شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
هربوا من تونس بحثاً عن غد أجمل فانتهوا في مقبرة الغرباء بإيطاليا

هربوا من تونس بحثاً عن غد أجمل فانتهوا في مقبرة الغرباء بإيطاليا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحقوق الأساسية

السبت 20 أبريل 202408:24 ص

"لو كنت أدري أن البحر سيبتلعه ويعود لنا بعد مشقة كبيرة واتصالات عديدة بهذا وذاك جثة لا حياة فيها، لكنت أجبرته على البقاء ومنعته بكل السبل من الهجرة. كنت أخشى أن ينفذ تهديداته لوالدته بالانتحار في حال عارضنا إقدامه على الحرقة (الهجرة غير النظامية باللهجة التونسية) ولهذا وافقت مكرهاً على أن يخوض المغامرة التي تمسّك بها لإيجاد مستقبل أجمل كما كان يظن. فحدث ما خشيته ووجدتني أقوم برحلة طويلة لأستعيد جثمانه وأودعه الوداع الأخير، دون أن أعتذر منه لأنني لم أمنعه من خوض هذه الرحلة القاتلة".
هكذا بدأ لطفي بوسيف، والد قصي، وهو أحد الشباب التونسيين الستة الذين قضوا في رحلة غير نظامية إلى إيطاليا في 26 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بعد أن غرق المركب الذي يقلهم على بعد أمتار قليلة من السواحل الايطالية، حديثه لرصيف22 عن ابنه الذي توفي قبل وصوله إلى البلاد التي كان يظن أنها تعده بغد أفضل، ودفن في مقبرة إيطالية دون موافقة أهله إلى جانب خمسة مهاجرين آخرين ثم استخرجت جثثهم وتمت إعادتها إلى تونس بعد جهود عائلاتهم وبعض الجمعيات. 
كان قصي، كما يروي والده، شاباً عشرينياً يعمل سباكاً، لكنه لم يكن راضياً عن عمله ووضعه المادي في ظل ضعف الأجر الذي يتقاضاه مقابل الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة في تونس. ولهذا كانت "الحرقة" بالنسبة له أنه دائم التفكير بالطريق التي سيستطيع من خلالها بناء حياة جديدة بعيداً عن بلاده التي لم تمنحه سوى الشعور بالإحباط. لكن الآمال الكبيرة تبخرت على عتبات البلد الحلم فوصل جثة بلا هوية إلى السواحل الإيطالية وكاد أن يظل مدفوناً في مقبرة إيطالية بلا اسم يدل عليه. 

كان قصي، كما يروي والده، شاباً عشرينياً يعمل سباكاً، لكنه لم يكن راضياً عن عمله ووضعه المادي. ولهذا كانت "الحرقة" بالنسبة له الطريق التي سيستطيع عبرها بناء حياة جديدة. لكن الآمال الكبيرة تبخرت ووصل جثة بلا هوية إلى السواحل الإيطالية
يقول لطفي بوسيف: "علمت أنه قد هاجر فجر الجمعة، وصباح السبت اتصل بعض الشباب من أبناء مدينتنا بأهاليهم وتحدثوا عن غرق المركب ووصول البعض ووفاة آخرين، ولكنه لم يتصل. بقينا أياماً نمنّي أنفسنا بأن يتصل هو الآخر ويطمئننا ويخبرنا أنه بخير ولم يحدث ذلك، وبعد خمسة أيام أخبرونا أنه قد تم التعرف على ست جثث وطلب إلينا القيام بالتحاليل الجينية لمطابقته عليها. قمنا بذلك وتم إرسالها إلى القنصلية التونسية في إيطاليا إلا أن الأخيرة لم تقم بتمريرها إلى السلطات الإيطالية أو تأخرت في ذلك، فقامت بدفنهم عندما لم تحصل عليها". 

من يسمع "أصواتنا"؟ 

فوجئت عائلة قصي وبقية عائلات الشباب المهاجرين الستة بالنبأ وقرروا ألا يتوقفوا حتى يستعيدوا رفات أبنائهم. قاموا بالتواصل مع عدة إدارات بما في ذلك وزارة الخارجية التونسية بلا فائدة، فكانت آخر خطواتهم اللجوء إلى رئاسة الجمهورية عبر إرسال ملفهم ومطالبة الرئيس التونسي قيس سعيد بأن يعيد لهم جثث أبنائهم. 
"لم أزر تونس العاصمة مرة في حياتي، لكنني وجدت نفسي أقصدها لأكثر من عشر مرات على مدار خمسة أشهر محاولاً في كل مرة أن أجد من يسمع صوتنا ويشعر بحزننا ولوعتنا على فلذات أكبادنا، بلا فائدة ولم نحظ إلا بمجرد مواعيد جوفاء تطلق من هذا وذاك بلا نتائج تذكر سوى أنها تضاعف أحزاننا. ربما كانوا يقولون ما حاجتهم لجثث بلا حياة، دون أن يدركوا كم هو موجع أن لا تملك مجرد قبر معلوم لابنك الراحل. وفي ظل هذه المماطلة قررنا مراسلة رئاسة الجمهورية كحل أخير، لتستجيب لندائنا ويفتح الملف مجدداً وتُنجز الإجراءات اللازمة لتعود جثث أبناءنا ونقيم عزاءهم وندفنهم هنا"، يروي لطفي.
بحسرة وحزن، يختم لطفي كلامه بالقول: "ربما أراحتنا عودة جثته قليلاً، لكن الحزن كبير خاصة لدى والدته التي أصبحت تسكن قبره صباحاً ومساء وهي لا تصدق بعد أنها لن تراه مجدداً، وأخته التي فقدت لشهر الكلام من هول الصدمة. ليت الزمن يعود إلى الوراء وأنا أتعهد أن أجعله لا يفكر مجرد التفكير في الحرقة اللعينة، لكن فات الأوان". 
وكان مهاجرون من محافظات المنستير والمهدية وقفصة، قد غادروا تونس على متن قارب في 26 تشرين أول/ أكتوبر الماضي باتجاه سواحل صقلية، إلا أن قاربهم غرق وفقد ستة منهم حياتهم على بعد عشرات الأمتار من شاطئ مارينيلا دي سيلينونتي ليتبين فيما بعد أنهم من حاملي الجنسية التونسية، وتم إنقاذ 45 مهاجراً آخرين.
ونظراً لتحلل الجثث وتعذر الاعتماد على اللوحات البصمية لتحديد الهوية، طالبت السلطات الإيطالية بعيّنات للسمات الجينية الخاصة بعائلات المفقودين الستة وهو ما تم. لكن، وحسب معلومات الخارجية التونسية، فإن التحاليل المطلوبة تمت إحالتها إلى مصالح الشرطة العلمية والفنية بمحافظة الشرطة في مدينة باليرمو بصفة متأخرة نظراً لتزامنها مع فترة أعياد الميلاد. لتتولى السلطات الإيطالية دفن الجثث الست دون إعلام السلطات التونسية بحجة تعفنها وعدم إمكانية الاحتفاظ بها لمدة طويلة بغرف الأموات بالمستشفى، حسب المصدر ذاته.
ورفضت عائلات الضحايا ومنظمات حقوقية تونسية دفن جثث المهاجرين الست في إيطاليا رغم تلقي القضاء الإيطالي عينات من الحمض النووي من عائلات الضحايا تؤكد هويتهم. وخاضوا سلسلة من التحركات من أجل ترحيل جثامين أبنائهم ودفنها في تونس، ليتم في 27 آذار/ مارس الماضي، استخراج جثث الشباب التونسيين الست الذين دفنوا في مقبرة "مازارا ديل فالو" وأعيدوا إلى تونس وهم كل من رضاء بن أحمد، فتحي سعادة، منير مبروك، آدم مروقي، قصي بوسيف، حمزة مبروك.
"عندما علمنا بدفنهم شعرنا بحرقة كبيرة جداً، وفتحنا أبوابنا لتقبل العزاء وكان سؤال الناس هل سيعودون؟ بعضهم علّق باستحالة العودة بعد دفنهم، وهو ما كان يزيد من لوعتنا. ولهذا عندما أخبرونا بموعد عودة الجثة لم ندر هل نفرح لأن الأمهات ستجد أخيراً قبوراً لأبنائها تزورها أو نحزن لأننا في النهاية فقدنا أبناءنا"
وإذا كانت رحلة استعادة الجثث شاقة فإن التعرف عليها كان بالنسبة لبعض العائلات أكثر شقاء وأشد مرارة. تماماً على غرار ما حدث مع عائلة آدم مروقي كما يروي خاله مروك شبيل.
ليل 26 تشرين أول/ أكتوبر، استقل آدم (20 عاماً) المركب، الذي أقلّ ستين شخصاً، من ميناء طبلبة (تابع لمحافظة المنستير) دون أن يخبر عائلته التي عرفت أنه قد هاجر عندما عثرت على دراجته النارية في الميناء. لم تتوقع العائلة هجرته في تلك الليلة تحديداً لأن الطقس كان ماطراً والرياح لم تكن ملائمة للقيام بمثل هذه الخطوة، لكن هذا ما حدث.
يقول خال آدم لرصيف22: "سلك المركب طريق سيسليا وبسبب غزارة الأمطار وقوة الرياح ارتطم بالحجارة واضطر المهاجرون للقفز في مياه البحر بعضهم أصيب وبعضهم نجى وبعضهم توفي. انتظرنا أن يتصل آدم ويطمئننا لكن لم يفعل وتابعنا في الصحافة الإيطالية انتشال خمس جثث في البداية. حينها تواصلنا مع بعض أصدقائه الناجين الذين أخبروننا في البداية أنهم قد رأوا آدم على الشاطئ وقد هرب للجبل وسيتصل بنا لكنه لم يفعل، أعدنا السؤال مجدداً فقالوا إنه قد ألقي القبض عليه وسيتصل وتتالت رواياتهم لنعلم فيما بعد أنه قد توفي وكذبوا علينا".
في 28 تشرين أول/ أكتوبر عرضت الصحافة الإيطالية جثث الغارقين الخمسة، لم يكن آدم بينهم، وبعد يومين أيضاً عرضت صوراً لجثة داخل كيس أسود لكن دون أن توضح ملامح وجهه، فحارت العائلة بشأن مصير ابنها. حينها، قرروا إنزال صوره على مواقع التواصل الاجتماعي وناشدوا التونسيين المقيمين في إيطاليا لمساعدتهم في إيجاده. ظلت رحلة البحث مستمرة حتى 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، عندما اتصلت بهم جمعية إيطالية وأخبرتهم عن أوصاف الجثة السادسة. 
يروي خال آدم، مروك شبيل: "قام بعض أعضاء الجمعية بزيارتنا وبعد حديث دار بيننا سألوني ما إذا كان هناك أي آثار لعملية جراحية على جسد آدم، حينها بت شبه متيقن من أنها جثة ابن شقيقتي لأنه سبق أن أجرى عملية جراحية على مستوى الركبة. لم أشأ أن أخبر العائلة بشكوكي. وواصلنا رحلة الاتصال بوزارة الخارجية وبعض الإدارات الوطنية والمحلية. وفي 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، ذهبت وشقيقتي لمنطقة الإرشاد البحري بالمنستير فأدخلوني بمفردي وأروني صور الجثث فتعرفت على آدم. كان الموقف صعباً جداً حاولت تمالك نفسي أمام أختي ولم أخبرها وكتمت الخبر حتى 24 كانون الثاني/ يناير الماضي".
عاش خال آدم أوقاتاً عصيبة، فهو من جهة لا بد أن يخبرهم بالكارثة ومن جهة أخرى يخشى على شقيقته وابنتها وعمة آدم من هول الصدمة، لهذا اضطر للكذب عندما سألته شقيقته لماذا يحتاجون لإجراء التحليل الجيني، ليخبرها أنه مجرد إجراء للتثبت لأن الجثة السادسة مشكوك في أمرها.
وفي 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، وصلت التحاليل إلى القنصلية التونسية في باليرمو. بعدها استمر خال آدم وبقية العائلات في متابعة الأمر تارة بالهاتف وتارة بالتنقل على عين المكان من إدارة إلى أخرى أين كانوا يطالبونهم بالتريث لتزامن المسألة مع أعياد الميلاد. واستمروا بالتنقل بين الإدارات حتى الـ22 كانون الثاني/ يناير عندما ورد خال آدم اتصال هاتفي يخبره أن السلط الإيطالية قد دفنت الجثث الست، في الـ16 من نفس الشهر. 
نزل الخبر كالصاعقة على عائلات الجثث الست واضطر خلالها الخال لإخبار العائلة بكامل الحقيقة. فآدم الشاب العشريني العاطل عن العمل الذي كان يظن أنه سيهاجر ليحسن ظروف عائلته الفقيرة، انتهى في مقبرة للغرباء بلا اسم يدل عليه.
يقول شبيل: "عندما علمنا بدفنهم شعرنا بحرقة كبيرة جداً، وفتحنا أبوابنا لتقبل العزاء وكان سؤال الناس هل سيعودون؟ بعضهم علّق باستحالة العودة بعد دفنهم، وهو ما كان يزيد من لوعتنا. ولهذا عندما أخبرونا بموعد عودة الجثة لم ندر هل نفرح لأن الأمهات ستجد أخيراً قبوراً لأبنائها تزورها متى اشتاقوا إليهم أو نحزن لأننا في النهاية فقدنا آدم الشاب العشريني للأبد. دفناه في 31 آذار/ مارس بعد تعب كبير لاستعادته. ربما لم يكن ليثمر لولا تدخل رئيس الجمهورية وضغط المجتمع المدني في تونس وإيطاليا وبعض المواطنين المقيمين بإيطاليا".

رفضت عائلات الضحايا ومنظمات حقوقية تونسية دفن جثث المهاجرين الست في إيطاليا. وخاضوا سلسلة من التحركات من أجل ترحيل جثامين أبنائهم ودفنها في تونس، ليتم استخراج الجثامين في 27 آذار/ مارس الماضي، من مقبرة "مازارا ديل فالو" وأعيدوا إلى تونس 
وتواجه تونس في السنوات الأخيرة، موجات قياسية من تدفقات المهاجرين غير النظاميين وكوارث متكررة نتيجة غرق قوارب المهاجرين سواء التونسيين أو من أفريقيا جنوب الصحراء أثناء محاولتهم العبور إلى السواحل الإيطالية. وشهدت سنة 2023 عبور أعداد قياسية من المهاجرين عبر السواحل التونسية بحثاً عن حياة أفضل في الضفة الأخرى لحوض البحر المتوسط، ليبلغ عدد الموتى الذين انطلقوا من هذه السواحل أكثر من 1300 شخص، وفق المتحدث الرسمي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر. كما تم رصد أكثر من 137 ضحية ومفقوداً في عمليات هجرة غير نظامية منذ بداية العام الجاري من بينهم أكثر من 57 شخصاً يحملون الجنسية التونسية، حسب نفس المصدر.
وحتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، اعترض الحرس الوطني التونسي 69963 مهاجراً مقابل 31297 خلال الفترة نفسها من عام 2022، بحسب ما ذكر مصدر من الحرس التونسي لرصيف22.
ومثل التونسيون الجنسية الثانية للمهاجرين غير النظاميين الذين يصلون إلى إيطاليا في سنة 2023 بواقع 17304 بعد الغينيين الذين بلغ عددهم 18204، حسب وزارة الداخلية الإيطالية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard