أم كلثوم، الذي ألمح إليه البعض في ربيع عام 1970، حقيقة معلنة في خريف نفس العام، وتحديداً بعد وفاة جمال عبد الناصر.

كانت علاقة أم كلثوم بجمال عبد الناصر وأسرته على أقوى ما يكون، فكانت تزورهم في المنزل ويزورونها، حسبما أكدت الأسرة نفسها في مناسبات كثيرة، ووثّق ذلك سعيد الشحات في كتابه "أم كلثوم وحكام مصر"، وكذلك حنفي المحلاوي في كتابه "عبد الناصر وأم كلثوم… علاقة خاصة جداً".

ومن مظاهر ذلك أن تدخّل عبد الناصر شخصياً لدى المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم لإعطاء جائزة الدولة التقديرية لأم كلثوم عام 1968، رغم أن مواصفات الجائزة لا تنطبق عليها، إذ لا تحتوي فئات المستحقين للجائزة على المطربين، باعتبار أن المطرب مجرد مؤدي لإبداع الملحن والشاعر، ولكن الاستثناء كان لأم كلثوم بأمر عبد الناصر، حسبما أكد الشحات في مؤلَّفه.

كذلك مُنحت أم كلثوم جواز سفر دبلوماسي، تتحرك به بلا قيود، وكانت شخصيات رفيعة في الخارجية المصرية تستقبلها في كل بلد تسافر إليه، وأخرى تودعها في المطار حين تغادر مصر، بما يصل إلى درجة السفير والوزير أو حتّى نائب رئيس الوزراء، بمن فيهم أنور السادات شخصياً قبل أن يصبح رئيساً للبلاد، وذلك عام 1953 حين سافرت للعلاج لأول مرة، حسبما نشرت جريدة الأخبار في 23 أيار/ مايو من نفس العام.

وحين توفي عبد الناصر، قررت أم كلثوم الاعتزال، ولكن السيدة تحية كاظم زوجة عبد الناصر، وسامي شرف السكرتير الشخصي للرئيس الراحل أقنعاها بالعدول عن القرار، حسبما تشير عدة روايات لمن عاصروا تلك الفترة. ويبدو أن أم كلثوم "شعرت باليتم"، كغيرها بعد عبد الناصر، بحسب تعبير الكاتب الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، الذي نقله الشحات في كتابه.

هذا الشعور باليتم ربما تعزّز بعد ذلك بسبب علاقتها التي قيل إنها كانت متوترة مع جيهان السادات حرم الرئيس أنور السادات، وأول توتر بينها وبين جيهان كان حين ذهبت إلى منزله بالجيزة لتهنئه بتولي الرئاسة، وقالت له: "مبروك يا أبو الأنوار"، فردت عليها جيهان السادات بغضب: اسمه الرئيس محمد أنور السادات، حسبما نقل حنفي المحلاوي، وحسبما شاع في مصر آنذاك.

موقف آخر، ننقله عن كتاب سعيد الشحات، حكاه هيكل في لقاء مع تلفزيون لبنان عام 1994، وكان هيكل مقرباً من الرئيس السادات حتى عام 1974، حيث قال هيكل إن أم كلثوم وهو (أي هيكل) وزوجته، والرئيس السادات وحرمه وعدد محدود جداً كانوا في ضيافة سيد مرعي، نائب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب، وحينها حدث موقف أغضب جيهان السادات.

شهد عام 1970 بداية ضعف صوت أم كلثوم، خاصة حين أخطأ الموسيقار محمد الموجي وأعطاها لحناً لا يتناسب مع إمكاناتها في ذاك التوقيت، لأغنية "اسأل روحك". يحكي الموجي، في لقاء تلفزيوني، أن الشيخوخة دبّت في صوت أم كلثوم، وواجهت صعوبة كبيرة في أداء الجمل التي تطلبت طبقات صوتية عالية كانت تؤديها سابقاً بأريحية بل "كمّلت آخر كوبليه بالعافية"

فحين دخل السادات إلى بيت مرعي كان يرتدي بليزر أسود وقميص أبيض، فنظرت إليه أم كلثوم وقالت ممازحة: "إيه ده ياريس، أنت عامل أبيض وأسود زي الشجر في الضلمة".

ضحك السادات، لكن زوجته جيهان غضبت وخرجت من المكان الذي يجلسون فيه، واستدعت حرم مرعي، ثم زوجة هيكل، ثم هيكل نفسه وقالت له جيهان: يرضيك كده (تقصد ما قالته أم كلثوم)؟، فرد هيكل: إنها تقول نكتة!

تنافُس على لقب "السيدة الأولى"

جيهان السادات ردت على ما سبق، خلال حوار تلفزيوني، نفت خلاله توتر علاقتها بأم كلثوم، وأكدت أنها ظلت تزورها في فترة مرضها، مشددةً أن أم كلثوم "كانت ست ذكية جداً وعمرها ما تغلط". علماً أنها لم تنف لقاءاتها مع أم كلثوم في بيت سيد مرعي، ولم تنف وجود كلام في الشارع حول سوء العلاقة بينها وبين أم كلثوم.

ووصفت جيهان "الإشاعة" حول "أبو الأنوار" بأنها مختلقة لأن أم كلثوم كانت "لبقة" و"محترمة".  

قد يفهم من تلميح جيهان أن هيكل هو من اخترع هذه الشائعة، بحكم الخصومة السياسية بينه وبين السادات بعد إقالته من الأهرام عام 1974، ولكن شهادة هيكل عن وجود توتر بين جيهان السادات وأم كلثوم ليست الوحيدة.

هناك شهادة الفنان والإعلامي سمير صبري، والذي كان برنامجه "النادي الدولي" المذاع على التلفزيون المصري في حقبة السبعينات الأشهر. أكد صبري توتر العلاقة بين أم كلثوم ورموز حكم السادات، وصلت إلى حد منع إذاعة أغانيها في برنامجه، "النادي الدولي"، بناءً على تعليمات عُليا، حسبما قيل له من إدارة التلفزيون المصري في حينه.

حكى سمير أنه أحرج جيهان السادات خلال حفل كان يقدمه، حضرته أم كلثوم كضيفة متفرجة، حيث همس سمير في أذن جيهان بأن أغاني أم كلثوم ممنوعة من العرض بأوامر عليا. رداً على همس سمير، ذهبت جيهان إلى حيث تجلس أم كلثوم وسلّمت عليها، ثم نادت على وزير الإعلام، وقالت له: "من فضلك، لا بد أن تذاع أغاني أم كلثوم بكثافة".

وبعدها بيوم، اتصلت أم كلثوم بسمير واستدعته إلى بيتها، وشكرته وقالت له إن ما فعله لم يستطع "أي شنب (تقصد أي شخص مسؤول) في مصر" أن يفعله، بعودة أغانيها للبث بعد شهور من التوقف.

ربما ساعد على هذا التوتر شخصية أم كلثوم ذاتها وتصرفها كشخصية مهمة في الدولة، حيث لم تكن تبدي خضوعاً أو انكساراً أمام السلطة، بحسب تعبير هيكل، الذي حكى أنها زارته علناً في منزله خلال أزمته مع الرئيس السادات، وهي زيارة خَطِرة على أي شخص وقتها، لأنها بالتأكيد تُغضِب رئيس الجمهورية. وصف هيكل أم كلثوم بأن "فيها شهامة أهل الريف" لذلك.

وكان هيكل قد اختلف مع الرئيس السادات في توجهاته بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وانتهى الأمر بإقالته من الأهرام، فرد هيكل وكتب: "استعملت حقي في إبداء الرأي، والرئيس السادات استعمل حقه في إقصائي عن الأهرام"، وهو التصرية الذي اعتبر تجرّؤاً من هيكل على شخص رئيس الجمهورية، ما أدى إلى تعميق الخلاف بينهما.

بالعودة إلى وضع أم كلثوم في هذه الفترة، فقد استجد تغيير آخر ألا وهو منح جيهان السادات لقب "السيدة الأولى" في تقليد لم تعرفه مصر من قبل، حسبما يوضح حنفي المحلاوي في كتابه، مضيفاً أن مهام "السيدة الأولى" كانت مقتصرة على الأنشطة الاجتماعية والعمل الخيري والإنساني، وهو المجال الذي أرادت أم كلثوم اقتحامه بعد رحيل عبد الناصر.

مع تصدر جيهان السادات المشهد، لم يعد مسموحاً أن تظهر أم كلثوم كأهم سيدة في مصر، كما هو معتاد، وبالتالي فإن أي نشاط خيري أصبحت "السيدة الأولى"، جيهان السادات، السابقة إليه، خاصة أن النظام آنذاك كان متحفظاً إلى حد ما في علاقته بأم كلثوم التي كانت محسوبة على الناصريين (أنصار فكر عبد الناصر الذين أسسوا تياراً سياسياً في سبعينيات القرن الماضي)، بسبب علاقتها الوطيدة بعبد الناصر وأسرته، والأهم علاقاتها بكبار مسؤولي دولته الذين سماهم السادات بـ"مراكز القوى" واعتقلهم عام 1971 في ما أطلق عليه "ثورة التصحيح".

ورغم ذلك، لم يستطع نظام السادات الاحتكاك بقوة أو علناً مع أم كلثوم، بفضل شعبيتها الطاغية ومكانتها التي تهدد من يفكر في الاقتراب منها. لذا، اقتصر الأمر على المضايقات ومحاولات تقليل نفوذها، من خلال منع بث أغانيها أو تلميع مطربات أخريات، وكانت هذه المحاولات في الغالب مصدرها زوجة الرئيس وليس الرئيس نفسه، بحسب المحلاوي.

في حين نفت جيهان السادات أن علاقتها بأم كلثوم كانت متوترة، هناك دلائل عديدة على محاولات السلطة في عهد السادات التضييق على أم كلثوم فنياً واجتماعياً، عبر منع بث أغانيها حيناً، وتأخير الموافقة على إنشاء مؤسستها الخيرية حيناً آخر بل والتعنت في تسمية شارع باسمها عقب وفاتها أو تحويل الفيلا التي سكنتها إلى متحف خاص بها

أزمات الأيام الأخيرة

ويحكي الشحات والمحلاوي، في كتابيهما، بتفصيل عن قصة مؤسسة أم كلثوم الخيرية والتي قوبلت بتعقيدات حكومية. طلبت أم كلثوم الحصول على ترخيص حكومي لإنشاء مؤسستها، التي كانت ستشمل دار أيتام وجمعية خيرية وسينما ومسرح. لكن الأمر قوبل بتسويف وتجاهل حكوميين، وتعطيل للأوراق لمدة عامين.

في المقابل، أعلنت جيهان السادات عن تأسيسها جمعية الوفاء والأمل، وقوبل طلبها بترحاب شديد واحتفاء في الإعلام الرسمي، وجرت الموافقة عليها سريعاً عام 1972، أما أم كلثوم فلم يصرح لها بإنشاء مؤسستها إلا عام 1973. تعطيل مؤسسة أم كلثوم اعتبره البعض متعمداً، كي تصبح جيهان السادات هي السبّاقة في هذا المجال وليست أم كلثوم.

علاوة على ذلك، تكررت المواقف التي حصلت فيها أم كلثوم على معاملة أقل من المعتادة على الجانب الرسمي، بما في ذلك ما يحكيه السياسي مصطفى الفقي الذي كان يعمل في منصب بسيط في السفارة المصرية بلندن عام 1973. حينها، جاءه تكليف من السفير بتوديع أم كلثوم في المطار، حيث كانت وقتها بالعاصمة البريطانية لتلقي العلاج.

وحين قابلها الفقي في المطار، غضبت أم كلثوم، وقالت له: لماذا لم يأت السفير بنفسه لوداعي؟ فارتبك الفقي، وردت أم كلثوم بأنها ستبلغ رئيس الجمهورية بذلك، لأن الطبيعي والمعتاد أن السفير بنفسه يخرج لوداعها وليس دبلوماسياً شاباً في السفارة.

حتى بعد وفاة أم كلثوم، تعامل نظام السادات مع اسمها بشكل اعتُبِر أقل من المفترض. تجلّى ذلك حين نادى كثير من الكتاب في مقالات صحافية بتسمية الشارع الذي كانت تسكن به في حي الزمالك باسمها، وهو شارع "أبو الفدا"، أحد أشهر شوارع حي الزمالك.

لكن محافظة القاهرة رفضت، وقالت إن أبي الفدا هو الإمام علي بن أبي طالب، وإزالة اسمه ووضع اسم أم كلثوم بدلاً منه قد يسبب حساسية لدى الشارع، وهو أمر "غير صحيح"، بحسب الكاتب والمؤلف المسرحي الشهير سعد الدين وهبة.

يقول سعد الدين وهبة في كتابه "من مفكرة سعد الدين وهبة" إنه اتصل بمحافظ القاهرة آنذاك ليوضح له أن أبو الفدا هو مؤرخ أيوبي معروف وليس الإمام علي، وأن شوارع حي الزمالك عموماً مسماة على أسماء الأيوبيين، مثل شارع شجرة الدر، شارع أيبك، شارع الصالح أيوب. إلا أن المحافظ تعنّت وأصر على رأيه، ثم اقترح أن يطلق اسم أم كلثوم على شارع الجبلاية، وهو شارع صغير ليس بحجم "أبو الفدا"، ويعتبر امتداداً صغيراً له، لا يتجاوز طوله 2.5 كيلومتر.

ومع ذلك وضعت لافتة واحدة صغيرة على الشارع فوق حائط نادي الجزيرة، تحمل اسم أم كلثوم، وعندما أنشأت الحكومة نفقاً بين شارع أبي الفدا وشارع أم كلثوم أسمته نفق أبو الفدا وليس نفق أم كلثوم.

وحين وضعت الحكومة لافتات أخرى في المنطقة توضح اتجاهات الطرق، استخدمت تعبير "شارع الجبلاية" وليس "شارع أم كلثوم"، بحسب كتاب الشحات.

نزولاً عند مطالبات المثقفين، صدر بعد أيام من وفاة أم كلثوم قرار مجلس وزراء بتحويل بيتها (فيلا) إلى متحف باسمها يضم مقتنياتها. لكن القرار ظل حبيس الأدراج، حتى بيعت الفيلا إلى مستثمر سعودي عام 1981 وتحولت في بداية عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك إلى فندق سياحي، وأقصى ما حدث هو أن الفندق حمل اسمها، بحسب المحلاوي.

بشكل عام، يمكن القول إن أم كلثوم لم تعش ازدهاراً فنياً أو اجتماعياً في عهد الرئيس السادات، وإنما حاصرها المرض، وتراجعت قوته الناعمة، تماماً كما أثر التقدم بالعمر المرض على صوتها وإنتاجها الفني، لعل احتباس صوتها في نهاية حفلها مساء 4 كانون الثاني/ يناير 1973، خلال أدائها أغنية "القلب يعشق كل جميل"، كان أبرز دليل على ما ذلك.

ويحكي كريم جمال في كتابه "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي"، أن "الست" ارتمت على كرسيها بعد أن أشارت بإغلاق الستار، ووضعت منديلها على عينيها وبكت في هذا اليوم. بكت ربما لأنها أدركت أن نهاية رحلتها الفنية الباهرة وشيكة، لأنها لم تستطع مواصلة الغناء، الذي لا تتخيل حياتها بدونه، إذ تعتبر الاعتزال والموت سواء، على حد قول محمود عوض في كتابه "وجع القلب".

لكن البكاء لم يكن علامة استسلام إذ حاولت أم كلثوم أن تغني بعد ذلك، فغنت "حكم علينا الهوى" في الأستوديو، ولكنها لم تغنِها في حفلات إذ تعثّرت صحياً أكثر من مرة وهي تسجلها عام 1973، ولم تُذَع الأغنية إلا بعد وفاتها، وكانت هناك مشاريع غنائية أخرى لم تكتمل مثل "أوقاتي بتحلو" التي أجرت عليها بروفات ولم تغنها، وغنتها وردة الجزائرية بعد وفاتها.


في الختام، استمرت أم كلثوم في المقاومة بثبات، وسعت جاهدةً إلى أن تظل أم كلثوم بكل ما تعنيه الكلمة حتى آخر نفس، ولكن جسدها لم ينصفها، وفاضت روحها بعد أن ملأت حياة المصريين والعرب طرباً طوال 50 عاماً، تاركة وراءها إرثاً ومكانة لم يصلها فنان عربي على الإطلاق.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard