كيف استغل رؤساء مصر الفن لتقديم صورتهم على الشاشة؟

الثلاثاء 12 أبريل 202203:27 م

حتى العام الماضي، كان مسلسل "الاختيار" بجزئيه الأول والثاني، ليس أكثر من عمل ترويجي للأجهزة الأمنية في مصر، تدافع به عن نفسها، وتطرح تصورها عما حدث بعد أحداث 30 حزيران/ يونيو. وبالنسبة لي، كان ذلك أمراً جديداً من ناحية أن الأجهزة الأمنية طوال عمرها اكتفت بطرح نفسها فنياً من خلال مسلسلات "الجواسيس" فحسب، كما أنه أمر جيد لأننا في حاجة إلى أن نعرف كيف تفكر أجهزة الدولة، لأن ذلك يساعدنا على الفهم قبل أن نتفق أو نختلف.

لكن مع طرح الجزء الثالث، تغيرت تلك النظرة، إذ إنه جزء ترويجي لكن لشخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي فحسب، الذي يؤدي دوره الفنان ياسر جلال، وكيف كان موقفه خلال عام من حكم الإخوان، وهنا بالضبط لم يعد المسلسل جديداً من نوعه، لأنه ببساطة ينضم إلى قائمة الأعمال الفنية التي استغل فيها رؤساء مصر الفن لتقديم صورتهم على الشاشة.

هذا الاستغلال قديم عربياً وربما عالمياً، منذ أن كان "خليفة" المسلمين يغدق الأموال على الشعراء للتغني به، وقت كانت للشعر سطوته وانتشاره بين الناس، ومع تطور الفن من غناء وسينما في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ظهرت بعض الملامح التي تربط بين الفن وشخصية الحاكم، ولعل أهم تلك الملامح أغنية "يا ليلة العيد" التي غنّتها أم كلثوم للملك فاروق، لكن حتى ذلك الوقت لم يكن الأمر مؤسسي.

هذا الاستغلال قديم عربياً وربما عالمياً، منذ أن كان "خليفة" المسلمين يغدق الأموال على الشعراء للتغني به، وقت كانت للشعر سطوته وانتشاره بين الناس، ومع تطور الفن من غناء وسينما في مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ظهرت بعض الملامح التي تربط بين الفن وشخصية الحاكم

مع قيام ثورة تموز/ يوليو 1952، تغيّر الأمر وبات نهجاً لرؤساء مصر لم يتغير حتى الآن، وإن اختلفت الوسائل والأهداف. ومع وجود مطرب مثل عبد الحليم حافظ وشعبيته العربية الجارفة، كان طبيعياً أن ينحاز جمال عبد الناصر إلى الغناء أكثر من التمثيل الذي تركه، في مقابل أغانٍ توثّق مسيرة "ناصر" مع كل حدث، بدءاً من تأميم قناة السويس وأغنية "حكاية شعب"، وصولاً إلى نكسة حزيران/ يونيو وأغنية "عدّى النهار".

وبعيداً عن هل كان "حليم" ورفاقه ينافقون "ناصر"، وهو ما أستبعده، أم كانوا من المؤمنين به، لكن في النهاية وجد عبد الناصر في "العندليب" الصوت الذي يمكن من خلاله أن يُقدّم نفسه كرجل يواجه الاستعمار وزعيم عربي فريد وناصر للفقراء و"معلم" على كل من يحاولون العودة بمصر إلى الرجعية، وكان اللافت في كل ذلك، تهميش تام لدور محمد نجيب، فلا ذِكر له في المناهج التعليمية التي قدّمت ناصر على أنه أول رئيس لمصر لفترة طويلة، أو تخليد لأي شيء فعله، بالرغم من أنه هو الذي وقّع قرار الإصلاح الزراعي الذي منح فلاحي مصر قبلة الحياة.

مع وجود مطرب مثل عبد الحليم حافظ وشعبيته العربية الجارفة، كان طبيعياً أن ينحاز جمال عبد الناصر إلى الغناء أكثر من التمثيل الذي تركه.

وبالرغم من أن السادات كان من هواة التمثيل، لكنه استغل الفن بطريقة أخرى لتقديم صورته على الشاشة، وربما أدرك أنه من الصعب تصوير نفسه كشخصية عظيمة بعد ناصر بشعبيته الطاغية، لذلك لجأ إلى تشويه الأخير ومنح الضوء الأخضر لسلسلة أفلام هاجمت عصر جمال عبد الناصر وصوّرت عصره كفترة سوداودية، مثل أفلام "الكرنك" و"إحنا بتوع الأتوبيس"، وهو ما دفع كاتب مثل محمد حسنين هيكل إلى أن يصدر كتابه "لمصر لا لعبد الناصر"، اعتراضاً على هذا الهجوم الممنهج، والذي في الوقت ذاته يُظهر السادات كرجل حريات جاء بعد عصر القمع.

استغلال مبارك للفن لم يختلف كثيراً عن سابقيه، فقد لجأ هو الآخر إلى سياسة التهميش، فقام بتهميش دور السادات نفسه في الأفلام التي تناولت حرب تشرين الأول/ أكتوبر، واكتفى بالتركيز على الضربة الجوية التي كان هو قائدها، بالإضافة إلى تهميش دور سعد الدين الشاذلي وعدم ذكر اسمه، بالرغم من أنه رئيس هيئة أركان القوات المسلحة وقت نصر تشرين الأول/ أكتوبر، وواضع الخطة الأساسي لملحمة العبور.

بجانب ذلك، كان فيلم "طباخ الرئيس" عام 2008، ذروة استغلال مبارك للفن، من خلال تقديم شخصيته بطريقة ملائكية على الشاشة، فهو الرئيس المهموم دوماً بحياة الشعب، ويريد تقديم الأفضل، لكن من حوله من وزراء ومستشارين هم من يحولون بينه وبين شعبه.

لذلك أعود للقول إن الجزء الثالث من مسلسل "الاختيار" لم يختلف عن هذا النهج، فهو صورة ترويجية للرئيس على الشاشة، اتّبع فيها سياسة التهميش نفسها فلا وجود -حتى الآن- للفريق سامي عنان رئيس هيئة القوات المسلحة وقت أحداث 30 حزيران/ يونيو، بالرغم من وجود المشير الراحل محمد حسين طنطاوي منذ بداية المسلسل.

وأخيراً أقول للمؤمنين بمقولة إن التاريخ يكتبه المنتصر، إن تلك القاعدة عفّى عليها الزمن، فالتاريخ يكتبه الجميع، جناة وضحايا وأبطال وهامشيون

لكن السؤال الأهم: هل سياسة التهميش تُجدي؟ بعد كل تلك السنوات لا مجال للاجتهاد، فقد ثبت أنها سياسة فاشلة، فمحمد نجيب الذي خرجت أجيال لا تعرف عنه شيئاً، استردّ مكانته بعد "ناصر"، وعاد اسمه إلى المناهج الدراسية كونه الرئيس الأول بعد الملك فاروق، وبالرغم من سياسة التشويه التي انتهجها السادات ضد ناصر، إلا أن الأخير أنصفته كتب كشفت مساوئه ومميزاته. أما سعد الدين الشاذلي فحظي بالتكريم اللائق بعد الإطاحة بمبارك في ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، وهكذا فلا مجال للتهميش.

وأخيراً أقول للمؤمنين بمقولة إن التاريخ يكتبه المنتصر، إن تلك القاعدة عفّى عليها الزمن، فالتاريخ يكتبه الجميع، جناة وضحايا وأبطال وهامشيون، لذلك إن كان من الضروري استغلال الفن لتقديم صورة ما، فعلى الأقل ألا نُهمّش شخصيات مؤثرةً في تلك الصورة، لأنها ستظهر وتسترد مكانتها سريعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard